الأربعاء 13 تشرين ثاني 2019

أخبار لبنانية

الحريري بعد انتفاضة 17 أكتوبر: شروطي أو الفوضى!

الحريري بعد انتفاضة 17 أكتوبر: شروطي أو الفوضى!

نداء الوطن

التاريخ ,

"كلّن يعني كلّن" كانوا يشعرون أنّ الوضع لم يعد يحتمل. الطبقة السياسية بكل أطيافها، كما المواطنون بكل طبقاتهم، كانوا يدركون أنّ إناء "الكفر" سينضح بما فيه، وكوب التحمّل لم يعد بمقدوره استيعاب أي نقطة. يتقاذف السياسيون الاتهامات بهدر مليارات الليرات. ويتلاعبون على مشاعر المواطنين بوعود "كمّون" الاصلاحية... ولكن أيّاً من هؤلاء لم يكن ليعرف مسبقاً أنّ الـ20 سنتاً هي التي ستشعل الانتفاضة الشعبية.

 

فجأة انفجر البركان. بركان الغضب، الجوع، النقمة، انعدام الثقة والأمل... ولذا كان الشارع الملاذ الوحيد. توحّدت شوارع لبنان بشارع واحد يختزل كل المطالب بمطلب واحد جعل من الطبقة السياسية برمّتها من الصنف "الملعون".

 

كيفما انتهت هذه الانتفاضة، سواء على إحباط جديد، أم إنتصار محدود، على اعتبار أنّ الانتصار الكامل مستحيل، فالأكيد أنّ الطبقة الحاكمة سقطت. حتى لو بقي أركانها وممثلوها على كراسيهم، لكن شرعيتهم الشعبية صارت في العدم وصدقيتهم "بالأرض". طارت "الخيم" من فوق رؤوس الجميع. صاروا سواسية في "الظلم" و"الفساد" و"اللامسؤولية" و"التلكوء"... ولو على درجات متفاوتة.

 

الوجع هو نفسه من شمال لبنان إلى جنوبه مروراً ببقاعه وجبله وعمقه البيروتي. والهتافات بدت متشابهة في "قرفها" ورفضها للواقع ومناشدتها التغيير. إلّا أنّ السلطة غابت عن السمع والنظر مكتفية برصد الحراك الاعتراضي ومدى قوته على مقياس "الزلازل الانقلابية" قبل أن تقول كلمتها.

 

لوهلة ما، ساد الاعتقاد أنّ الهيكل سقط فوق رؤوس "أمرائه"، بعدما تحركت الرمال من تحت أقدامهم على نحو غير قابل للتطويق، وأنّ المعالجات التسووية لم تعد متاحة، وسياسة تدوير الزوايا والضحك على "ذقون الناس" لم تعد مقنعة أو حتى متوفرة. وبالتالي صارت الحاجة إلى قرارات كبيرة تتجاوز بنود الموازنة العامة وأرقامها، ماسة. تخطت الأزمة البعد الاقتصادي والمالي، وبلغت عناوين سياسية تحاكي النظام والتركيبة، وما بعد "17 أكتوبر".

 

بدا مشهد الزلزال الشعبي غير قابل للمساومة ببعض "التقديمات" المحدودة التي يمكن للسلطة عرضها من باب تهدئة الخواطر واستيعاب الصدمة وامتصاصها. ومع ذلك، استمر صمت أولياء السلطة حتى ساعات بعد الظهر. وحدهما الحزب "التقدمي الاشتراكي" و"القوات" قررا مواكبة الحراك الشعبي ومجاراة مياهه الجارفة، ولو على شكل "انفصام" في السلوك.

 

الكلمة الأولى كانت لرئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل الذي "استأذن" رئيس الجمهورية ميشال عون للتوجه إلى اللبنانيين من على منبر قصر بعبدا بعد اجتماع جمع الرئيس مع أعضاء "تكتل لبنان القوي".

 

مقابل النقمة العارمة التي ملأت الساحات اللبنانية مطالبة برحيل السلطة السياسية بكل مستوياتها، لم يأتِ وزير الخارجية بأي أمر جديد بعد تبرئة جانب فريقه من مسؤولية التلكؤ... سوى التمسّك بالحكومة القائمة بوصفها الفرصة الأخيرة، وإلا الفوضى أو الكارثة.

 

حذّر باسيل من المجهول والانهيار غامزاً من قناة طابور خامس "معلوم مجهول"، مؤكداً متانة "الحلف الرباعي" الذي يقوم العهد على أساسه، كي يبعد رئيس الحكومة سعد الحريري عن كأس الاستقالة. الأخير كان ميالاً إلى ترك الدفة بقبضة المتظاهرين الناقمين. أبلغ المعنيين إنّه خطّ كتاب الاستقالة، ومنح نفسه وقتاً حتى ساعات المساء الأولى ليتأكد من مجرى رياح التظاهرات، ومن يقف وراءها، ويقيس درجات تحوّلها.

 

جلّ ما قام به باسيل، هو تكرار معزوفة الاصلاحات ذاتها والتي سبق ووضعها على طاولة بعبدا، من دون أي إضافة إستثنائية من شأنها أن تبعث الطمأنينة في نفوس الجمهور المَحقون وتخرجه من ساحات الاعتراض.

 

ما أظهره سلوك السلطة، بدا وكأنه محاولة "ساذجة" لاستيعاب الغضب الشعبي، من خلال تجنّب المواجهات، سواء في الشارع أو على المنابر. يراهن أهل الحكم على أنّ الناس ستتعب، سيرهقها الصراخ والوقوف لساعات في الشارع، بعد يوم أو يومين أو ثلاثة على أبعد تقدير... ومن بعدها تستعيد السلطة مقاليد مواقعها. لا بل يمكن لها أن تستغل ورقة البركان الشعبي، في لعبة تجاذباتها ومعاركها السلطوية.

 

وكما باسيل، كذلك فعل الحريري من خلال الغمز من قناة "معرقلين" و"زعران" ومن يحاولون "بلّ أيديهم" به، من دون أن يبرئ حلفاءه من هذه التهمة، خصوصاً وأنّ معراب، كما المختارة، سارعت إلى الانضمام إلى حشود المتظاهرين متناسية أنّها شريكة سلطوية، مقابل توجيه أصابع الاتهام لـ"حزب الله" بممارسة سياسة "قبّ الباط" لجمهوره لرفع منسوب الاعتراض الشعبي.

 

بالنتيجة، منح رئيس الحكومة شركاءه 72 ساعة كي يضعوا إجاباتهم على طاولته. وفق المعلومات، أمضى مسؤولون عونيون وقياديون من "حزب الله" ساعات بعد الظهر محاولين اقناع رئيس الحكومة بعدم استخدام البطاقة الحمراء لإخراج ذاته من "المحرقة". ولذا أعاد الكرة إلى ملعبهم: إما تعودون إلى مربعي وفق شروطي "الاصلاحية" لتأمين الاستقرار المالي، وإما ينتهي وقت المباراة!