الخميس 05 كانون أول 2019

مقالات

حكم قطع الطريق وسدها ومنع الناس من المرور

حكم قطع الطريق وسدها ومنع الناس من المرور

المفتي الشيخ أحمد محي الدين نصار

التاريخ ,

السؤال: سماحة المفتي الشيخ أحمد نصار؛ إنّنا وأثناء التظاهر منادين بحقوقنا في وجه السلطة الحاكمة، نقوم بقطع الطرقات بوسائل متعددة، ونمنع الناس من المرور عبرها كوسيلة ضغط على السلطة، فما هو حكم الشرع في ذلك؟

 

الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
لقد نظم الشرع حياة المسلم تنظيماً دقيقاً شاملاً لجميع نواحي حياته؛ فبيّن الحقوق والواجبات، والحدود والعلاقات بين الناس. ومن الأمور التي بيّنها؛ الحقوق المتعلقة بالطريق، فأولاها الاهتمام البالغ وذلك لموقعها في حياة الناس، وكتب الفقهاء فيها بصورة موسعة، ولم يتركوا شاردة ولا واردة إلا وبينوها بما يقطع النزاع بين الناس ويرفع الخلاف، والناظر في تفريعاتهم وتأصيلاتهم، يلمس الاهتمام البالغ بها، كما أن رواة الحديث بوّبوا في مصنفاتهم أبواباً تتعلق بحق الطريق، ومما حملهم على ذلك تحذير النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (إياكم والجلوس على الطرقات)، قالوا: ما لنا بد، إنّما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: (فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقها)، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: (غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السلام، وأمرٌ بالمعروف، ونهيٌ عن المنكر) متفق عليه.
فالطريق مرفق عام لا يختص به أحد، ولا يستأثر به شخص، وإنّما هو لتحقيق الضروريات وقضاء الحوائج وتحصيل المنافع، ولما كان الأمر كذلك فقد وضع الشرع القواعد والأسس التي نظم بها أحكام الطريق، ومن ذلك؛ اعتبار المحافظة على الطريق شعبة من شعب الإيمان، وأن التعدي عليها منكر محرم مرفوض. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) رواه مسلم. والمراد بإماطة الأذى؛ تنحيته وإبعاده، والأذى كل ما يؤذي من حجر أو شوك أو غيره. 
ورتّب الشرع الحنيف الأجر العظيم على إماطة الأذى عن الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه شمس تعدل بين الاثنين صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمل عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة) متفق عليه. والسُلامى: هي العظام الدقيقة والمفاصل التي في جسم الإنسان، ومعنى الحديث: أن تركيب هذه العظام وسلامتها من أعظم نعم الله على عباده فيحتاج كل عظم منها إلى صدقة يتصدق ابن آدم عنه بها ليكون ذلك شكراً لهذه النعمة، ومن أنواع هذه الصدقة: إزالة الأذى عن طرقات المسلمين.
وقال صلى الله عليه وسلم: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له، فغفر له) متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: (لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة، في شجرة قطعها من ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس) رواه مسلم. وعن أبي برزة الأسلمي قال: قلت: يا نبي الله، علمني شيئاً انتفع به، قال: (اعزل الأذى عن طريق المسلمين) رواه مسلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عُرضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن) رواه مسلم.
فهذه الأدلة وغيرها تبيّن الفضل العظيم والأجر الجزيل على هذه الشعبة من شعب الإيمان ألا وهي إزالة الأذى عن الطريق، وتؤكد على حرمة كل أمر فيه إضرار بالطريق؛ مما يؤذي الناس أو يضع العقبات التي تعثّر مرورهم أو يضيّق أو يقيّد من حرية تنقلاتهم وتحصيل منافعهم، وكما أن إماطة الأذى عن الطريق صدقة يؤجر المسلم عليها، كذلك الاعتداء على الطريق وزر يحاسب عليه. 
قال الإمام بدر الدين العيني الحنفي في كتابه عمدة القاري في شرحه أحاديث فضل إماطة الأذى عن الطريق: "وفيه دلالة على أن طرح الشوك في الطريق والحجارة والكناسة والمياه المفسدة للطرق وكل ما يؤذي الناس، يخشى العقوبة عليه في الدنيا والآخرة". وأشار الإمام الغزالي إلى مثل كلام العيني في باب منكرات الشوارع في كتابه إحياء علوم الدين.
ومما يُستدلّ به كذلك على حرمة الاعتداء على حق الطريق ما رواه سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِىِّ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "غَزَوْتُ مَعَ نَبِىِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَزْوَةَ كَذَا وَكَذَا فَضَيَّقَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، فَبَعَثَ نَبِىُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُنَادِياً يُنَادِى فِى النَّاسِ: (أَنَّ مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلاً أَوْ قَطَعَ طَرِيقًا فَلاَ جِهَادَ لَهُ). رواه أبو داود وأحمد. ففي الحديث نهي عن التزاحم في البناء بما يوقع الضرر ببعضهم بعضا منها الطريق ، وكذلك بناء ما فيه تضييق الطريق على المارة، فكيف بمن يتسبب بقطع الطريق وسدّ والتسبب بقطع الأرزاق وتعطيل المصالح وتهديد أمن الناس.
ويُستدلّ أيضاً على حرمة الاعتداء على حق الطريق أيضا بقول الـنبـي صلى الله عليه وسلم: (مـن آذى المسلـمـين فـي طـرقـاتـهـم وجـبـت عليه لـعـنتـهـم) رواه السيوطي وحـسنـه. أي حقت عليه لعنتهم، فلهم أن يلعنوه، وفيه وعيد شديد يدل على عظيم جرم من وضع الأحجار والخشب والردم والإطارات المشتعلة في طريق الناس منعهم من مصالحهم أيا كانت.
وجاء الوعيد الشديد في حق من يلقي الأذى في الطرقات ويؤذي المارة ويعرقل السير في الطريق،كما  في قوله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا اللاعنين؛ الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم). ومعناه النهي عن قضاء الحاجة في الطريق الذي يسلكه الناس أو في الظل الذي يجلسون فيه، وأن من فعل ذلك فهو مستحق للعنة والعقوبة، لأنه يؤذي الناس بذلك وينجسهم أو يحرمهم المرور في الطريق والجلوس في الظل، وهم بحاجة إلى ذلك فيدعون عليه باللعنة.
ونخلص القول أن سدّ الطريق بأي وسيلة من الوسائل هو فعل حرام لا يجوز، وأن كل ضرر وإضرار بطريق الناس يجب كفّه والعمل على منعه وإبعاد أسبابه. والله أعلم.