الخميس 05 كانون أول 2019

مقالات

من مئويّة لبنان الكبير إلى مئويّة اللبنانات الصغيرة

من مئويّة لبنان الكبير إلى مئويّة اللبنانات الصغيرة

سركيس نعوم

التاريخ ,

المسؤولون السياسيّون والدينيّون “زاحوا” اللبنانيّين بموضوعين مُهمّين في رأيهم منذ بدء السنة الحالية. الأوّل هو إقناع العالم من خلال الأمم المتّحدة بتبنّي لبنان مقرّاً دائماً لمؤتمر أو بالأحرى لمنظّمة حوار الحضارات باعتباره أنموذجاً لتعايش ناجح بين الحضارات والأديان والطوائف والمذاهب والإتنيات والأعراق يجب أن تقتدي به كل الدول التي تُعاني صراع المُنتمين إليها. وما أكثرها في هذا العالم. على هذا الصعيد قام رئيس الجمهوريّة بمجهود جبّار إذ أثار هذا الموضوع في لقاءاته مع عدد من رؤساء الدول، وكلّف وزير الخارجيّة جبران باسيل للعمل من أجله مع نظرائه في العالم. وقد حقّقوا نجاحاً في المحافل الدوليّة لكنّه لا يزال نظريّاً. وليس السبب انشغالها بموضوعات وقضايا مُهمّة أو أكثر أهميّة أخرى فقط، بل هو أيضاً الشعور بالحرج من الذي يجري في لبنان قبل الاحتجاج الوطني الأكبر في تاريخه الحديث وفي أثنائه وبعده والخوف من الذي قد يجري بعده. وما جرى قبلاً أظهر وبكل وضوح مؤسّسات دستوريّة مُفكّكة تُسيطر على كلّ منها طائفة قويّة أو حزباً قويّاً أو مذهباً قويّاً، ومواطنين مُرتبطين حرصاً على مصالحهم بالزعماء النافذين عندهم، واستمرار توزيع المرشّحين للتوظيف والمرشّحين للترقية في الإدارات الرسميّة انطلاقاً من دياناتهم ومذاهبهم رغم ما في ذلك من مخالفة واضحة للدستور. هذا فضلاً عن عودة اللغة الدينيّة والمذهبيّة إلى ما كانت عليه قبل حرب الـ 1975 وما أعقبها. وما جرى ولا يزال يجري في ظلّ “الاحتجاج الوطني” المُشار إليه من عراضات طائفيّة ومذهبيّة مُسلّحة بأعلام متنوّعة وشعارات وربّما أسلحة لكسر “قشرته الوطنيّة” الصغيرة، ولإعادة “الضالّين” من المشاركين فيه إلى بيت الطاعة ولإجبار المُنتمين إلى جهات أخرى بالعودة إليها، لا يقنع العالم بأهليّة لبنان لاستضافة مشروع حضاري كالمذكور أعلاه. وما تشهده المناطق من تخريب واعتداء على الممتلكات وربّما لاحقاً على الناس بحجّة مسؤوليّة بعضهم عن الحال النقديّة والاقتصاديّة المأسويّة في لبنان، قد يدفع العالم إلى تأسيس لائحة توحي بها أحداث لبنان المستمرّة من زمان تُدرج عليها أسماء الدول الفاسدة بمؤسّساتها وإداراتها وقياداتها وأحزابها ومواطنيها، والفاشلة والمشاركة في معظم الآفات التي يعانيها المجتمع الدولي.

 

أمّا الموضوع الثاني المُهمّ الذي “زاح” المسؤولون السياسيّون والدينيّون به اللبنانيّين، ومعهم العالم الذي لا يصدِّقهم رغم استمرار محاولته مساعدتهم خدمة للمصالح المتناقضة لدوله، فهو الإعداد للاحتفال بـ”مئوية لبنان الكبير” في بحر السنة المقبلة. وينطلق ذلك من العقل المهرجاني – الاحتفالي – السطحي الغالب عند غالبيّة قادة شعوب لبنان رغم عدم اقتناع بعضهم بأن الفكرة سديدة ومعبّرة في حقيقتها، واقتناع بعضهم الآخر بعدم جدواها لأنّه يؤمن بلبنان آخر ومختلف أكبر من لبنان الكبير أو أصغر منه. وفي هذا المجال يعرف اللبنانيّون أن مقولة: “كلّما صغُر لبنان اعتزّ وكلّما كبُر اهتزّ” عاد الحنين إليها في قلوب الذين استفادوا من “لبنان الصغير” الذي قام بعد حرب أهليّة درزيّة – مسيحيّة بين عامي 1860 و1864. ولا يفيد هنا تحميل الخارج العثماني والآخر الأوروبي المتنوّع مسؤوليّة وقوعها رغم دورهما فيها. إذ أن المسؤوليّة الأولى تقع دائماً على اللبنانيّين. ومن أسباب عودة الحنين عدم تطبيق “اتفاق الطائف” نصّاً وروحاً والاجتزاء في تطبيقه، والامتناع عن فتح باب اللبنانيّين إلى الدولة المدنية دولة الوطن والمواطنة. واللبنانيّون مسؤولون عن ذلك ومعهم سوريا الأسدَيْن، ثمّ خروج التناقض الخلافي الأبدي بين الشيعة والسُنّة بعد نشوء الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة وبعد حلول الإسلاميّة السنُيّة والشيعيّة المُقسّمتين للبنان مكان العروبة التي وحّدتهم عقوداً، رغم أنّها كانت تثير التوجّس عند مسيحيّين كثيرين لاستحالة الفصل بينها وبين الإسلام. وأخيراً عودة انتهاج المسيحيّين طريقين لن تؤدّيا إلّا إلى “الاندثار”. الأولى “تحالف الأقليات” و”تفاهم مار مخايل 2006″ مثل عليه، والثاني التحالف مع الأكثريّة أي السُنّة لانّها في النهاية ستربح أي بعد عقود ربّما لأنّ غالبيّة المنطقة منها. ومسيحيّو التحالف الأوّل سيبقون دائماً في المرتبة الثانية بسبب الديموغرافيا وأمور أخرى رغم الشكوك في المستقبل البعيد. ومسيحيّو التحالف الثاني سيكونون ضمروا كثيراً عندما تستفيق الغالبيّة وتأخذ بأسباب الحداثة والقوّة وتستعيد دورها الإقليمي وزعاماتها العربيّة – الإسلاميّة.

 

في هذا المجال، لا بُدّ من الإشارة إلى حقيقة مُضحكة ومُبكية في وقت واحد يجب أن تدفع الذين يصرّون على الاحتفال بـ”المئويّة” عن اقتناع أو من دونه إلى التخلّي عنه والامتناع عن إجرائه. فلبنان الكبير الذي أعلنه المفوّض السامي الفرنسي عام 1920 غورو صار لبنانات مُتناحرة تقاسمت الجغرافيا الوطنيّة عمليّاً في حروب 1975 – 1990، وهي اليوم تكرّس هذا التقاسم بالسلاح الموجود كأمر واقع كما بالسلاح المخبّأ عند الآخرين، فضلاً عن السلاح الرسمي الذي يستحيل أن يبقى موحّداً ساعة يحين أوان حسم هذا الموضوع. طبعاً لا يعني ذلك أن لبنان سيقسّم رسميّاً علماً أن ذلك غير مستحيل، أو أنّه سيَتَفَدْرَل، علماً أن ذلك أقرب من التقسيم إلى الواقع، إذ أن من كانوا يرفضونه ربّما صاروا أو قد يصيرون ميّالين إليه في الوقت المناسب. فهو قد يبقي دولة واحدة، وقد تكون أكثر وحدة من لبنان اليوم والماضي. لكنّها وحدة القوّة والفرض والسلاح والتحالفات مع الخارج. ولهذا فإنّها لن تدوم سواء انتمى “مؤسِّسوها” إلى الغالبيّة في المنطقة أو إلى الأقليّة. وما شهدته دول عدّة قريبة وبعيدة دليل واضح على ذلك.

 

في النهاية لا بُدّ من إيراد بعض الاستنتاجات أو من إبداء بعض الملاحظات والأفكار. أولاها أنّ الأزمة الحكوميّة يجب أن تنتهي، إذ لم يعد جائزاً استمرارها جرّاء خلافات على الحصص والسلطة والمغانم بين أمراء الدولة وملوكها من كل الطوائف والمذاهب. فهؤلاء متساوون في غالبيّتهم بالمفاسد والمساوئ. ولن يفيد لبنان تبرّؤهم منها بمواقف جديدة أو تمسُّكهم بها أو بالسلطة أو بالاثنتين. لكن نهايتها يجب أن لا تكون إيذاناً بنهاية دولة لبنان الكبير أو دويلاته الصغيرة. بل إشارة إلى إمكان انتقاله إلى وضع أفضل تدريجاً. ويحتاج ذلك إلى خطّة مُحكمة وإلى استراتيجيا وطنيّة لا تخلُّ بميزان القوى الطائفي – المذهبي المختلّ أساساً، لكن توحي للمواطنين الثقة بصدق السعي إلى الاستقرار المفقود على كلّ صعيد. طبعاً لن يمنع ذلك عدم الاستقرار الأمني المتزايد والفوضى التي سيزداد استشراؤها ولا القتل العشوائي أو الاغتيال ولا السطو والسرقات بواسطة السلاح. لكنّه سيمنعه قطعاً من التحوّل حرباً أهليّة “حطبُها” جاهز عند كل الطوائف ولا سيّما إذا لمس الناس جديّة فعلاً في العمل الحكومي والرسمي والسياسي وإذا ابتعد الجميع عن المحاصصة.

 

ثانيتها أنّ الناس (الاحتجاج الوطني الأكبر في تاريخ لبنان الحديث) لا يستطيعون أن يبقوا في الشارع مدّة طويلة. فاكتفاؤهم بالساحات ومنعهم من قطع الطرق والاحتجاج أمام المؤسّسات سيُضعفهم لكنّه سيزيد حقدهم الذي لا بُدّ أن ينفجر لاحقاً. فالقشرة الوطنيّة اللّاطائفيّة الرفيعة التي ظهرت عندهم ستظهر مرّة أخرى وستكون أكثر سماكة لأن خيبة الأمل ستكون أقوى. وإذا هدّدت قشرة رقيقة منها من “أخافوا” الأعداء والأصدقاء وحلفاءهم واضطرّتهم إلى التدخّل مكشوفي الوجوه فكيف إذا سمّكت التطوّرات واستمرار الفساد المتنوّع والاستلشاق بالوطن والقيم القشرة الوطنيّة المُشار إليها. وإخراج هؤلاء من الشارع ممكن بإجراءات عدّة منها ثلاثة هي الآتية: إقرار مشروع قانون مُعجّل مُكرّر في سرعة باقتراح من النوّاب إذا استمرّ الفشل في تأليف الحكومة يُخفّض سِن الانتخاب إلى 18 سنة – إقرار مشروع قانون مُعجّل مكرّر يُنشئ سلطة قضائيّة مُستقلّة شكلاً وجوهراً، بحيث يخشاها القادة والأمراء والملوك قبل الناس – التحقيق مع المتُهمين بالفساد والذين يمتلك القضاء لهم ملفّات جديّة وهم موقوفون في السجن وليس في “المستشفيات” لأسباب صحيّة. فهم ليسوا أفضل من اللبنانيّين العاديّين الذين يمضون سنوات موقوفين من دون محاكمة أيّاً تكن “ارتكاباتهم”. ومن ساواك بنفسه ما ظلمك.

 

أمّا ثالثة الأفكار فهي أن جيش لبنان ومؤسّساته الأمنية يُشبهون قوّات “اليونيفيل” في الجنوب (قوّات حفظ السلام الدوليّة) في إدائهم لمهمّاتهم. وليس السبب في ذلك افتقارهم إلى الشجاعة والتدريب والسلاح والعزيمة بل افتقارهم إلى القرار السياسي الوطني الواحد. فـ”اليونفيل” قرّرت دولها من زمان وبعد سلسلة حوادث بعد حرب 2006 أن لا تُنفِّذ أموراً هي من صلب مهمّاتها تلافياً للاشتباك مع الناس وغيرهم وتعريض دورها ومهمّتها للخطر. والجيش والمؤسّسات الأمنيّة صارت مهمّتهم الفصل بين نوعَيْن مُتظاهرَيْن من فريقَيْن مُتخاصمَيْن أو منعهما من الاشتباك أو حماية أحدهما من تعدّي الآخر عليه بالسلاح وإن من دون أن يمنع ذلك أحياناً حصول الاعتداء ولكن مُخفّفاً. طبعاً للجيش كل الاحترام والمحبّة من “الموقف هذا النهار” وكاتبه. لكنُه يُحمَّل أكثر من طاقته ويستعمل في صراعات الداخل ويحاول أطراف داخل الدولة وخارجها استعماله ضد آخرين ومن دون قرارات سياسيّة. وهذا يحرجه ويؤذيه. فهل يريد كلٌّ من حكّام “اللبنانات الصغيرة”، في “لبنان الكبير” إسماً فقط، جيشاً خاصاً للبنانه؟