الأحد 05 نيسان 2020

أبحاث ودراسات

أيها العلماء أفتوا لا طلاق الا بشهود

أيها العلماء أفتوا لا طلاق الا بشهود

بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار - خاص الرابطة اللبنانية للاعلام

التاريخ ,

أيها العلماء أفتوا أن لا طلاق إلا بشهود
المفتي الشيخ أحمد محي الدين نصار
خاص lampress
العقد الذي تقوم عليه الزوجيّة عقد له قدسيتة في الإسلام، سماه الله تعالى في كتابه الحكيم بالميثاق الغليظ حين قال جلّ جلاله: وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، وقد شرعه الله تعالى لإقامة الحياة الزوجية المستقرة، المبنية على المحبة والمودة بين الزوجين، وإعفاف كل منهما صاحبه، وتحصيل النسل لاستمرار الإنسانية، وبناء المجتمعات وحسن خلافة الله تعالى في إعمار الأرض. وإذا اختلت هذه المصالح وفسدت النوايا بسبب سوء خلق أحد الزوجين، أو تنافرت الطباع، أو ساءت العشرة بينهما أو نحوها من الأسباب التي تؤدي إلى الشقاق المستمر الذي تصعب معه العشرة الزوجية، فقد شرع الله عز وجل رحمة بالزوجين فرجاً بالطلاق.
إلا أن الطلاق في عصرنا الحالي أصبح ظاهرة اجتماعيّة متفاقمة بسبب الجهل بالدين وضعف الإيمان، وبسبب ضغوط عديدة منها الاقتصادية والأمنية والنفسيّة وغيرها، أدت بمجملها إلى حالة من التوتر المستمر، والعجز عن حل الخلافات والنزاعات، والتسرّع في التلفظ بالطلاق لأهون الأسباب، وبالتالي انهيار الأسرة وتفكك روابطها وضياع الأولاد، وانعكاس ذلك بأثار سلبية خطيرة على المجتمعات الإسلامية من كل الجوانب. وهذا ما يرتب على السادة العلماء والمشايخ المسؤوليات في دفع المفاسد وإيجاد الحلول الفقهيّة للحدّ من هذه الظاهرة إلى جانب مسؤولياتهم الدعوية والتربوية، وعليه كانت دعوتنا لهم أن "أفتوا: لا طلاق إلا بشهود".
فقد اختلف العلماء في مسألة الاشهاد على الطلاق على قولين؛ فذهب جمهور علماء الأمّة إلى أن الطلاق يقع من غير إشهاد لأنّه حق الزوج، وله أن يتصرف في حقّه كيف يشاء، فلا يحتاج إلى إشهاد. مستدلين بأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على مشروعية الإشهاد، وبأنّ المسلمين قديماً وحديثاً كانوا يطلّقون ولم يشهدوا على هذا فدلّ على أن قوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، إنما للندب مثل قوله تعالى: وأشهدوا إذا تبايعتم فمن أشهد على طلاقه فحسن ومن لم يشهد فلا شيء عليه، وادعى البعض منهم الإجماع على ذلك.
أما القول بوجوب الإشهاد على الطلاق وأنه شرط فيه، فهو مذهب الإمام علي بن أبي طالب وعمران بن الحصين وعبد الله بن عباس من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين. ومن أئمة التابعين فهو مذهب كل من: الإمام محمد الباقر وجعفر الصادق وعطاء وابن جريج والسدّي وابن سيرين وطاووس وأبي قلابة. ومن الفقهاء؛ الإمام الشافعي في قوله القديم، ورواية عن احمد بن حنبل، ويحيى بن بكير من المالكية وابن حزم والظاهرية. وهو مذهب كل من العلماء المعاصرين؛ محمد جمال الدين القاسمي، الطاهر ابن عاشور، القاضي أحمد شاكر، محمد أبو زهرة، علي الخفيف، سيد سابق، محمد الغزالي، محمد فرج السنهوري، محمد ناصر الدين الالباني، عبد الرحمن الصابوني رحم الله تعالى الجميع، واختار هذا القول عدد كبير من علماء الأزهر الشريف وغيرهم.
واستدلوا بأدلة منها: قوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، فإن ظاهر الأمر في عرف الشرع يقتضي الوجوب وحمل ما ظاهره الوجوب على الاستحباب فضلاً عن إلغائه بالكلية خروج عن عرف الشرع من غير دليل كما أن الآية الكريمة لم تفرق بين الطلاق أو الرجعة في الإشهاد. وروى أبو داود وابن ماجه عن عمران بن الحصين أنّه سُئِل عن الرجل يطلق المرأة ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: "طلقت لغير سنّة ورجعت لغير سنّة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد". ومما هو معروف عند علماء الأصول أن قول الصحابي من السنّة كذا في حكم المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم.
وذكر ابن كثير في تفسيره عن عطاء أنه كان يقول في قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، قال: "لا يجوز نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل كما قال الله عز وجل إلا أن يكون من عذر". وأخرج السيوطي في كتابه الدر المنثور عن عبد الرازق وعبد الله بن حميد عن عطاء قال: "النكاح بالشهود والطلاق بالشهود والرجعة بالشهود". وقال ابن حزم: "قرن الله عز وجل بين المراجعة والطلاق والإشهاد فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض وكان كل من طلّق ولم يشهد ذوي عدل أو يراجع ولم يشهد ذوي عدل متعدياً لحدود الله تعالى وقال  من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
قال العلامة الشيخ سيد سابق: "... إذا تبين لك أن وجوب الإشهاد على الطلاق هو مذهب هؤلاء الصحابة والتابعين المذكورين تعلم أن دعوى الإجماع على ندبه المأثورة في بعض كتب الفقه مراد بها الإجماع المذهبي لا الإجماع الأصولي .... لانتقاضه بخلاف من ذكر من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المجتهدين... 
إن القول بوجوب الإشهاد على الطلاق وأنه شرط لإيقاعه فيه من الوجاهة ما فيه، وإنّ أحوال الناس من هرج ومرج وجهل ونوائب، وتصويب واستهداف للبنية الأسرية للمسلمين من كل حدب وصوب واتجاه، يقودنا لاختيار القول بوجوب الإشهاد على الطلاق وأنه شرط فيه، فليس من المعقول أن يشدد الإسلام في شروط عقد الزواج، ويصفه بالميثاق الغليظ، وتكون له شروط انعقاد وصحة ولزوم ونفاذ وقانونية ثم ينقض بكلمة!، هذا غير صحيح، فالإشهاد شرط لصحة الطلاق كما هو شرط لصحة عقد الزواج، والإبلاغ والإخبار ليس إشهاداً. 
وفوائد الأخذ بهذا الرأي الفقهي: أنه يقلل بشكل كبير من نسبة الطلاق. وأنه يتوافق وينسجم مع روح الشريعة الإسلامية التي تميل إلى حفظ الحقوق بالتوثيق الشديد من حيث الشهود، فكما يشترط في الزواج فاشتراطه في الطلاق أولى ومهم أيضاً. وأنه يعطي الزوج فرصة لمراجعة نفسه، وعدم اتخاذ القرار إلا بعد تفكر وتأنٍ. وأنه يفتح باباً للشهود أن يقوموا بدور في الإصلاح بين الزوجين قبل الذهاب إلى الطلاق.
قال العلامة الشيخ محمد أبو زهرة مرجحاً شرط الإشهاد في الطلاق: "وإنه لو كان لنا أن نختار للمعمول به في مصر لاخترنا ذلك الرأي، فيشترط لوقوع الطلاق حضور شاهدين عدلين، يمكنهما مراجعة الزوجين فيضيِّقان الدائرة، ولكيلا يكون الزوج فريسة لهواه، ولكي يمكن إثباته في المستقبل فلا تجري فيه المشاحة، وينكره المطلِّق إن لم يكن له دين. والمرأة على علم به، ولا تستطيع إثباته، فتكن في حرج ديني شديد".
وقال العلامة الشيخ الالباني: "... الهدم أصعب من البناء، لأنه يضيّع على الإنسان جهوداً كثيرة وكثيرة جداً، ... حينما يتزوج المسلم فإنما يضع الأساس لإقامة أسرة مسلمة، وكلنا يعلم قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا نكاح إلا بولي وشاهِدَيْ عدل) فأي نكاح لم يتحقق فيه الشهود العدول فلا يعتبر نكاحاً شرعياً، وهو بناء، فالطلاق الذي قلنا إنه أخطر من هذا النكاح فهو كالهدم بالنسبة للبناء، العقل والنظر السليم يؤيد أن يشترط فيه الإشهاد، ومعنى ذلك أن إنساناً ما قرر وعزم كما قال عزّ وجلّ: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، عزم على الطلاق، ولكن هذا الطلاق وضع له الشارع الحكيم شروطاً وهذه الشروط هي في الواقع كالعرقلة لمنع وقوع هذا الطلاق، لأن الطلاق يترتب من وراءه هدم الأسرة، فقال أن السُّنّـة الإشهاد، فكأن الشارع الحكيم يقول للمطلق: لو عزمت على الطلاق وأردت تنفيذه فأتي بشاهدين، كما إذا أردت أن تنكح فخذ الولي وأتي بشاهدين، وإلا فلا نكاح لك".
فخلاصة ما ننتهي إليه، ونؤمن به للفتوى، وندعو المفتيين لاعتماده في الفتوى في مثل هكذا زمان، بل حتى في القضاء؛ أن لا زواج بدون شهود، وكذلك لا طلاق بغير شهود.