الأربعاء 05 آب 2020

مقالات

الوباء والأخذ بالأسباب

الوباء والأخذ بالأسباب

بقلم المفتي الشيخ أحمد نصار - خاص الرابطة اللبنانية للاعلام

التاريخ ,

إن ما نعايشه اليوم من بلاء الوباء وما نراه يشغل الناس فيه خوفاً وهلعاً قد ساد الأرض كلها، فتوقفت الأعمال وأغلقت المدارس والأسواق وحتى المساجد... ينبهنا إلى ركن من أركان عقيدتنا وهو الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن كلّ شيء يعود لأمر الله الحكيم القائل: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، وأن المؤمن المُقبل على ربه دائماً يربط مشيئته بمشيئة ربه عز وجل ويعلم علم اليقين أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الآجال مكتوبة عند الله وأن الأعمار بيده سبحانه، وأن هذا البلاء الواقع بقدر منه تعالى لحكمة بالغة منه سبحانه لقوله صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن، إنّ أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له).
وهو – أي بلاء الوباء - تنبيه للجبابرة وأهل السلطة والقوة أن الله غالب على أمره وأن الأمور كلها بيده، فهذا الفيروس الصغير الذي لا يرى بالعين المجردة تخافه كل الأمم ويُعجزها مما يدل على عظمة الله وجلاله وقدرته، وأنه لا معقب لأمره، وهو لأهل الإيمان تمحيص وتطهير ولأهل الكفر والفجور عقوبة وتنبيه وتحذير.
إن بلاء الوباء هذا يزيد أهل الإيمان إيماناً ولجوء إلى الله ورغبة فيما عنده، ويتعبدونه سبحانه بالأخذ بالأسباب الماديّة دون توكل عليها، وإنّما توكلاً عليه واعتماداً عليه سبحانه وتعالى خالق كل شيء، ويقبلون على أنواع الطاعات؛ فيفزعون إلى الصلاة والصيام والصدقة والذكر والتلاوة والدعاء والبكاء والخوف والرجاء، ويعلمون أن ربهم جل جلاله هو أحكم الحاكمين وهو أرحم الراحمين. وأما الغافلون عن الله سبحانه فيبالغون في الأخذ بالأسباب المادية ويغفلون عن مسبب الأسباب وأن كل ذلك بيده وأمره وسلطانه، ويُخشى أن يصدق فيهم قول الله تعالى: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
فيجب على المسلم المؤمن أن يأخذ بالأسباب فيتسبب في العلاج ويتسبب في الحماية والوقاية قبل أن يصاب بالمرض، وهو يؤمن أن ما كتبه الله له لا بد أن يناله وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقد نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، وقوله: (لا يورد ممرض على مصح) وقوله: (لا ضرر ولا ضرار). والأخذ بالأسباب يقتضي من الإنسان أن لا يخالط كثيراً من الناس في وقت انتشار الأوبئة حذراً من أن يكون سبباً في أن يضر الناس أو أن يتضرر هو منهم مع علمه أنه ليس هو الضار وإنما يخاف أن يكون سبباً، فالواجب عليه أن يحتاط لنفسه من الآخرين وللآخرين من نفسه، فكما أن الإنسان مسؤول عن نفسه فهو مسؤول أيضا عن الآخرين وعن سائر مجتمعه وأن لا يلحقهم منه الضرر.
كما يلزم المسلم أن يتحصن بالأخذ بالأسباب الشرعية ومنها الصدقة؛ فالصدقة باب من أبواب الخير العظيمة التي رغّب فيها الشارع الحكيم وحثّ عليها، فهي تدفع المصائب والكروب والشدائد، وترفع البلايا والآفات والأمراض ويرْبي الله الصدقات ويضاعف لأصحابها المثوبات ويعلي الدرجات، ولذك جاء الأمر الإلهي: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ*أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ*وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، وقوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصدقة تطفئ الخطيئة وتقي ميتة السوء). ومنها صلة الرحم ومجمل أعمال الخير فإنها تدفع كثيراً من أبواب الشر وتغلقها عن الإنسان، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد من العمر). 
وكذلك يتحصن المسلم بالتعوذ وملازمة الأذكار عامة ومنها المخصوصة بالأمراض مثل: (اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء وعضال الداء و خيبة الرجاء)، وكذلك (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وضلع الدين وقهر الرجال وغلبة الرجال)، وكذلك (اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام وسيئ الأسقام)، فهذه الأذكار كلها يدفع الله بها هذا البلاء، فلا بد أن يلتزمها الإنسان ويحافظ عليها ويُعلمها ويُحفظها لأولاده وأهله، ويحث الناس عليها وينبه الغافلين إليها. 
ثم بعد ذلك يسعى للاحتياط بالنظافة الدائمة بغسل اليدين والوجه وتجديد الوضوء دائماً. وكذلك الحفاظ على نظافة الملابس والفرش، وتقوية المناعة بالتغذية كالعسل مثلا، فهو من الأشفية التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الأمور النافعة في هذا أيضاً استعمال الزنجبيل والليمون والماء الساخن وغير ذلك مما يتيسر للإنسان استعماله. وكذلك الاستدامة على السواك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، فإدامة السواك تقتل كثيراً من الجراثيم والميكروبات وتنظف عنها الفم والحلقوم واللهاة. والابتعاد عن أماكن ازدحام الناس فإذا كان الإنسان يحس بعرض من هذه الأعراض أو بمرض معد أو يخاف منه يَحرم عليه أن يخالط الناس لكيلا ينقله إليهم ومن فعل ذلك وتعمده فهو آثم، وتعمّده هذا إن تسبب في القتل فهو قاتل. وكذلك الاحتياط في أوقات الزحام باستعمال الكمامات والقفازات والابتعاد عن مخالطة الناس في التجمعات الكبيرة.
أللهم إنّا نسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن لا تكلنا لأنفسنا طرفة عين، ونسألك يالله أن تصلح حالنا وشوؤننا فليس لنا إلا أنت، ربنا إننا نعوذ بك من أن يصيبنا الحزن والهم أو أن تبتلينا بالكسل والعجز، ونعوذ بك من الجبن والبخل وسيء الأسقام.