الثلاثاء 27 تشرين أول 2020

مقالات

أُنسوا السعودية فملفكم معها كبير ومشكلاتها كبيرة

أُنسوا السعودية فملفكم معها كبير ومشكلاتها كبيرة

سركيس نعوم

التاريخ ,

اللبنانيون المعادون للجمهورية الإسلامية الإيرانية ولإبنها “حزب الله” لم يقطعوا الأمل بعد من عودة حليفتهم العربية والسنّية في آن المملكة العربية السعودية الى النظر بعطف إليهم والى بلادهم، وتالياً الى الانطلاق مرّة جديدة في مساعدتهم أولاً لتجاوز صعوباتهم الشديدة اقتصادياً ومالياً ومصرفياً واجتماعياً، ولا سيما بعد انهيار العملة الوطنية وتفاقم البطالة وانتشار عدم الاستقرار الأمني وتعاظم مظاهر تفسّخ الدولة اللبنانية جرّاء تصارع شعوبها وتمسّك قادتها بل أمرائها بمواقعهم وبسياسة استخدام الطائفية والمذهبية للمحافظة على ولائها لهم. لكن أمل اللبنانيين هذا هو مثل “أمل إبليس في الجنة” كما يُقال. فالمملكة ومعها دول أخرى شقيقة مجاورة لها اعتبرتهم وبلادهم من زمان جزءاً منها ففتحت أبواب العمل لمئات الآلاف منهم و”سمحت للشاطرين” من بينهم بالإثراء الكبير وأحياناً الفاحش، ولا داعي هنا الى التدقيق لمعرفة إذا كان مشروعاً أم غير مشروع. كما تطوّعت لتقديم المساعدات المالية لدولتهم لبنان كلما واجه عدواناً أو غزواً إسرائيلياً، وكلما حلّت به مصيبة داخلية طبيعية أو مصطنعة.

وتنازلت مرّات عدّة أمام منافسها نظام الأسد في سوريا من أجل دفعه الى شيء من التساهل مع اللبنانيين ولا سيما الذين لا يكنّون له الودّ وتالياً الى تسهيل عمل نظامهم، وإن كان في ذلك فائدة لدمشق واستراتيجيتها اللبنانية وإضراراً بمصالح لبنان الدولة المستقلة. علماً أن ذلك تُسأل عنه شعوب لبنان وقادته وحكّامه أكثر مما تُسأل المملكة. إذ أن لديها مشكلات ومصالح ورغم ذلك تقوم بما عليها تجاه لبنان لكنها وصلت الى نوع من اليأس لبنانياً. فشعوب لبنان وقادتها وأحزابها لا يرون فيها إلا مالاً ومساعداتٍ لهم ولدولتهم علماً أن الأخيرة راحت الى جيوب كثيرة فانتفخت على نحو غير مقبول، ويتجاهلون أن لها مصالح وأن لبنان قادرٌ على مساعدتها للمحافظة عليها. و”في وقت الحزّة” كما يُقال قرّر العهد الملكي الجديد في السعودية معاملة لبنان مثلما يعاملها أي “العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم”. فهي تخوض صراعاً وجودياً في رأيها مع إيران الإسلامية وترى في الوقت نفسه تحالفاً تعتبره غير طبيعي بين شعبٍ لبناني ونصف آخر ينفّذون مصالحها ويجعلون بلادهم جُرماً يدور في فلكها، ويمسكون بالدولة ويهاجمون المملكة من على المنابر، وفي الوقت نفسه لا يمانعون في دعوة شركائهم في الوطن إياها لمساعدة لبنان وشعوبه في أيام محنتهم. واستعمال عبارة أنها “شطّبت” على لبنان طالما استمر وضعه المعادي لها على حاله في محلها، وطالما خذلها من ساعدتهم ومن كل الطوائف والمذاهب في السياسة وفي غيرها معتبرين أن الضحك عليها يمكن أن يستمر.

هل الموقف السعودي هذا ناجمٌ عن خيبة أمل في لبنان وشعوبه ودوله؟ الخيبة بل الصدمة موجودة. لكن العهد الملكي الجديد بالعاهل سلمان بن عبد العزيز الذي أحب لبنان و”رَبيَ وتمتع فيه” لم يعد يرى فيه إلا مركزاً للتواطؤ على بلاده ولضرب مصالحها. علماً أن سنّه المتقدمة لم تعد تسمح له بالاستجابة لطلبات الإغاثة المالية “الشخصية والرسمية” التي يقدمها له لبنانيون. فما يهمه هو مصلحة بلاده في الظروف الصعبة التي تعيشها بعدما صارت ساحة تصارع الدول الكبرى في العالم والكبرى في الإقليم على من يؤسّس النظام الاقليمي الجديد ومن يقوده من الدول الكبرى فيها. أما وليّ عهده ابنه الأمير محمد فلم يعرف لبنان أيام عزّه وشبابه مثل والده وأعمامه وأبنائهم الكبار منذ استقلال دولته.

Ad Zone 4B

وهذه أيضاً حال معظم الأمراء السعوديين الشباب الذين يواجهون اليوم بناء مملكة قوية ومتماسكة شعبياً واجتماعياً، وقادرة على تنفيذ إصلاحات بنيوية تُدخلها القرن الواحد والعشرين الذي سبقتها الى دخوله دولة الإمارات العربية المتحدة، والذين استبدلوا لبنان الجميل والمحب والممتع والمناخ المعتدل صيفاً شتاءً بدول عدّة في المنطقة وخارجها فيها أمن واستقرار واحترام لهم ولمواطنيهم. فضلاً عن أن المملكة اليوم تجد نفسها أمام قضيتين صعبتين بل خطيرتين. واحدة تمسّ هيبتها واستقرارها الداخلي وقوّتها وتستنزف اقتصادها وثروتها بل احتياطيّها من أموال النفط وتؤخّر نجاحها في تحقيق طموحاتها كلها، وهي الحرب في اليمن أو عليه التي ظنّ وليّ عهدها الشاب عام 2015 أن النصر فيها سهلٌ وقريب. لكن ظنّه خاب لأن “العدو” الذي يخشى منه على بلاده ودورها وحكمها كان جاهزاً لاستغلال الحرب هذه فنظّم الحوثيين المعادين للمملكة وجعلهم جيشاً يهدّد بواسطته عمرانها وأمنها. أما القضية الأخرى فهي الإقدام على إقامة علاقة تطبيع رسمية مع إسرائيل تلبية لطلب أميركا ترامب بعدما لبّته أخيراً مملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة. علماً أن التطبيع غير الرسمي قائم أمنياً على الأقل انطلاقاً من المقولة العالمية: عدو عدوّي صديقي. لكن تحويله رسمياً وقريباً من سلامٍ ما فأمرٌ لا تستطيعه المملكة الآن على الأقل. فعاهلها هو خادم الحرمين الشريفين القائميْن على أرضها. وأيُّ تساهل في هذا الأمر قد يوظّفه الإسلاميون المتشدّدون من السنّة داخلها وفي المنطقة كما “عدوّها الإيراني” وإسلاميو الشيعة. وهذا ما لا يمكن أن تحتمله الآن بعدما صارت القدس”عاصمة” لإسرائيل.

متى تنتقل المملكة من التطبيع غير الرسمي الى الرسمي وربما الى أكثر منه؟ يقول متابع أميركي جدّي للمنطقة بكل دولها ومشكلاتها ولسياسة بلاده فيها أن السعودية ستتحرّك في اتجاه التطبيع الرسمي مع إسرائيل إذا لم يُعَد انتخاب ترامب لولاية رئاسية ثانية. وقد يتم ذلك بين منتصف تشرين الثاني المقبل والعشرين من كانون الثاني المقبل أي موعد تسلّم منافسه جو بايدن الفائز في الانتخابات مقاليد الرئاسة. ويضيف أن ولي العهد محمد بن سلمان يعرف أن الديموقراطيين الأميركيين لا يحبونه على الإطلاق وأن الكونغرس ذي الغالبية الديموقراطية كان ولا يزال وانطلاقاً من تفاهم مع الأقلية الجمهورية فيه لبيع أميركا السلاح الى المملكة وخصوصاً تحت ضغط “الظروف الطارئة” أو القاهرة التي استعملها ترامب مرّات عدة للاستحصال على موافقة مجلسي النواب والشيوخ على صفقات بيع السعودية أسلحة.

انطلاقاً من ذلك سيكون على ولي العهد أن يعتمد على إسرائيل أي بجعلها محامية له تدافع عن مصالحه أمام إدارة بايدن. وهذا يدفعني الى الاعتقاد أن الإيرانيين يشتبهون في حصول أو إمكان حصول شيء من ذلك ولهذا فإنهم يمارسون سياسة غير معلنة يستطيع بايدن أن يفهم منها استعداداً للـ”حكي” معه تمهيداً لمبادرات تسووية للمشكلات الكثيرة بين طهران وواشنطن. والرئيس السوري بشار الأسد يستشبه بذلك أيضاً. واذا كان السعوديون مستعدين للتطبيع مع إسرائيل تاركين الفلسطينيين في حال ترنّح شديد قد يتسبّب بهزيمة منكرة، فإنهم سيكونون مستعدين أيضاً لفعل الشيء نفسه معه. كما أن المناورة الإيرانية المُشار إليها أعلاه يمكن أن تفيده أيضاً وإذا انتُخب بايدن رئيساً فإن “سلطان” تركيا الساعي الى استعادة سلطنة أسلافه وإن على نحو جديد لن يكون مؤَيَّداً من إدارة بايدن، وفي ذلك فائدة لبشار الأسد.