الاثنين 30 تشرين ثاني 2020

مقالات

توفي شيخنا

توفي شيخنا

رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المقاومة الشيخ ماهر حمود

التاريخ ,

بسم الله الرحمن الرحيم
*توفي شيخنا*
*بقلم الشيخ ماهر حمود*
لقد من الله علينا بتلقي العلم على يد عدد لا يحصر من علماء الدين، ولكن قلة منهم تستحق أن نخاطبه بشيخنا... الشيخ المرحوم (الشيخ ابراهيم غنيم) كان أحد هؤلاء ومن أهمهم، تعلمنا منه في مسجد الصديق طوال سنوات، يلقي كلمات قليلة معبرة وقوية ويفسر القرآن ويقرأ في كتاب الفقه الذي كان يعتمده بشكل رئيسي (تنوير القلوب) عن طريق شيخه الصوفي الزاهد جنيد رحمه الله الذي لم ألتقه سوى مرة واحدة.
كان رحمه الله عابدا زاهدا، فضلا عن علمه، لا تعنيه مظاهر الدنيا ولا يسعى إليها، ولم يترك صلاة الليل طوال عمره، على حد علمنا، فإن فاتته لسبب ما، لام نفسه كثيرا... عاشرناه في المنشط والمكره... ولا يمكن ان انسى اننا شهدنا غارة صهيونية غادرة ونحن في بيته وفي ضيافته في حي الصفوري في المخيم، كان ذلك عام ١٩٧٣، وكانت من اولى الغارات الغاشمة على المخيم واقساها. وكم كان رابط الجأش مسلما الأمر لله.
عاشرته في سفر بل في أسفار، وكان من آخرها عندما غادرنا بيروت إلى طهران عن طريق دبي يوم الخامس من حزيران 1982 ولم يكن أحد منا يخمن أن الغارات الإسرائيلية القاسية هذه هي مقدمة اجتياح كبير، وإلا لما غادرنا... في طهران حرضنا على المقاومة وشاركنا في التحريض، وكان الجو مهيئا لذلك، حتى انطلقت أولى المجموعات المقاومة التي استقرت في البقاع، وكانت نواة المقاومة المظفرة.
عندما عدنا من طهران فضّل رحمه الله أن يبقى في الشمال حيث بدأ الدعوة قبل تاريخ الاجتياح بحوالي ثلاثين عاما أو يزيد، ولكن بقاءه في طرابلس لم يمنعه من أن يمد المقاومة بكل ما يستطيع من دعم، واتفقنا مع من عنده على صيغة مراسلة مشفرة إذا احتجنا لدعم معين..
ومرة عند العودة من نهر البارد في اوائل العام ١٩٨٣ حيث كان لقاؤنا به للتشاور في شأن المقاومة، تعامل معنا حاجز الميليشيات في البربارة بشكل خشن، وقبل ذلك كانوا يظهرون الاحترام للعمامة ولرجل الدين، بغض النظر عما يبطنون، وكنا نستفيد من هذا الأمر قدر المستطاع... تلك المرة كان الحاجز خشنا وأصر على تفتيش السيارة رغم تسجيل اعتراضنا، ثم علمنا السبب بعد ذلك، كانوا قبل قليل قد اكتشفوا أن شابا أيضا كان عند من يعمل مع الشيخ عائدا بسيارة مليئة بسلاح المقاومة ، اختفت السيارة واختفى الشهيد، ولم نعثر له على أثر...
كان ذلك كما قلنا عام 1983، وقبل أن أصبح معروفا من خلال وسائل الإعلام، لم نسلك طريق الساحل بعد ذلك...
وفي لقاء آخر ذهبنا بصحبة المرحوم الشيخ (سعيد شعبان) لزيارة مخيم نهر البارد، وكان لا يزال يسكن تحت مسجد القدس، وكان عددنا كبيرا... وأصر على أن يقدم لنا العشاء، ولا أنسى كيف كان يحضر بنفسه ويعمل بكد وجهد بالغين، حتى أمن لنا عشاءً يكفي العدد الكبير من الزائرين، وهو في غاية السعادة.
ذكريات لا تنتهي، ومنها الحج في اوائل العام ١٩٧٣، تعلمنا أمورا كثيرة، كما علمنا الشيخ خليل الصيفي في نفس الفترة، كانت اهتمامات كل منهما تختلف عن الآخر ولكنهما تكاملا وتواصلا بشكل مميز ، وكنا جميعا نتعلم من كلا العالمين، كل في مجاله...
كان قاسيا في كلمة الحق، وفق ما يراها، ولكنه كان مستعدا للتراجع عن الخطأ إذا ما تبين له ذلك...
ومن المواعظ الناطقة،  أننا أقمنا له تكريما متواضعا قدر الاستطاعة في مخيم البارد عام 2007 باعتبار تقدمه في السن وأسبقيته في العلم الشرعي، وكنا برفقة شيخنا الشيخ خليل الصيفي... الذي يصغره بعشر سنوات كاملة، وها هو الشيخ خليل يغادرنا قبله بعشر سنوات أيضا... وزيادة سبحان الله، الأعمار بيد الله، هذا وقد تم خضوعه لفحوصات هنا في صيدا حوالي العام 2010 قال الأطباء أن أيامه معدودة. وها هو يعيش بعد (نبوءة) الأطباء عشر سنين كاملة حتى بلغ السادسة والتسعين سبحان الله.
باختصار لقد اكتسبنا كثيرا من صفاته و مميزاته واصبحت هذه المزايا جزءا من شخصياتنا، نحن الذين تعلمنا على يديه، وما أظن إلا أنه يشاركنا في ثواب كل وضوء وكل صلاة وكل موعظة نلقيها... ففي كل شيئ مما ذكرنا شيئا مما تركه فينا.
رحمك الله رحمة واسعة وأجزل ثوابك وأعلى درجاتك، إنه سميع مجيب.