الاثنين 30 تشرين ثاني 2020

أبحاث ودراسات

الإنسان والدولة في فلسفة توماس هوبز

الإنسان والدولة في فلسفة توماس هوبز

أوس حسن

التاريخ ,

لا تنفصل حياة بعض الفلاسفة وأفكارهم، عن تجاربهم الشخصية في الحياة، وما كابدوه من هم ومعاناة، لتصطبغ بعض هذه الأفكار الذاتية بصبغة عمومية شاملة، حتى إن كانت نابعة من تشريح سايكولوجي للإنسان والمجتمع.
يعتبر الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز (1588ـ 1679) ذا نزعة مادية مبكرة قياسا إلى عصره، حيث كان معاصرا لديكارت، وفرنسيس بيكون، وكانت له فرصة للقاء بهما، كما كانت له الفرصة للتعرف على النخبة من مشاهير عصره في العلم، مثل كيبلر وغاليليو.
كان توماس هوبز نتاج بيئة فكرية، يرى منظروها أن المعرفة الأصيلة والحقيقية هي معرفة العلوم، التي تدرس الظواهر، وتستخدم في المنافع العملية في شتى مجالات الحياة، ثم بعد ذلك فسروا ظهور المجتمع والدولة انطلاقا من قوانين الطبيعة البشرية وصفاتها. وامتد تفسيرهم الآلي لظواهر الطبيعة؛ ليشمل الحياة الاجتماعية.
كانت ولادة هوبز عام 1588 في مدينة (ويست بورت) عسيرة جدا، وفي ظروف مشحونة بجو الحروب، والصراعات في إنكلترا، حيث وجه ملك إسبانيا أسطوله الآرمادا؛ ليقهر به إنكلترا، ونتيجة لأجواء الحرب المتوترة سيطر الخوف على والدة هوبز، لتضع مولودها وهو ابن سبعة أشهر، ما دفع بهوبز إلى أن يصف نفسه بأنه والخوف توأمان. كان اهتمام توماس هوبز في البداية منصبا على دراسة الكلاسيكيات، إلى أن تحول اهتمامه إلى الفلسفة، والعلم صدفة، حيث عثر في إحدى رحلاته الأوروبية عام 1629 إلى سويسرا على كتاب الأصول لأقليدس، في إحدى مكتبات جنيف، وقد أثارته الطريقة الاستنتاجية التي عرض بها إقليدس أفكاره، وأراد تطبيقها على شتى مجالات المعرفة، وتحديدا تلك التي تتركز فيها اهتمامات غالبية البشر.
عاش هوبز حياة قلقة متوترة، يسودها الخوف وانعدام الأمن، في عهد الملك شارل الأول عام 1640، الذي ثار عليه البرلمان واندلعت الحرب الأهلية في إنكلترا، ما اضطر توماس هوبز للهرب واللجوء إلى فرنسا، حيث التقى بديكارت وبدأ معه مساجلات حادة حول كتابه «تأملات» وستكون لهذه الحياة المتأرجحة، بين الخوف والقلق؛ تأثير كبير على أفكاره وفلسفته، وتحديدا فلسفته في السياسة، ونظرية العقد الاجتماعي.

المعرفة والوجود والإنسان

يعتبر هوبز أول فيلسوف اكتشف أن المعرفة عند الإنسان، تعتمد على الحواس التي تنتج المعاني، وتستمد من الإدراك الحسي المتعلق بوجود الأشياء، لكن العلل الحسية خارجة عن الإنسان، بل تبعث فيه عن طريق، الشم، واللمس، والرؤية، والتذوق، أي أن الواقع هو الذي يفرض الإحساس والحركة، ثم يصنف منهجه الثاني في المعرفة على أساس التحليل والتركيب، أو ما يسمى منهج الاكتشاف؛ لمعرفة الأسباب، أو ماهية الأشياء، ففي خطوة التحليل ينتقل من الجزئي إلى الكلي، ابتداء من الحواس، وصولا إلى المبادئ الأولى التي تساعدنا في معرفة أسباب الأشياء، والتركيب هو الانتقال من الكليات إلى النتائج التي تترتب عليها. فيذهب هوبز إلى أن الفكرة يمكن تحليلها إلى أفكار أكثر عمومية، ونستمر بالتحليل، ليتسنى لنا معرفة ماهية الأشياء وأسبابها، والتحليل هو الانتقال من الكليات إلى النتائج المترتبة عنها. كانت نظرية هوبز في المعرفة المفاتيح الأولى لأفكار برتراند وفلسفته التحليلية.
يرى هوبز أن كل ما في الكون والعالم هو عبارة عن مادة وحركة، ابتداء من حركة الموجودات على الأرض، إلى حركة الكواكب والنجوم في المجرات، وحتى الإنسان عبارة عن آلة متحركة في نظر هوبز، وكل شيء يملأ فراغا هو جسيم فيزيقي في نظر هوبز له حركة وامتداد. ويشغل حيزا والحركة هي أساس كل الظواهر التي تحدث في الكون. يعتبر الإنسان عند هوبز كائنا آليا تحركه الأفعال الإرادية، التي تتجه نحو اللذة، أو تكبح جماحه نحو الألم، فالإنسان يتأرجح دائما بين اللذة والألم، فعندما يتحرك نحو الأشياء التي ترضي رغباته وأهواءه يسمى ذلك خيرا، وعندما ينفر من الأشياء التي لا تتفق مع شهواته ورغباته، أو تلك التي تسبب له ألما، يسمى ذلك شرا، حتى في ما يخص جسم الإنسان، والأعصاب، والمعدة، وتدفق الدم إلى القلب هي عبارة عن حركات آلية لاإرادية، تتجه نحو غاية ما، وهي غريزة حفظ البقاء.
وباعتبار أن العالم عبارة عن آلة وآلية، وحركة مستمرة، فالإنسان أيضا يخضع لقوانين الحركة في هذا العالم، ويذهب هوبز إلى أن كل حركة في جسم الإنسان منشؤها فكرة أو إحساس، ويرى أن حركات الدماغ مرتبطة ببعضها بعضا، تتداعى إذا تكررت حركة لحقتها أخرى؛ لذا يرى أن الأفكار عبارة عن حركات في الدماغ، كل العمليات العقلية والنفسية والعضوية في جسم الإنسان هي أيضا عبارة عن حركة لجزيئات مادية في الجسم، ميكانيكية التنظيم، ومادية المنشأ، حتى الدولة والمجتمع عند هوبز عبارة عن نظام آلي أساسه الحركة، يتمثل في توجه الإنسان نحو الإنسان عن طريق اللغة.

فلسفة هوبز السياسية والعقد الاجتماعي

عندما نتطرق لمصطلح العقد الاجتماعي، قد يتبادر فورا إلى الأذهان جان جاك روسو، وجون لوك، لكن في حقيقة الأمر أن توماس هوبز هو المؤسس الأول لهذه النظرية في كتابه الأشهر «اللفياثان» أو «التنين» والمصطلح مشتق من سفر أيوب، ويرمز إلى كائن بحري خرافي، يصور به هوبز الدولة والحكم المطلق. يرى هوبز في كتابه «اللفياثان» أن الطبيعة منحت صفات متساوية للبشر، من حيث القوة والفكر، حتى إن وجد شخص يتمتع بقوة أفضل من غيره، غير أن الفارق ليس كبيرا، ليكون ميزة للشخص نفسه، حيث الأضعف يمكنه أن يقتل الأقوى إما بالحيلة، أو التحالف مع طرف آخر، وكذلك بالنسبة للفكر فإن هذه المقارنة فيها مساواة أكبر من تلك الموجودة في القوة؛ وذلك لأن كل شخص يعتقد بوجود حكمة أو ملكة فكرية تميزه عن الآخرين، ثم يعود هوبز إلى حالة الإنسان قبل نشوء المجتمعات، وعلى ضوء هذه النظرية يبني فلسفته السياسية في الحكم المطلق، أو الشخص الأوحد الذي يذوب في الجماعة، حيث يرى هوبز أن الإنسان كان في الحالة الهمجية البدائية عدوانيا، أنانيا، شريرا، يحيا من أجل حفظ ذاته ورغباته، ولا يتوانى في قتل أخيه الإنسان من أجل مآربه وأغراضه، وتعتبر المنافسة هي الأساس الأول من أساسيات التصادم بين البشر، على حد تعبير هوبز، لأنه إذا رغب شخصان بشيء واحد، لا يستطيع كلاهما الاستمتاع به، بل على أحدهم أن يخضع الآخر، أو يدمره.

فالإنسان في طبعه فرداني أناني بنظر هوبز، لذا يتبنى هوبز اتجاها متشائما تجاه الإنسان ليكبح جماحه، بأن يفرض عليه سلطة تنظم حياته، وحياة الأفراد لكي يعيشوا بسلام وأمن.

إن الإنسان في العصر الحديث، ما زالت تتملكه هذه الرغبة التي لا تنتهي، إلا بولادة رغبة أخرى، وليس هناك حد لرغبات الإنسان إلا بالموت، فالإنسان في نزعة دائمة للتملك والسيطرة، وتحصيل القوة، فكل ما يحرك الإنسان في علاقته مع الآخرين، هو الرغبة والمصالح الشخصية، فالإنسان في طبعه فرداني أناني بنظر هوبز، لذا يتبنى هوبز اتجاها متشائما تجاه الإنسان ليكبح جماحه، بأن يفرض عليه سلطة تنظم حياته، وحياة الأفراد لكي يعيشوا بسلام وأمن، حيث تنص أهم فقرة من فقرات العقد الاجتماعي بأن يتخلى جميع الأفراد عن حقوقهم، وحرياتهم لشخص واحد، مقابل أن ينعموا بالأمن، والسلام والعيش الرغيد، لكن الحاكم ليس طرفا في العقد، بل العقد يكون بين الأفراد؛ ليختاروا الحاكم، كذلك الحاكم عند هوبز، ليس حاكما يستمد حكمه من قوانين الكنيسة، أو من الحق الإلهي، لكن من العقد الاجتماعي الذي يبرمه أفراد المجتمع في ما بينهم، ومثلما يتخلى الأفراد عن حقوقهم وحرياتهم من أجل العيش بسلام وأمن، للحاكم وظيفة الدفاع عن أفراد المجتمع، فالخير في ما يراه الحاكم والشر كذلك، والحكم المطلق هو أساس العدل والمساواة، لكن ماذا إذا كان الحاكم مستبدا ظالما؟ يقول هوبز بهذا الصدد، إن الثورات وحركات التمرد، ستبقي البلاد في دوامة من النزاعات والحروب الأهلية الدامية، وتهدد حياة البشر؛ لذا يرى أن الحروب الأهلية أكثر خطرا من الحاكم المستبد.
يختلف العقد الاجتماعي عند جون لوك، وجان جاك روسو؛ بأنهم كانوا يرون في التجمعات البدائية الأولى، وقبل نشوء الحضارات والمدن، أن الإنسان في حالة وئام وسلام دائم، وكانت خيرات الطبيعة وثرواتها مهيأة له، وكذلك رغباته وغرائزه كانت وليدة النزعة العادلة في الطبيعة، لكن الشرور الحقيقية والحروب بدأت بعد تأسيس المدن والحضارات، وبناء المجتمعات الإنسانية، حيث صارت الثروات الطبيعية حكرا على بعض الأفراد، وسادت بعدها الطبقية والتقسيمات المجتمعية.
العقد الاجتماعي لجون لوك، وجاك روسو كان بداية لتأسيس الدستور المدني في أوروبا، والبذرة الأساس للقوانين الليبرالية، وكان عقد روسو الاجتماعي يعتبر إنجيل الثورة الفرنسية، حيث كان ينص على العدل والمساوة، وحرية التعبير والمعتقد، والحاكم هو موظف لدى الشعب، لكن رغم الدساتير المدنية، ولائحة حقوق الإنسان، والأنظمة الليبرالية في أوروبا والعالم، ورغم قوة المعتقد الديني عند بعض الأفراد إلا أن الحروب في عصرنا الحديث وإلى يومنا هذا ما زالت قائمة، وما زال المجتمع أيضا حلبة صراع، يلغي كل فرد فيه الآخر، من أجل مصلحته ورغبته في القوة والتملك، وما زالت الجرائم الفردية والجماعية قائمة حتى في أكثر البلدان مدنية وتحضرا ، والإنسان لا يأمن على نفسه حتى وهو داخل بيته وأسرته. لذا كان هوبز يرى المجتمع الإنساني غابة مجهولة، تسكنها الوحوش المفترسة، إما بالقوة أو بالحيلة والمكر، وعلى هذا الأساس أطلق عبارته الشهيرة «الإنسان ذئب الإنسان، والكل في حرب ضد الكل، والواحد في حرب ضد الجموع. الحياة إذن مجال للقوة الباطشة بالنسبة إلى الأقوياء، وللخداع والمكر والتحايل بالنسبة إلى الضعفاء».