الاثنين 08 آذار 2021

أخبار حقوقية-المنتدى القانوني

الغاء نظام التقاعد: بين مخالفة الدستور و هدر الحقوق الاجتماعية

الغاء نظام التقاعد: بين مخالفة الدستور و هدر الحقوق الاجتماعية

الدكتور/ مروان القطب

التاريخ ,

نصت المادة ١٠٦ من مشروع الموازنة العامة للعام ٢٠٢١ على ان اي توظيف جديد بعد اقرار هذا القانون لن يخضع لشرعة التقاعد بل سيخضع لانظمة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. ومن الناحية العملية تعني هذه المادة الانتقال من نظام الوظيفة العامة "النظامي" الى نظام الوظيفة العامة "التعاقدي او المفتوح". فما الفرق بين النظامين وهل يمكن الانتقال من نظام الى اخر بموجب مادة قانونية تدرج في الموازنة ؟ وهل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لديه القدرة على استيعاب العاملين في القطاع العام؟ وهل تطبيق انظمة هذا الصندوق تحقق الضمان الاجتماعي ام انها تحتاج هي نفسها الى اصلاح وتعديل؟ 

نظام الوظيفة العامة النظامي ويطلق عليه ايضا "النظام المغلق"، يعتمد من قبل الانظمة القانونية اللاتينية ويعتمد بصورة اساسية في فرنسا، وينظر هذا النظام الى الموظف على ان حياته مكرسة للوظيفة وهو ملك الادارة العامة، حيث يخضع لنظام خاص مختلف عن قانون العمل، وعليه ان يكرس كامل وقته للوظيفة، فلا يستطيع العمل في وظيفة اخرى سوى التعليم لوقت محدود وخارج اوقات الدوام الرسمي، ولا يستطيع ان ينشر مقالة او كتاب الا باذن الادارة، ولا يستطيع تولي المواقع القيادية في الجمعيات او الاحزاب، او ان يتحمل اية مسؤولية سوى العمل في الادارة. كما ان هذا النظام يفرض عليه عدم الاستقالة متى شاء، وفي حال قرر ذلك، لا تعتبر الاستقالة نافذة، وعليه المثابرة في عمله الى حين قبولها من المرجع الصالح للتعيين. انه نظام يفرض على الموظف ان يكرس كامل حياته للادارة، وبقابل ذلك قيام الادارة بضمان حياته بعد انتهاء الخدمة بنظام تقاعدي يضمن حياة كريمة وطمأنينة تسمح له اثناء الوظيفة بتكريس وقته وجهده للعمل الاداري.

اما النظام التعاقدي والمعمول به في الانظمة الانجلوسكسونية وخصوصا في الولايات المتحدة الاميركية، فينظر الى عمل الموظف كعمله لدى اي رب عمل اخر، فهو يخضع لعلاقة تعاقدية، ولاحكام قانون العمل، ويستطيع الاستقالة متى يشاء والانتقال من القطاع العام الى الخاص والعكس دون قيود، ويخضع لانظمة نهاية الخدمة كسائر العاملين.

ان نظام الوظيفة العامة المغلق المعتمد في لبنان ليس بدعة من البدع في انظمة الادارة العامة، فهو موجود في دول متقدمة ومعمول به. وانظمة التقاعد موجودة في دول اوروبية عدة، وهي مقابل تكريس حياة الموظف لوظيفته، ومقابل تقييده بضوابط متعددة في حياته الوظيفية.

ان الانتقال من نظام وظيفي الى اخر هو خيار استراتيجي، لا يتم بهذه الخفة، وانما يستوجب ورشة اصلاح شاملة لانظمة الوظيفة العامة، وان يكون النظام الجديد متوازن وعادل، ولا يأخذ من كل نظام قطعة ليركب نظام هجين يقضي على الادارة العامة.

كما ان المجلس الدستوري في قراراته الاخيرة اعتبر ان تضمين قانون الموازنة العامة لمواد قانونية لا علاقة لها بالتنفيذ المباشر للموازنة هو امر مخالف للدستور، وابطل المواد القانونية المخالفة له. ان تعديل نظام التقاعد لا علاقة له بالتنفيذ المباشر للموازنة وسيكون عرضة للابطال لعلة عدم الدستورية.

اما عن وضعية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فحدث ولا حرج، فهو يعاني من ازمات مالية وادارية متعددة، مما يحول دون القدرة على القيام بدوره. فكيف نضيف على كاهله هذا الكم الهائل من المستفيدين دون اجراء اي اصلاح او تمكين هذا الصندوق من القيام بدوره. 

واذا رصدنا مدى تحقيق صندوق الضمان للحماية الاجتماعية للمنتسبين اليه، فالكل يعلم ان ذلك لم يتحقق في ظل واقع الصندوق القائم،  فاحتساب تعويضات نهاية الخدمة يجري على اساس احتساب الاشتراكات المدفوعة من قبل ارباب العمل ويضاف اليها الفوائد، والباقي يدفعه ارباب العمل في اطار تسوية وضمن مهل محددة. فهل يراد انهاء نظام التقاعد لموظفي القطاع العام واخضاعهم لانظمة لم تحقق يوما اية عدالة اجتماعية، بل لم تحقق الحد الادنى من الحماية الاجتماعي.

ختاما فان القضاء على نظام التقاعد لن يمر مرور الكرام، وسيواجه بكل الوسائل، حماية لشرائح واسعة من المواطنين،  كما ان اية عملية اصلاح يقتضي ان تكون مدروسة، وان تحقق الامن الاجتماعي. ولا يتحقق ذلك الا برفع اليد عن المحسومات التقاعدية، وهدرها في الانفاق غير المجدي، وانشاء صندوق خاص بها، ينمي هذه الاموال ويستثمرها، ويحقق نظام التقاعد العادل، بلا منية من احد.