السبت 24 تموز 2021

مقالات

ما حكم صرف الزكاة للمؤسسات التعليمية والثقافية غير الربحية؟

ما حكم صرف الزكاة للمؤسسات التعليمية والثقافية غير الربحية؟

المفتي الشيخ أحمد نصار

التاريخ ,

المصارف التي يجب أن تصرف فيها الزكاة ثمانية، بيَّنها الله تعالى بياناً شافياً، وأخبر عز وجل أن ذلك فريضة، وأنه مبني على العلم والحكمة، فقال جل ذكره: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، فأفادت اللام وجوب إعطائها لهم، وأنها مختصة بهم لا تتجاوزها إلى غيرهم، فظاهر الآية يقتضي تخصيص استحقاق الزكاة بالأصناف الثمانية ووجوب الصرف إلى كل صنف وجد منهم، ومراعاة التسوية بينهم بسبب الاشتراك في الحق، ومن هذه الأصناف مصرف (وفي سبيل الله)، وقد اختلف العلماء في المراد بها على أقوال:
القول الأول: أن (وفي سبيل الله) يراد بها جميع سبل الخير بالإضافة إلى المجاهدين والمرابطين؛ وذلك كالمستشفيات الخيرية وملاجئ الأيتام والمدارس وكليات الشرعية والمعاهد الإسلامية والمكتبات العامة والجمعيات الخيرية التي تقدم خدماتٍ عامةٍ لأفراد المجتمع، وكذا الإنفاق على الجهاد شريطة ألا يأكل ذلك أسهم الأصناف الأخرى التي ذُكرت في آية الصدقات. وقد اختار هذا القول خلق كثير من علماء المسلمين؛ سابقين ولاحقين، منهم؛ الإمام الكاساني الحنفي، والإمام الصنعاني، والإمام الألوسي، والإمام ابن الأثير، والإمام الفخر الرازي، والشيخ محمد رشيد رضا، والإمام محمد جمال الدين القاسمي، والشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق، والشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ أحمد مصطفى المراغي، والمجلس الأوروبي للافتاء والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الاسلامي.
القول الثاني: أن (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) هم الغزاة في سبيل الله فقط، ولا يصح صرف الزكاة فيما سواه.
القول الثالث: أن مصرف (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) يقصد به الجهاد والحج والعمرة.
وهنالك أقوال أخرى في المسألة، ولكن القول الراجح هو القول الأول الذي يرى جواز صرف الزكاة في أوجه البر والخير والمصالح العامة والتي منها المؤسسات التعليمية والثقافية الغير ربحية، وبالأخص الشرعية والقرآنية، ولهم أدلةٌ قويةٌ على ما ذهبوا إليه منها:
أنه لا يوجد نصٌّ صريحٌ في كتاب الله أو سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام يمنع أن يُصرف جزءٌ من سهم (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) في المصالح العامة أو يحصر الصرفَ في الجهاد.
أنه ثبت في الصحيحين أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى دية رجلٍ من الأنصار قتل بخيبر مئةً من إبل الصدقة. وهذا من الإصلاح بين الناس وهو من المصالح العامة.
إن الزعم أن (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) معناها الجهاد حصراً، أمر غير صحيحٍ، وتردهُ الآياتُ التي ذكر فيها عبارة (في سَبِيلِ اللَّهِ) ويراد بها غير الجهاد ومن ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، فالمراد بسبيل الله في الآية المعنى الأعم وليس الجهاد فقط، وإلا لكان من أنفق ماله على الفقراء والمساكين واليتامى ونحوهم داخلاً ضمن الذين يكنزون وليس الأمر كذلك. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كلِّ سنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). وقوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). فهذه الآيات يفهم منها أن المراد بـ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) المعنى العام وليس المعنى الخاص؛ وهو جواز الصرف في أوجه البر والمصالح العامة للمسلمين.
إنّ المؤسسات الثقافية والتعليمية غير الربحية؛ وخاصة التي يتركز نشاطها في تعليم أحكام الدين وتحفيظ القرآن وتعليمه وتربية الناشئة عليه ومواجهة الإلحاد والإباحية وغيرها، لهو من الدعوة إلى الله تعالى وحفظ العقيدة والهوية الإسلامية، وما كان كذلك فهو داخلٌ في مصرف (وفي سبيل الله) لأن هذا المصرف يشمل الدعوة إلى الله تعالى، بل إنه من أعظم أنواع الجهاد، كما قال الله تعالى في سورة الفرقان: (وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) وقد نزلت هذه الآية والنبي صلى الله عليه وسلم في مكة وقبل أن يفرض القتال، فعُلم أن المقصود بالجهاد هنا هو جهاد الكلمة والحجة والبيان، ولا يكون ذلك إلا بالقرآن وحديث النبي العدنان وسائر العلوم المستنبطة منها.
وبذلك يظهر بالدليل الشرعي جواز دفع الزكاة للمؤسسات التعليمية والثقافية غير الربحية وخاصة التي يرتكز نشاطها على تعليم ونشر علوم القرآن والحديث والشريعة الإسلامية. 
والله الهادي إلى سواء السبيل.