السبت 24 تموز 2021

مقالات

الاردن: الإسلاميون.. ومجمّع الأزمات

الاردن: الإسلاميون.. ومجمّع الأزمات

المحامي الدكتور محمد فخري صويلح

التاريخ ,

عاش الإسلاميون بكل أطيافهم في مجتمعاتنا العربية سلسلة من الأزمات كانوا سبباً في بعضها، وضحية في بعضها الاخر .

وإن كان للإسلاميين فضل كبير على محيطهم في جوانب عدة، بدء من المخزون التربوي والإيماني للأجيال،، وحفظ عقيدة الناس وتنقيتها مما علق بها من شوائب، ومروراً بنظافة اليد في العمل الخيري والاجتماعي،، وفي بعض العمل العام الذي سُمح لهم بالوصول إليه، إضافة للمخزون الوطني في خدمة أوطانهم وشعوبهم،، إلا أن ذلك لا يجعلنا نُغفل مُجمّع الأزمات في نضالات الإسلاميين في أوطاننا،، والتي أحاطت تاريخهم وعملهم، وجعلت فيه مواضع تحدٍ لهم، أو ارهاق أو استنزاف.

وحتى لا نقع فريسة لمتربصي الكلمة، فإن المقصود بالإسلاميين هنا، كل من تبنى الإسلام ديناً وثقافة، مصحفاً ودولة، عبادة وحركة، ومشروع دنيا وتجارة مع الآخرة، فكل هؤلاء إسلاميون في مسارهم الحركي، وغيرهم مسلمون في حياتهم الشخصية والفردية التعبدية والسلوكيّة ولا ينكر  أحد عليهم ذلك.

ولعل مراجعة هادئة لمسارات الإسلاميين في الأردن، تضعنا أمام مفارقات شتى، وأمام أزمات ظاهرة وأخرى كامنة يعيشها الإسلاميون،، ومنها:

أولاً: بين الشعبويّة والنخبويّة.

عاش الإسلاميون، ويعيشون أزمة حقيقية في تحديد هويتهم وموضعهم بين الشعبويّة والنخبويّة، فلا حافظوا على الأولى بحقها وقد خرجوا من رحمها، ولا طالوا الثانية وقد سعوا إليها،، وأدلل على هذه الأزمة بمحطتين رئيستين:

  1. في اختيار مريديهم وقواعدهم.

 يعمد الإسلاميون في اختيار مريديهم وقواعدهم إلى اختيار الحلقات الأضعف والأقل حظاً والأكثر قبولاً لهم،، ولذلك فإنك ترى انتشارهم في المناطق الشعبية،، قليلة الزاد والتمكين، بينما تراهم غائبين عن دوائر النخب الحقيقية في مجتمعاتهم،، وخصوصاً، طبقة السياسيين ، ورجال الأعمال والمال،، ورجال الإعلام، وفي العائلات الأكثر ثراء ونفوذاً في المجتمع.

  1. في تركز أفرادهم وقواعدهم في قطاعات محددة وغير مؤثرة في قرار الدولة.

وأنت بهذا ترى الإسلاميين ينتشرون في طبقات المعلمين، وأئمة المساجد، وبعض الوظائف الدنيا والوسطى – على فضلهم جميعاً-، فيما يسجل عليهم غياب يُرد أغلبه إلى حرمان المؤسسة الأمنية لهم من ولوج دوائر مغلقة عليهم، مثل وزارات الداخلية، والخارجية، والمالية والتخطيط والتعاون الدولي، والصناعة والتجارة، والجيش والأجهزة الأمنية، وإدارات الجامعات، وكذلك في البنوك الإسلامية وشركات التمويل الإسلامي،، ومنظمات المجتمع المدني.

مما حرم الإسلاميين فرصة حقيقية لكمال الفهم للدولة والمجتمع، والانصهار بهما بطريقة صحيحة، وحرمانهم من فهم مراكز القرار وكيفية إدارة الدولة وتدبير شؤونها.

ثانياً: مركزية القيادة،، وغياب الإبداع.

شهد الإسلاميون حالة من التقوقع الذاتي في مستويات القيادة، فجُعلت القيادة مركزية، تخطط، وتقرر، وتشرف على التنفيذ، كما جعلت القيادة نفسها في موضع جمع المعلومات وتحليلها واستخلاص العبر والدروس منها، فحملت القيادة أحمالاً لا تقدر عليها، فحُرمت نعمة الإبداع، وحرمت مجموعاتها فرصة توليد طبقة جديدة من القيادات الواعدة بطريقة منهجية طبيعية.

بل جعلت صناعة القيادات الواعدة رهناً لأن تصنع على عينها وفق أطر الثقة وليس على أسس الكفاية والكفاءة.

ثالثاً: التراجع في تطبيقات قيمتي التضحية والتجرد.

شكلت قيمتا التضحية والتجرد في فلسفة العمل الحركي الإسلامي مكانة عظيمة سامية، جعلت الإسلاميين سليمي الغرض عندما يبذلون ويضحون، أطهاراً  في الظاهر والباطن قريبين للناس،، فيما يرى الراصدين اليوم تراجعاً في قيمة التضحية بين صفوف الإسلاميين، فترى متكسباً هنا ومنتفعاً هناك، وطالباً لمنصب في داخل جماعات الإسلاميين أو خارجها عندما تَختطّ هذه الجماعات لنفسها المشاركة بالعمل السياسي أو النقابي أو الخيري أو سواه،، وفي المقابل ترى مُحجماً مبتعداً عن تحمل التكاليف طلباً للسلامة.

وقد أثر هذا التراجع على دافعية وجودة المنجز الحركي الإسلامي، بسبب حالة التردد والتراخي وغياب الجسارة في القرار،، والتراجع في القدرة والرغبة في تحمل المسؤولية والتجرد تجاهها.

رابعاً: التراجع في مناسيب قيمة الإخوة الإسلامية.

ولعل هذا التراجع كان الأكثر إيلامًا في صفوف الإسلاميين، فالإخوة الإسلامية والتي كانت عنواناً لدولة الإسلام الأولى من خلال المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، باتت اليوم أكثر هشاشة وأكثر سطحية في ممارسات تقوم على تقسيمات قابيل وهابيل، وأخرى يعززها الإقليم، وثالثة ينفخ فيها الاصطفاف البغيض التي يهشم أجمل ما في الأخوة الإسلامية.

ولعل الإخوة الإسلامية كانت يوماً ما سر القوة والنجاح والجمال، وهو ما فقد بريقه أمام أعين المراقبين هذه الأيام.

خامساً : غياب عقلية بناء الكيان الموازي، وترميم ما يتم استهدافه واستنزافه من الهياكل والمؤسسات.

ولأن الإسلاميين من عُشّاق خطاب المظلومية،  ومتأثرون بالبيئات التي جاءوا منها، شعبية لا نخبوية، مُستهلَكة في الكثير من القشور، وبعض الخلافات، فقد غاب عنهم أن كثيراً مما يذهب قد لا يعود، وأن بعض البناء الجديد أقل كلفة وأكثر جدوى من استجرار القديم ومحاولة استرجاعه.

ولذلك، فإنك لا تجدهم يُعملون العقل، ولا يبذلون الجهد في بناء كيانات موازية لما تم فقده، ولما يبذل الخصوم جهداً في تفتيته، ولا يتقنون ترميم ما يُستهدف ويُستنزف من أشخاصهم ومؤسساتهم وبنيتهم الفكرية وسردهم التاريخي والهيكلي والتراثي.

سادساً: محدودية توليد قيادات جديدة.

ولما سبق أيضاً، تجد رحمهم ضيقاً، قليل التوليد والإثمار،، وإذا ما فعل،، فإن توليد القيادات يكون في الميادين التقليدية، وبعيداً عن الميادين التي يكثر فيها النقص، وتلك التي يكمن بها العجز، والتي تمثل مناط التمكين والنصرة.

سابعاً: الاستماع لصوت الداخل، والصمم تجاه الخارج ما لحالة اللايقين تجاهه.

وسابع الأزمات التي تهدد عقل الإسلاميين و وجودهم وكينونتهم، استماعهم باستفاضة لصوت الداخل التنظيمي، والذين ينتج الكثير من الصدى والصفير والتشويش،، فيما يقل استماعهم الواثق أو قد ينعدم بسبب حالة عدم اليقين تجاه الآخر، أو عدم الثقة بأهليته أو مراده.

ثامناً : التراجع عن حالة التماهي مع الناس والتصالح معهم.

ما سبق أنتج أزمة أخرى لمجموعات الإسلاميين، إذ أنتج حالة انقطاع عن الناس مع الإبقاء على دوائر اتصال موهومة مع المجتمع، وغياب لحالة التماهي والتصالح مع المجتمع، ولذلك تجد الإسلاميين أقل تأثيراً في المشهد الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي عما كانوا عليهم منذ عقدين أو أكثر من الزمان.

تاسعاً: تراجع قيمة الابداع والأخذ بأفضل ما جرت عليه سنة البشر.

فتجد الإسلاميين في كثير من مشاهد العمل مكررين مقلدين، يغيب عنهم الإبداع في التفكير، والتأطير، وصناعة الأدوات والأحداث وعمليات التشغيل.

عاشراً: تراجع أوراق القوة التي بيد الإسلاميين أو التنازل عن بعضها.

ولعل تراكم ما سبق أثمر علقماً بين يدي الإسلاميين، مما أورثهم التراجع في مربعات القوة والتأثير، ليعودوا للخلف في مربعات رمادية أقل قدرة على صناعة الحدث أو التأثير فيه،، أو تجنب مخاطره.

حادي عشر: غياب البرامج التنفيذية للوصول للهدف المنشود.

ومما يؤخذ على عموم التجربة الإسلامية، غياب البرامج التنفيذية للوصول إلى الغايات الكبرى.

فالإسلاميون يملكون غايات كبرى جليلة، ولعل أكثرها وضوحاً تحكيم الشريعة الإسلامية وسياسة شأن الناس والقيام على خدمتهم، إلا أن عِظَم الغاية لم تصاحبه برامج تنفيذية بحجم الدولة أو حتى بحجم الشريك الرئيس فيها.

وإنما ينشغل الإسلاميون في برامج مُقطّعة، لا وصل فيها، تفقد التراكم المطلوب، والترابط المفروض، مما يجعل العمل مُستهلكاً، بطيء الحركة، وقليل الأثر،، وسريع التلاشي والغياب.

وما سبق أيضاً، أثمر رتابة مقلقة، وجموداً  يوحي بحالة من الهرم والعجز عن العطاء، ومشهداً يرسل برسالة أساسها ضرورة المراجعة الصادقة قبل أن يحدث تآكل لا علاج فيه، أو اقتراب من لحظة الاستبدال – لا قدر الله -.

لا أقول ما ذكرته عن مجمّع الأزمات، تسليماً وقبولاً به، ولست سعيداً أن يصل القوم في يوم لمثل هذه التشخيصات المؤلمة.

ولكن تحرير العقل والعمل به بعيداً عن الأطر المحدودة أو المحددة بهدف خدمة الدين والأمة، هو ما دفع نحو استخلاص محطات مجمّع الأزمات، ولمن التقط منها شيئاً،، فعليه واجب كبير في الاستدراك والتصحيح والترشيد والتصويب.