السبت 04 شباط 2023

مقالات

يا زيلينسكي!

يا زيلينسكي!

علي الزعتري

التاريخ ,

لا يتوقف زيلينسكي أوكرانيا وزوجته وحكومته عن تقريع العالم والاستجداء والتحريض. التقريع لأن العالم لا يعطي كييف

سلاحاً يمحو قوات روسيا عن وجه الأرض. والاستجداء للسلاح ومولدات الكهرباء والتمويل الملياري على المكشوف. والتحريض هو على إلغاء كل ما هو روسي من تشايكوفسكي لبوتين وما بينهما من تاريخ وثقافة ورياضة.

أنا أعتقد أنني أفهم زيلينسكي. بل قد أتعاطف معه وربما أشفق عليه. يعني بلاده تتفتت وهو كان ممثلاً كوميدياً هزلياً هامشياً وصار ممثلاً رئيساً في مسرحية لا يُخرجها ولا يقرر فيها حركةً. هذا يبعث على كره النفس أن تمثل أنك شجاع ثم تنكشف أستار سيناريو المسرحية يوميا علي لسان كتابها والملقنين و يتضح أنك كومبارس. المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركيل قالت أن كل الاتفاقيات السابقة بين روسيا و أوكرانيا في مينسك كان هدفها شراء الوقت لتمكين أوكرانيا من بناء الجيش الذي سيتحدى روسيا. بعض المحللين الأمريكيين من ذوي المناصب العالية سابقاً في الحكومة يقولون أن تجهيز أوكرانيا للانضمام للناتو دون انضمامٍ رسمي لكن تجهيزاً عسكرياً موائماً كان هو الخطة. لذلك زيلينسكي الذي كان يأمل بانضمامٍ للاتحاد الأوروبي والناتو بقوة الأمر الواقع الحاصل أكيداً قاد بلادهُ في مسيرة التحدي لروسيا عالما تماما بالمسرحية وآملاً تنفيذها لتكون المكافأة انضمامه للاتحاد والحلف رغم أنف روسيا. ثم وقع المسرح على رأسهِ عندما قالت روسيا يكفي هذياناً. والمسرح هو بلاده. وكما يقولون: راحت السكرة وأتت الفكرة. فلات زيلينسكي حين مندم وأراد الاتفاق مع روسيا. لكن الحسابات الغربية لم تكن لتسمح بهذا فطار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون لزيلينسكي وأوقفه عن الاتفاق. طيب، ماذا تركوا لزيلينسكي؟ لا نصرٌ في حرب ولا اتفاق، فما هو الحل؟ أن يمضي زيلينسكي في الحرب دون انتصار؟ غير معقول. أن تمضي أوكرانيا في الحرب دون زيلينسكي. ممكن. قريبٌ هو من الانهيار العصبي أو الجنون، وفيه من جنون العظمة الشيء الكثير، وهو يرى أنه كما كان هزيلاً في الكوميديا فهو هزيلٌ في السياسة والقيادة. بل أنهُ جريء هذا الزيلينسكي ليطلب خطاباً في نهائي كأس العالم وترفضه الجهة المنظمة. لم يبقَ له وهو يحرق جنوده إلا كيل الشتائم وتوجيه النصائح والمطالبة بالمزيد. نعم قد تأتيه بطارية باتريوت وسيحرقها الروس. لن ينقذه إلا أن يكون مِلْكَ نفسه ويتصالح مع موسكو وينقذ شعبه المسكين الذي يعاني من جنون عظمته. ولن يفعل. ربما سيصل للانهيار العصبي فيخرج محمولاً من المسرح أو سيجدون له مخرجا إنسانيا، كالموت في المعركة. وربما تكون زوجته حاضرة أو تتحضر لتكون الخليفة. فهي امرأة جذابة ولها كاريزما وستقود أوكرانيا كما يشاء الغرب ضد الرجل الخشن المعادي للشذوذ بوتين. معادلة لها حظوظ في النجاح طالما الغرب يريد أن يطحن روسيا في أوكرانيا ولا تُطحن إلا أوكرانيا.

الهدف ليس انتصار أوكرانيا فالكل يعلم أنها ليست إلا ساحة قتالٍ بين العالمين والنصر يحدده واحدٌ من العالمين وليس كييف. كان بإمكانها أوكرانيا أن تكون رديف سويسرا في الحياد لكنها اختارت طريق الشوك. الآن تدفع معضلة أوكرانيا العالم نحو الهاوية. الغاز والنفط والقمح و السماد في أزمة. وقد قلتُ قبل أسابيع أن الخوف من السلاح النووي هو الذي يقود اليوم حدود تمادي الحرب. لكن بوتين على استعدادٍ و هو حذَّرَ قبل ايام قليلة أنه جاهزٌ للنووي و قد قال هذا من باب “العلم والخبر” لمن يسمع و يفهم. هو الاختيار الأخير لكل عاقل لكن العقل يقود للاندثار أحياناً. هو ليس الوحيد لكنه يصرح وغيره يفعل. يلفت النظر تصريحٌ طويلٌ لمحللٍ أمريكي مع البريطاني جورج غالاوي أن الغرب هو الذي أغرق المدمرة الروسية الأدميرالية (موسكو) في البحر الأسود وقادَ هجوم الطائراتِ المسيرة الأوكرانية على قاعدتين روسيتين نوويتين وهو يرى في هذا شروعاً غربياً في جريمة التهديد بالنووي. ومن بريطانيا تصريحٌ عسكري لم ينفهِ أحد أن قوةً من مشاة البحرية البريطانية قامت بعمليات سرية وخطيرة في أوكرانيا لم يُعلم تفصيلها لكنها حتماً ضد الروس. فهل هناك بعد هذا ترددٌ من التوجه نحو التصعيد الذي قد يقود للنووي؟ الحقيقة أن القابضين على المفاتيح النووية يعلمون أن تدويرها للأحمر سيعني فناء نصف سكان العالم على الأقل واستحالة الحياة في الأراضي المضروبة المتأثرة بالنووي. لهذا السبب يوجد التردد في استخدامها. لكنهم لا يعرفون كيف ينتصرون على روسيا ولا روسيا تعرف كيف تنتهي المعضلة الأوكرانية فيكون التلويح بالنووي.   تخيلوا ماذا سيحدث لو انطلقت الصواريخ النووية. تخيلوا ملايين القتلى وملايين الجرحى وملايين مشوهة وملايين ستأتي مشوهة وأراضٍ جرداء بوار لن ينبت فيها زرعٌ نافع. وبعد هذا اندفاعاتٌ لملايين الهاربين نحو ما يعتقدونه بلاد الأمان. بلادُ الأمان ستكون في جنوب الكرة الأرضية، في إفريقيا وأمريكا الجنوبية. تخيلوا هجرةً عكسيةً بالقوارب من الشمال للجنوب وما سينتج عن الاندفاعة من حروبٍ وإقفال حدود وكراهياتٍ و مجاعات. لقد شهد العالم ٢٠٠ ألف قتيل في هيروشيما وناغازاكي نتيجة تفجيرٍ يعد ألعوبةً بالمقارنة مع القدرات النووية اليوم. تخيلوا مضاعفة أعداد الضحايا على عديد البلدان المضروبة. وتخيلوا أن القدرات النووية اليوم تضم دولاً لم تكن تملكها سابقاً. بالإضافة للولايات المتحدة وروسيا، انضم للنادي الصين وبريطانيا وفرنسا والهند والباكستان وكوريا الشمالية و “إسرائيل”. وتخيلوا انفلات الأمر على المستوى الإقليمي بين الهند والباكستان وكوريا الشمالية وجوارها و “إسرائيل” و العرب و إيران. إن تدحرجت الكرة النووية فلن تتوقف قبل أخذ الثارات والعودة بالعالم فعلياً للعصور الوسطى.

ولنربط المشهد المرعب هذا بما تردد عن الحاجة لتشذيب وتقليم عدد سكان الأرض التي لم تعد تتسع لهم. إن لم تكف الأوبئة فلعل النووي يقوم بالمهمة. نكاد نصدق نظريات المؤامرات لكن أليس اللهب النووي وتصنيع الڤيروسات الحاصدة مؤامراتٍ تمثل حقيقةً ماثلةً؟ تاريخياً، ألم يُقدِم التوسع الأوروپي في الأمريكيتين واستراليا على إفناء الملايين لتتسع البلاد الجديدة للقادمين البيض؟ ألم ير البحر والمحيط نقلاً للأفريقي السيد الكريم ليصبح عبداً مملوكاً في الأراضي الجديدة؟ كل غزو وغزوة وحرب واستعمار منذ الأزل الإنساني أتت بالتغيير السكاني الخاص بها. فإما إبادة وإما إحلال وإما امتزاج. وهذا كله كان دون عنصر تلويث الأرض والعبث بالبيئة للحد الذي يُميتُ الأرض وهو ما سيتغير للأبد حال حصول الحرب النووية الواسعة التي ستبيد الإنسان وبيئته. من العار البشري أن نفكر بالتهديد النووي و التهديد الفيروسي فيما يمكن بكل سهولة تحويل الموارد لتعظيم الفوائد الإنسانية. والعلماء اليوم يتكلمون بالدليل عن “الفناء السادس” في الكرة الأرضية وهم يعنون اندثار الإنسان نتيجة إمعان تدمير كوكبه بالملوثات، فالإنسان يسعى حثيثاً لتدمير نفسه عبر فرط استهلاك واستنزاف الأرض. إذاً هي الدواهي الثلاث: التلوث الاستهلاكي الذي سيعبر حدود البقاء للبشر ونشر الڤيروسات القاتلة بالتعمد لتقليص عدد البشر والنووي الذي بلحظات يُنهي حياة نصف الكوكب. أما السياسيون الذين جمعتهم البيئة بشرم الشيخ مؤخراً فيدٌ على الزناد النووي ويدٌ تدير مناجم الفحم ومحارقه من جديد. وأوكرانيا أخرجت كل هذا للملأ.

عندما يرضى زيلينسكي أن يلعب الكبار ببلده نكايةً بروسيا ويرتد السحر علي الساحر سيفعل السيد أنطونيو غوتيريش معروفاً أن يقترح اليوم للعالم إعلان حياد أوكرانيا فالعالم في خطر من انحيازها ومن تحريض قادتها. إن جنون عظمةِ زيلينسكي الملتقي مع أحلام الغرب تفتيت روسيا من طريق بلاده المكلومة ستوصل العالم للحرب النووية لا محالة. أما تحول أوكرانيا إلى الحياد فسيشتري للعالم فرصةً جديدةً. هذا هو دور الأمم المتحدة: إيجاد العلاج، حتى لو كان من حنظل لا توزيع الضماد وحسب. غير أن قامةَ الأمم المتحدة محتارةً بين العالم الذي عرفته منذ بداية التسعينات والعالم الذي قد يكون: إما نصفه محترق وإما تحكمه أقطابٌ بدلاً من قطب. والأجدى هو بدء التكلم عن عالمٍ لا تهددهُ قطبيةٌ واحدة وممثلٌ فاشل. فهل تقدر الأمم المتحدة على ذلك؟ أم أن زيلينسكي يقودها من حيث تدري أو لا تستطيع أن تقول لا؟