السبت 04 شباط 2023

مقالات

وداعاً للعولمة.. بداية الاندحار الأمريكي

وداعاً للعولمة.. بداية الاندحار الأمريكي

خليل الهندي

التاريخ ,

لم يُعمّر مشروع العولمة طويلاً ، فهذا المشروع الذي بدء بعد تفكك الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينات من القرن الماضي ، أصبح الآن في مرحلة الموت السريري . قبل عدة أيام صرح الرئيس الأمريكي ( بايدن ) بان على الشركات التي ترغب في تسويق منتجاتها في السوق الأميركي ، عليها أن تقوم بعملية التصنيع في الداخل الأمريكي ، وبناء مصانعها على الأراضي الاميركية . هذا وقد سبق بايدن الرئيس الأمريكي السابق ترامب في هذا المجال بأن فرض جمارك على الحديد والالمنيوم المستورد بنسبة ٣٠٪؜ ، مما أثار حفيظة رواد العولمه والمستفيدين منها واعتبروا هذا القرار خرقاً لقوانين منظمة التجارة الدولية وفي نفس الوقت يضعف المنافسه الدولية .

سنعود إلى بداية فكرة العولمة فمنذ ( أدم سميث ) والذي يعتبر مؤسس علم الاقتصاد وصاحب كتاب ثروة الأمم ١٧٧٦ . فصل دور الدوله الليبرالية كدوله حافظه للأمن وأسماها بالدوله الحارسه ، وترك لقوى السوق والأسعار مسؤولية تحديد ورسم النشاط الاقتصادي . وطالب برفع الحمايه والقيود عن النشاط التجاري وذلك حسب مقولته ( دعه يعمل ، دعه يمر ) . كما وأسهب تلاميذه في تفصيل وشرح الفكر الرأسمالي كاعتماد الميزه النسبيه في الانتاج لكل دوله . أي أن تتخصص كل دوله في إنتاج السلع وفق الميزه النسبيه كانخفاض تكاليف الانتاج أو الانتاج بجوده عاليه ، وان تستورد باقي احتياجاتها من الدول الاخرى والتي تنتج ايضاً وفق الميزه النسبه . 

وفقاً لنظرية أدم سميث واتباعه فإن نظرية العولمة قديمه مع بدايات نشوء الفكر الاقتصادي الرأسمالي . لكن تطبيق هذه النظريات تأخر كثيراً بسبب صراع الدول الاستعماريه على المستعمرات والحروب مثل الحرب العالميه الاولى والثانيه والحرب البارده ،  وانقسام العالم إلى معسكرين رأسمالي واشتراكي .

فأصبح رأس المال يهرب من الدول المهيأه للتغيير الاشتراكي إلى الدول التي تحمل لواء الرأسماليه مثل دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الاميركية .

بعد سقوط جدار برلين ، وتفكك الاتحاد السوفياتي ، اعتبرت الولايات المتحدة بأنها المنتصره في الحرب البارده ، وهي صاحبة القطب الأوحد عالمياً بدون منازع . وأن الوقت الآن ملائم للانقضاض على العالم ، واستعماره اقتصادياً.

عندما بدأت فكرة الاستعمار الحديث في أوروبا ، كان ذلك من نتائج الثوره الصناعيه . فقام أصحاب رؤوس الأموال بالضغط على ملوك وحكام أوروبا بهدف إرسال الجيوش إلى أفريقيا وآسيا وجنوب أمريكا من أجل استعمارها ونهب ثرواتها من المواد الأولية لتصنع في أوروبا ثم تصدر إلى شعوب هذه المجتمعات على شكل سلع جاهزه . وهذا يتوافق مع الطرح الفلسفي الذي يقول بأن الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية . وهذه ببساطه فكرة الاستعمار بعمقه الاقتصادي.

بدأ مشروع العولمه في زمن كلينتون ، فقد أطلق اتفاقية ( النافتا ) أي حرية التجاره وانتقال الصناعه ورؤوس الأموال بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك . بعد عدة سنوات انطلق هذا المشروع الى العالم أجمع وذهب الى الصين ودول جنوب شرق آسيا ودول امريكا اللاتينية ، في محاوله للبحث عن أيادي عامله رخيصه ، وظروف عمل مهينه للعمال ، ودول لا تعير وزناً للتلوث والبيئة .

كانت الولايات المتحدة الأميركية تهدف الى نشر مصانعها ذات الانتاج الكبير والعالي المستوى من التكنولوجيا لإنتاج بضائع رخيصه تسيطر من خلالها على السوق العالمي وبنفس الوقت تغلق الصناعات الوطنيه والتقليديه والحرفيه والصغيره في دول العالم الثالث بسبب عدم قدرتها على المنافسه وافتقارها لكثافة رأس المال والتكنولوجيا . وبهذا تتحول دول العالم الثالث إلى سوق للمنتجات الامريكيه وشعوب هذه الدول إلى عمال بأجور زهيده في هذه المصانع . 

الولايات المتحدة الاميركية هي القطب الأوحد ،  والجيش الامريكي متحفز لأي هجوم ، والقواعد العسكريه الامريكيه في معظم دول العالم ، والبوارج الحربيه تجوب البحار والمحيطات . والاقمار الاصطناعية  ترى كل شىء وتكشف المستور . إنه استعمار ناعم ، بدون دماء ومواجهات ، ويجري بصمت وبدون ضوضاء ، وبدون تكاليف عسكريه . 

وعلى المستوى المالي يعتبر الدولار العمله الدوليه الوحيده التي يتم بموجبها تسعير المواد والدفع . لهذا يجب أن يتسيد الدولار العملات الدوليه . وهذا الدولار بمثابة روح أمريكا الاقتصاديه بحيث يطبع الدولار على المكشوف ( أي بدون تغطيه ) وتشتري الولايات المتحدة ما تشاء من دول العالم بهذا الورق الملون والذي لا يكلف سوى الحبر والورق . 

أما على الصعيد الثقافي فحاولت أمريكا تنميط دول العالم وفق النمط الأمريكي في الاستهلاك واللغه والعادات والتقاليد ومنظومة القيم . فأصبحت هذه الدول تفقد خصوصيتها الوطنيه والثقافيه في مواجهة ما تفرضه امريكا من قوانين تهدف لتفسخ الأسره وحقوق المثليين ( الشواذ ) وتحرر المرأة على النمط الغربي …… الخ . 

لكن ما حدث في الداخل الأمريكي من جراء مشروع العولمه كان له تداعيات مؤلمة . إذ أغلقت الكثير من المصانع وتم تسريح العمال بسبب هجرة الصناعه ، أما من رغب في البقاء فوضع أمام خيارات صعبه ، أي أن ينتج ويبيع بخساره ، أو أن يغلق مصنعه ، او أن يرحل . ونتج عن ذلك أن شهدت الولايات المتحدة أزمة ( ٢٠٠٧- ٢٠٠٨ ) والتي سميت بأزمة الرهن العقاري ، إذ فقدت سبعة ملايين أسره أمريكية منزلها بسبب عدم القدره على سداد الاقساط. 

الضربه الموجعه للاقتصاد الأمريكي كانت من الشركات التي انتقلت إلى خارج الولايات المتحدة ، فمنها من تلاعب على الحكومة الأميركية ولم يدفع الضرائب ، ومنها شركات غيرت جنسيتها ( جنسية الشركه ) الى دول ناميه تعطي إعفاءات ضريبيه لعشر سنوات بهدف تشجيع الاستثمار ….. الخ . كذلك هناك دول استطاعت أن تهضم التكنولوجيا وتطورها وتتفوق بها على الولايات المتحده ومنها الصين .

أزمة الرهن العقاري كانت نقطة تحول في مشروع العولمه ، خاصه وأنها حدثت بعد الحروب العبثيه التي خاضها الأرعن  بوش الابن في أفغانستان والعراق ، فاحتلال العراق كان بهدف السيطره على منابع النفط ، حتى تصبح أمريكا الوكيل الحصري للنفط على مستوى العالم. فقبل غزو العراق كان سعر برميل النفط ٢٦ دولار ليرتفع بعد الاحتلال الى ١٤٨ دولار . 

جاء أوباما لفترتين رئاسيتين في محاوله لردم الهوه في الاقتصاد الأمريكي والذي كان يترنح على حافة الانهيار في هذه الفتره أصبح هناك ادراك عميق بأن العولمه كمشروع لاستعمار العالم اقتصادياً فشل فشلاً ذريعاً ، وان المرحله تتطلب مراجعه دقيقه.

استطاعت الدوله العميقه أن توصل ترامب لسدة الحكم كونه جاء من خلفيه تجاريه لعله يصلح ما أفسده الدهر . الرجل بخبرته التجاريه أدرك بأن الميزان التجاري يصب في مصلحة الصين . فوضع الصين كعدو أول للولايات المتحدة بدل روسيا. وكثير من الدراسات والتقارير تشير بأن ترامب من أمر بإطلاق فيروس كورونا في منطقة يوهان بالصين ، وهذه المنطقه مثل السلكون فالي في الولايات المتحدة . كان الهدف إيقاف نمو الصين وتطورها الصناعي والتكنولوجي لأنها أصبحت تنافس أمريكا في قيادة العالم. 

قرار بايدن كان واضحاً ( من يريد أن يسوق انتاجه داخل السوق الأمريكي، عليه أن يصنع هذا الإنتاج على الاراضي الامريكية مستعيناً بالأيدي العامله الأمريكية . بالرغم من أن هذا القرار مخالف لقوانين منظمة التجاره الدوليه ، ويهدم أسس العولمه . هذا القرار يدق آخر مسمار في نعش مشروع العولمه الاستعماري . 

لكن ما هي انعكاسات انتهاء مشروع العولمه على مستوى العالم وفي العمق الأمريكي؟ بالنسبه إلى العالم ، يشير هذا التراجع إلى اندحار الولايات المتحدة كقطب أوحد ، ليفتح المجال أمام تعدد الأقطاب الدوليه . وهذا يصب في مصلحة شعوب العالم . لقد عانت شعوب الأرض من التسلط الأمريكي تحت سيطرة قطب واحد، كلنا يتذكر عندما كان الكونغرس الأميركي يصدر قرارات دوليه وكأنه المسؤول عن الكره الارضية . والحكومه الامريكيه تفرض العقوبات على الدول والشركات والأفراد، وعلى باقي دول العالم تنفيذ هذه القرارات. 

أما بالنسبه إلى الدولار، فسوف يفقد عالميته لصالح عملات أخرى أولها ألين الصيني… تراجع الدولار وبداية عودة الدولارات من الخارج الى الداخل الامريكي والتي تشكل ثلاثة أرباع الدولارات التي طبعتها أمريكا على مدى تاريخها، سيؤدي إلى حدوث هزه عنيفه في الداخل الامريكي . والتي تتمثل في موجات شديده من التضخم، بالرغم من أن التضخم في هذه الحاله يمكن أن يكون حلاً لدى الحكومه الامريكيه للتخلص من عبء الدولارات المطبوعه والتي تشكل ديناً على الخزينه، فيمكن أن يكون التعويم مخرجاً لذلك رغم حدوث موجات من التضخم الخياليه. 

هذا التراجع الأمريكي لن يمر بسهوله على الولايات المتحدة، فموجات التضخم والفقر يمكن أن تحدث حرب أهلية والوضع الداخلي مهيأ لذلك، فترامب زرع بذور التمييز العنصري وغذاها وهي جاهزه للانطلاق . ومن نتائج الحرب الأهلية إذا حدثت فإن بنية الاتحاد سوف تكون على المحك، فمن الممكن أن تستقل بعض الولايات عن الاتحاد الفيدرالي، أولها كاليفورنيا مروراً بتكساس وفلوريدا ونيويورك والينوى، هذه الولايات مهيأه للاستقلال لأنها تشعر بأنها تحمل على اكتافها ولايات فقيره وهي في غنى عن ذلك.

الاندحار الأمريكي كقطب أوحد يجعل العالم أجمل وذات ألوان متعدده ، وأكثر استقراراً ويحمل بطياته مستقبلاً أفضل للدول الناميه وللشعوب الحره . ويصبح هناك أمل باندحار الاستعمار و أمل بالتحرر .