الاثنين 24 أيلول 2018

أبحاث ودراسات

ابتسامة رسول الله صلى الله عليه وسلم

ابتسامة رسول الله صلى الله عليه وسلم

سماحة مفتي صيدا السابق الشيخ الدكتور احمد نصار

التاريخ ,
لا يخفى على أحدٍ ما للابتسامة من تأثير بالغ ومفعول ساحرٍ على الآخرين، فقد فطر الله الخلق على محبة صاحب الوجه المشرق، الذي يلقى من حوله بابتسامة تذهب عن النفوس هموم الحياة ومتاعبها، وتشيع أجواء من الطمأنينة، وتلك من الخصال المتفق على استحسانها وامتداح صاحبها. وقد كانت البسمة إحدى صفات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم التي تحلّى بها، حتى لم تعد الابتسامة تفارق محيّاه، حتى صارت عنواناً له وعلامةً عليه، يُدرك ذلك كل من صاحبه وخالطه صلى الله عليه وسلم، وبذلك استطاع كسب مودّة من حوله ليتقبّلوا الحق الذي جاء به. وباستقراء كتب السنة نجد أن أكثر أحوال النبيصلى الله عليه وسلم هي الابتسامة، وفي بعض الأحيان كان يزيد على ذلك فيضحك باعتدال دون إكثارٍ منه أو علوّ في الصوت، وهذه هي سنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فيقول جابر بن سمرة رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصمت قليل الضحك. إذالإكثار من الضحك أو الإفراط فيه يُذهب الوقار. وكتب السير مليئة بالمواقف التي ذُكرت فيها طلاقة وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فتراه يخاطب من حوله فيبتسم، أو يُفتي الناس فيضحك، أو تمرّ به الأحداث المختلفة فيُقابلها بإشراقة نفسٍ وبشاشة روح. ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان النبيصلى الله عليه وسلم يخطب يوم جمعة، فقام الناس فصاحوا وقالوا: يا رسول الله قحط المطر، واحمرّت الشجر، وهلكت البهائم، فادع الله أن يسقينا، فقال: (اللهم اسقنا) مرتين، فنشأت سحابة وأمطرت، ونزل النبي صلى الله عليه وسلم عن المنبر فصلى، فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها، فلما قام النبيصلى الله عليه وسلم يخطب صاحوا إليه: تهدمت البيوت، وانقطعت السبل، فادع الله يحبسها عنا، فتبسّم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: (اللهم حوالينا ولا علينا)، فما يشيربيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، فجعلت تمطر حول المدينة ولا تمطر بالمدينة معجزةً لنبيه صلى الله عليه وسلم وإجابةً لدعوته. وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال وقع عليّ من الهمّ ما لم يقع على أحد، فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ قد خفقت برأسي من الهمّ، إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك فيوجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد فيالدنيا. وعن عائشة رضي الله عنها قالت خرجت معالنبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدُن، فقال للناس: (تقدموا)، فتقدموا، ثم قال لي: (تعالي حتى أسابقك)، فسابقته فسبقته، فسكت عني،حتى إذا حملت اللحم وبدنتُ ونسيتُ خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: (تقدموا)، فتقدموا، ثم قال: (تعالي حتى أسابقك)، فسابقته فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول: (هذه بتلك). وعن أبي هريرة رضي الله عنه بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكتُ، فقال له: (مالك؟)، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل تجد رقبة تعتقها؟)، قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟)، قال: لا، فقال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟)، قال: لا، فمكث النبيصلى الله عليه وسلم حتى أُتي بتمر فقال: (أين السائل؟)، فقال: أنا، قال: (خذ هذا فتصدق به)، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها – أي المدينة - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: (أطعمه أهلك). وأحيانا كان النبي صلى الله عليه وسلم يروي أخباراً فيبتسم عند ذكرها أو يضحك عند روايتها، كضحكه صلى الله عليه وسلم عند ذكره بشارة الله عزوجل له بركوب أناس منأمته للبحر غازين في سبيل الله، وعند ذكر حال آخِر من يدخل الجنة من أهل الدنيا، وعند سماعه لقول أحد الأحبار في وصف عظمة الله عزوجل، وفي قصّة الرجل الذي استأذن ربّه أن يزرع في الجنّة، إلى غير تلك الروايات. فالابتسامة هي أسرع وسيلة للوصول إلى قلوب الخلق وتوصيل الحق، وحسبنا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته: (تبسّمك فيوجه أخيك صدقة).