الاثنين 19 تشرين ثاني 2018

مقالات

مسؤولية الفرد والمجتمع والمرجعيات الإسلامية في مواجهة التطرف لصالح الوسطية

مسؤولية الفرد والمجتمع والمرجعيات الإسلامية في مواجهة التطرف لصالح الوسطية

بقلم الشيخ شادي المصري

التاريخ ,

إن التطرف في الدين، أو في أي أمر من أمور الحياة، مذموم من ناحيتين، من ناحية الإفراط والتفريط ، فقد حرم الله الغلو والتنطع في الدين لقوله تعالى :"لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ"  [النساء:171].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم :"إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين"، وقال أيضا عليه الصلاة والسلام :"هلك المتنطعون قالها ثلاثا".

وأما الوسطية، فهي إحدى الخصائص التي تميز الإسلام، فهو وسط بين الإفراط والتفريط وبين التشدد في العبادات والمروق من الدين بحجة الرخص... وسط في المعاملات، وسط في الإنفاق بين الإسراف والبخل...

ومن هذا المنطلق يمكننا القول، أن الإسلام يُعتبر دين وسطية واعتدال، فلا مكان فيه للغلو والتطرف، مهما حاول البعض إلصاق تهم التطرف والرجعية بهذا الدين العظيم الذي يصلح لكل زمان ومكان.

لقد اهتم القرآن الكريم، كما السّنّة النبوية الشريفة، بالأوامر التي تحث المسلمين على الوسطية والاعتدال في كل أمور حياتهم اليومية، الى جانب النهي عن التطرف والغلو.

إن الناظر في واقع العالم الإسلامي، يجد بكل وضوح أن نزاعات التطرف والغلو باتت منتشرة في كثير من دولنا، انتشار النار في الهشيم وهو الأمر الذي يلقي بأعباء ثقيلة جدا على كاهل مختلف الجهات الإسلامية، من مؤسسات وأفراد، من أجل التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة التي تعيث في الأرض فسادا، وتسيء كثيرا لصورة الإسلام ومبادئه وقيمه السمحة.

على هذه الجهات، دعم قوى الاعتدال والوسطية، بوجه قوى التطرف، فالإسلام لم يأت ليظلم أو يهدم أو يقتل أو يسلحب الحقوق، بل أتى من أجل إصلاح الفرد والمجتمع والدولة، أتى كي يهدي ويرشد ويقوّم الاعوجاج، أتى من أجل خدمة الإنسان ورفعة شأنه، وتحريره من القيود من أجل كرامته.

دعم هذا الخطر وتقويته، يتم من خلال وسائل عديدة، إعلاميا من خلال إفساح المجال لكلمة الوسطية لا لكلمة التطرف، وجعل هم الإرشاد والتوجيه الجيد أولوية على هم تحقيق الـ"سكوب" الإعلامي.

ولابد لوسائل الإعلام المتنوعة أن تباشر حوارا حول التطرف وأبعاده وأسبابه، مُعرّفة بالمخاطر الحقيقية التي يمثلها التطرف والعنف والإرهاب.

وكذلك على هذه الوسائل أن تكف عن إشاعة الفرقة والتنابز بالألقاب والأحقاد، وأن تكف عن تقديم ما يضر بالمجتمع دينينا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا، وأن تكون كلمتها مثمرة لا مدمرة، فلا يحق لوسيلة إعلامية تجريح المجتمع ونشر الفواحش ما ظهر منها وما بطن وازدراء المتدينين والعلماء، وقلب الحقائق وتزييف التاريخ...

تنظيميا، من خلال دعم المؤسسات والهيئات الإسلامية المعتدلة الوسطية، وجعلها أكثر تأثيرا وقوة في المجتمع، كي لا يضعف دورها، لصالح التطرف والغلو، الذي يُدار من قبل تنظيمات مشبوهة في تأسيسها وعلاقاتها وخطها.

ومن أوجه الدعم أيضا، أن تعمل المرجعيات الدينية الإسلامية في العالم الإسلامي على جهد جدي وسريع، لتوحد جهودها تحت عباءة واحدة، تجمع كل أصحاب الفكر الوسطي من مختلف المذاهب الإسلامية، ليصار الى مواجهة شاملة مع التطرف والغلو، وتنقية عالمنا من شروره، كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس.

وأيضا، من الضروري دعم جهود إصلاح الخطاب الديني، والعودة لصورة الإسلام السمح وإعمال مبادئه وقيمه على أساس أن ذلك من شأنه أن يتصدى لنزعات التطرف والتشدد التي يحاول البعض فرضها على الخطاب الديني في مجتمعاتنا الإسلامية.

ولعلّ التحدي الأكبر الذي يواجهه عالمنا الإسلامي، محاولة بعض الجماعات المتطرفة احتكار الحديث باسم الإسلام، عبر شعارات زائفة، تقدم صورة مشوّهة عن ديننا الحنيف، وتروّج في الوقت نفسه للصدام والصراع ورفض الآخر.

لهذا كله، أصبح من الضروري التحرك لمواجهة هذه الهجمة الشرسة التي تواجه إسلامنا الحنيف من تجار الدين الذين يعملون على نشر التطرف والغلو وتغذية العنف في مجتمعاتنا.

ومن طرق العلاج لما نعانيه :

مواجهة المشكلات الاقتصادية، وما يتبعها من أزمات تضر بآمال الشباب وتدفعهم نحو الإلتحاق بتنظيمات أو مجموعات متطرفة.

علاج الخلل الإداري في بعض أجهزة ومؤسسات الدول، وهو الأمر الذي يعوق وصول الخدمات لطالبيها، ما ينشئ حالة متمردة، ستفجر غضبها واحتقانها من خلال الميل نحو التطرف والانتقام.

الوضوح السياسي حتى ينشأ الشباب المسلم على بينة من أمر بلاده داخليا وخارجيا، وبما لا يضر بمصالح وأمن البلاد.

تطهير المجتمع ممن احترفوا الموبقات والمنكرات والرذائل، فأشاعوا الفساد، بدل إفشاء الإصلاح والبناء والتقدم والتطور.

والعمل على إذاعة الفضيلة ورعاية الآداب العامة في المجتمع، وحجب تلك الموضوعات المثيرة للغرائز والاختلاف.

الكف عن نسبة الأخطاء والحوادث إلى المتدينين وعن السخرية بهم وبث الأمان والاطمئنان في قلوب القائمين على الدعوة.

توفير الرعاية للأسرة وتشجيع الأم على التفرغ لتربية أولادها تربية إسلامية، ما يحفظهم لاحقا من الأفكار الهدامة المتطرفة.

حث الناس على الرجوع في أمور الفتوى في الدين إلى العلماء المتخصصين، والأخذ على يد أولئك الذين يتصدون للفتوى بغير علم، والحرص على تكريم العاملين في مجال العمل الإسلامي والاجتماعي.

ختاما، لابد أن نواجه التطرف الفكري بالفكر المثمر والحوار البناء الهادف إلى الإيضاح والإفصاح، ولنقف بحزم ضد مروجي الفتن.