الجمعة 20 تموز 2018

أبحاث ودراسات

المهدي المنتظر... صدق ويقين

المهدي المنتظر... صدق ويقين

بقلم : المفتي الشيخ أحمد محي الدين نصار

التاريخ ,

أخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمته عن الأمم الماضية بأخبار لابد من التصديق بها، وأنها وقعت وفق خبره عليه الصلاة والسلام، كما أخبر عن أمور مستقبلة لابد من التصديق بها، والاعتقاد أنها ستقع على وفق ما جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم، وما من شيء يقرّب إلى اللّه إلاّ وقد دلّ الأمة عليه، ورغّبها فيه، وما من شر إلاّ حذّرها منه.

وإنّ من بين الأمور المستقبلة التي تجري في آخر الزمان، وقبل نزول سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام من السماء، هو خروج رجل من أهل بيت النبوة ومن ولد سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، يوافق اسمه اسم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، واسم أبيه كاسم والد النبي عليه الصلاة والسلام، جاء ذلك في عدد كبير من الآثار الصحيحة، منها ما رواه أبوداوود والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من أهلي يواطىء اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي). ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام (يواطيء اسمه اسمي) أي يوافق، لأن المواطأة هي المشابهة والموافقة. ومقتضى ما سبق: أن يكون اسم المهدي عليه السلام: محمد بن عبدالله أو أحمد بن عبد الله، على الحقيقة، وعلى وجهٍ لا يقبل التأويل أو ادعاء المجاز، فلا يمكن أن يكون اسمه المنصور أو زيد أو عمرو أو غيرها من الأسماء التي تسمّى بها أدعياء المهدويّة على مرّ العصور.

أما لقبه فهو "المهدي"، وقد لقبه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: (يخرج في آخر أمتي المهدي) رواه الحاكم في المستدرك وصححه الإمام الذهبي، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن في أمتي المهدي) رواه الترمذي في السنن وأحمد في المسند، وقوله عليه الصلاة والسلام: (المهدي منا أهل البيت) رواه ابن ماجة، وابن أبي شيبة في مصنفه، وصححه الشيخ أحمد شاكر.

والباعث على تلقيبه بذلك بيان هدايته من الله تعالى وتوفيقه له، ولم يحظ بهذا اللقب من الخلفاء صراحةً سوى الأربعة الراشدون المذكورون في قوله عليه الصلاة والسلام: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) رواه أصحاب السنن عدا النسائي وأخرجه الإمام أحمد. ولقبه بعض العلماء ومنهم الإمام البربهاري والإمام ابن حجر الهيتمي "بالقائم"، باعتبار أنّه سيقيم شرع الله سبحانه وتعالى.

وقد اصطلح علماء أهل السنة بتسميته المنتظر، فيقولون: المهدي المنتظر؛ أخذاً بمفهوم الحديث الذي مرّ آنفاً: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من أهلي)، وقد وردت هذه التسمية عن جملة من العلماء، منهم الإمام الاسفراييني، وابن حزم الأندلسي، والإمام الذهبي، وابن تيمية وابن القيم وغيرهما من علماء أهل السنة، والمقصود بأنّ الأمّة تنتظر خروجه آخر الزمان تصديقاً لصحّة الأحاديث المتعلّقة به، وإيماناً لا مَنزِع فيه، ولتذكير الأجيال بأن تعد العدة لنصرته في حال ظهوره ودون أي تلكئ عن العمل والدعوة في نصرة دين الله.

والمهدي المنتظر عليه السلام يكون من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن سلالته، فعن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة) رواه ابن ماجة، وابن أبي شيبة في مصنفه، وصححه الشيخ أحمد شاكر.

ويكون من ولد السيدة فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أم سلمة رضي الله عنها، أنها سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة) رواه أبو داوود، والعترة هم أولاد الرجل من صلبه كما قال الإمام الخطّابي.

ومن صفات المهدي المنتظر عليه السلام أنّه أجلى الجبهة، أقنى الأنف، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلا ً كما مُلئت جوراً وظلما) رواه أبو داوود، والحاكم. ومعنى أجلى الجبهة: منحسر الشعر عن مقدّم الرأس أو بمعنى: واسع الجبهة، ومعنى أقنى الأنف: دقيق الأنف، وعلماء السير يذكرون هاتين الصفتين في النبي صلى الله عليه وسلم، فيذكرون أنه رحب الجبهة أو أجلى الجبهة، وأنه أقنى الأنف، وإذا صحّ ذلك دلّ على أن المهدي المنتظر قد وافق شيئاً من صفات النبي عليه الصلاة والسلام الخَلْقيّة.

يصلحه الله في ليلة، فعن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة) رواه ابن ماجة، وابن أبي شيبة، وصححه الشيخ أحمد شاكر. والمقصود بأن الله يصلحه في ليلة؛ أي يهيئه الله تعالى للخلافة واستلام زمام الأمور، ويهيّء له من الأعوان من ينصرونه، ويقيمون سلطانه، ويشيدون أركانه، ويطهره من النقاص والتقصير، ويهديه الله تعالى ويرشده ويكتب الله السداد والقبول والتوفيق.

وقبل زمن المهدي يسود الأرض الظلم والجور وكثرة القتل، بحيث يكون صورةً عامّة وانطباعاً سائداً، وفوضى في جزيرة العرب بسبب الاختلاف على الحكم، واحتلال المدينة المنورة من أهل الرايات السواداء وإفسادهم فيها، واجتماع علماء في المسجد الحرام للنظر في أمور الأمة والإمارة على مكة، فيجتمعون على رجل يستند إلى الكعبة بين الركن والمقام أي عند الملتزم، بعدما رأو أن صفاته تواطئ ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زالوا به حتى يقبل ببيعتهم، فعن أبي قتادة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يبايع لرجلٍ بين الركن والمقام، ولن يستحل البيت إلا أهله .....) رواه أحمد، وابن حبان وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر، فيصلحه الله في ليلة كما بيّنا، وستلم زمام الحكم فيملاء الأرض بعد خلافته قسطاً وعدلاً، كما دلّ على ذلك الحديث الذي ذكرناه آنفاً، حكماً مستمّداً من الكتاب والسنّة، لا قانوناً وضعيّاً أو شريعة أرضيّة، ممتثلاً في ذلك قوله تعالى: ]وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم[ المائدة: 49، وقوله تعالى: ]لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط[ الحديد: 255.

فخلافة المهدي تكون على منهاج النبوة، فعن بشير بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضّا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبريّة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) رواه أحمد والبزّار والطبراني.

وعند ظهوره يناصبه أهل الظلم العداء فيجتمعون على قتاله في مقرّه مكة المكرمة  قبل اتساعه وانتشاره، فيرسلون جيوشهم حتى تجتمع في جيش كبير في البيداء ما بين مكة والمدينة، فيخسف الله تعالى بهم الأرض، نصرة من الله تعالى لعبده المهدي عليه السلام، وعلامة على صدقه للناس بعدما نشر الظلمة تشويها وافتراءات عليه، كالحال اليوم بين أهل الحق وأهل الباطل. فعن السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسف بأولهم، وآخرهم)، قالت: قلت يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: (يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم) متفق عليه، واللفظ للبخاري. ومثله حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يعوذ عائذ بالبيت، فيُبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم)، فقلت يا رسول الله، فكيف بمن كان كارها؟ قال: (يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته) رواه مسلم. والمعنى أن الجيش الذي سيقصد المهدي قد يجمع أخياراً مضللين والأشرار، فيُخسف بهم جميعاً، لكن مآلاتهم حينما يُبعثون مختلفة، على حسب نياتهم من الخروج، وعلى حسب أعمالهم.

ومدة سلطان المهدي عليه السلام سبع أو ثماني أو تسع سنوات على اختلاف الروايات، والعمدة في الباب حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج في آخر أمتي المهدي، يعيش سبعاً أو ثمانياً -يعني حِجَجاً) رواه الحاكم وصححه الذهبي. والمقصود بالحِجَج: السنوات. وفي رواية أخرى مذكورة عنه وفيها: (إن في أمتي المهدي، يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً) رواه الترمذي وأحمد.

وتمتاز خلافته عليه السلام بوحدة المسلمين وبكثرة الخير والبركات ونزول القطر من السماء، وكثرة الماشية، وإخراج الأرض نباتها، والفائض الكبير في المال، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويُعطى المال صحاحاً، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة) رواه الحاكم وصححه الذهبي.

وهذه البركات في الأرزاق والأقوات من ثمار العدل في الحكم والقسط بين الناس، والتي تمكنه من تجاوز الأزمات الاقتصاديّة التي تشكو منها الحضارات في العادة ليحقّق الرخاء الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي، والإنتاج الزراعيّ، ويعظم حكم دولته حتى تصل إلى روما.

وظهور المهدي عليه السلام يتبعه الآيات العظام، يدلّ عليه قوله صلى الله عليه و سلم: (يا ابن حوالة، إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام، الساعة يومئذ أقرب للناس من يدي هذه من رأسك) رواه الحاكم وصحّحه. وفي عهد المهدي ينزل سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام فيصلي ورائه، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيقول أميرهم: تعال صلّ بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة) رواه مسلم، ومقتضى ذلك أن الدجال يخرج في عصره، لأن عيسى ينزل فيقتل الدجال كما صحّت بذلك الأحاديث. وفي صلاة عيسى عليه السلام خلف المهدي دلالةٌ على اتباعه لهذا الدين، وعلى خاتمية الإسلام وإكمال الرسالة والنبوة، الأمر الذي يتضمّن بطلان ما جاءت به بعض النحل الضالّة كالقاديانيّة والبهائيّة وغيرها ممن حاولوا ادعاء نبوّةٍ بعد محمد صلى الله عليه وسلم وأن باب النبوّة لم يُختم، وما استتبعه من تبديل الدين، والمساس بعقيدة المسلمين.

وجملة ما وقفت عليه من أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ستة وعشرون، وهم: عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، طلحة بن عبيد اللّه، عبد الرحمن بن عوف، الحسين بن علي، أم سلمة، أم حبيبة، عبد اللّه بن عباس، عبد اللّه بن مسعود، عبد اللّه بن عمر، عبد اللّه بن عمرو، أبو سعيد الخدري، جابر بن عبد اللّه، أبو هريرة، أنس بن مالك، عمار بن ياسر، عوف بن مالك، ثوبان مولى رسول اللّه صلى الله عليه وآله، قرة بن إياس، علي الهلالي، حذيفة بن اليمان، عبد اللّه بن الحارث بن جزء، عوف بن مالك، عمران بن حصين، أبو الطفيل، جابر الصدفي.

وأحاديث المهدي خرّجها جماعة كثيرون من الأئمة في الصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد وغيرها، وقد بلغ عدد الذين وقفت على كتبهم، ثمانية وثلاثين. كما حكى بعض العلماء تواتر أحاديث المهدي ومنهم: الحافظ أبو الحسن الابري السجزي صاحب كتاب مناقب الشافعي، المتوفى سنة 363هـ، والشيخ محمد البرزنجي المتوفى سنة 1103هـ في كتابه الاشاعة لاشراط الساعة، والقاضي محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة 1250هـ، والشيخ صديق حسن القنوجي المتوفى سنة 1307هـ في كتابه الاذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة، والشيخ محمد بن جعفر الكتاني المتوفى 1345هـ.

إن أحاديث المهدي الكثيرة، التي ألّف فيها مؤلفون، وحكى تواترها جماعة، واعتقد موجبها أهل السنة والجماعة وغيرهم، تدل على حقيقة ثابتة بلا شك، وأن أحاديث المهدي على كثرتها وتعدد طرقها، وإثباتها في دواوين أهل السنة، يصعب كثيراً القول بأنه لا حقيقة لمقتضاها، إلاّ على جاهل أو مكابر، أو من لم يمعن النظر في طرقها وأسانيدها، ولم يقف على كلام أهل العلم المعتد بهم فيها. والتصديق بها داخل في الإيمان بأن محمداً هو رسول اللّه صلى الله عليه وآله؛ لأن من الإيمان به صلى الله عليه وآله تصديقه فيما أخبر به، وداخل في الإيمان بالغيب الذي امتدح اللّه المؤمنين به بقوله: ]ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب[ وداخل في الإيمان بالقدر، فالنبي المصطفى لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وآله، وكل ما ثبت إخباره عنه مما يقع في المستقبل، نعلم بأن اللّه قد شاءه، وأنه لابد أن يقع على وفق خبره صلى الله عليه وآله، كإخباره صلى الله عليه وآله بنزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان، وبخروج الدجال، وغير ذلك من الاخبار، فإنكار أحاديث المهدي أو التردد في شأنه أمر خطير، نسأل اللّه السلامة والعافية والثبات على الحق حتى الممات. انتهى.