الأحد 23 أيلول 2018

أبحاث ودراسات

النكبة الفلسطينية في الخطاب الإسرائيلي

النكبة الفلسطينية في الخطاب الإسرائيلي

الميادين

التاريخ ,

في مدخل الكتاب يكشف مؤلّفاه أمل جمال وسماح بصول عن هدفهما، في الوقوف على مدى الاعتراف الإسرائيلي بالنكبة الفلسطينية أو التنكر لها، ومدى قبول المسؤولية عن وقوعها، وذلك من خلال تركيز البحث على مناهج هيكلة العقائد والمدارك الخاصة بالنكبة في الوعي الجماعي الإسرائيلي، كما تتكشف في الخطاب الإعلامي في «إسرائيل».

 

وتفيد الفرضية الأساسية التي يقوم عليها البحث بأن الخطاب الإعلامي، وخصوصاً مقالات الرأي في الصحف المركزية الإسرائيلية، لا ينحصر دوره في التعبير عن مواقف رائجة ومتنوعة في الوعي الجماعي الإسرائيلي تجاه النكبة فحسب، بل يتعدّى ذلك نحو بلورة هذه المواقف وتحديد حدود الخطاب المستحسن تجاهها.

 

ويسعى تحليل الخطاب الإعلامي الإسرائيلي بشأن النكبة الفلسطينية إلى الكشف عن هذه المواقف، والسماح بفهم معمّق للفوارق الدقيقة الكامنة في المواقف التي تتجلّى فيه، والوقوف عند مميّزات هذا الخطاب الذي يعرّف حدود مشروعية الانشغال بالنكبة.

 

فالبحث في مواقف المجتمع الإسرائيلي من النكبة، واستكشاف التسويغات التي تدعم هذه المواقف وتُشرعنها وتُمنطقها، يكشفان كنه عملية بناء الرواية الإسرائيلية فيما يتعلق بتاريخ الدولة وشرعية وجودها وكيفية الانشغال المستمر بتوفير الدعائم التاريخية والمنطقية والأخلاقية للحفاظ على اتساق المواقف الإسرائيلية، وخصوصاً فيما يتعلق بتماسك ادّعاء شرعية المشروع الصهيوني وأخلاقيته، بما في ذلك إنكار التطهير العرقي في فلسطين خلال سنة 1948، الذي كان السبب في نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين؛ الأمر الذي يطرح التساؤل المباشر الأكبر بشأن صدقية الرواية التاريخية والأخلاقية الإسرائيلية.

 

في الفصل الأول (الأطر النظرية والتحليلية والمنهجية)، يستحضر البحث في مكانة النكبة الفلسطينية في الحيّز العام الإسرائيلي، بعض المصطلحات المهمة من أجل تبيان أهمية هذا الموضوع. فالمصطلح الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو الذاكرة، ذلك بأنها تثير التساؤلات بشأن العلاقة بين الماضي والحاضر، وكيفية تأثير الماضي في المستقبل ومدى هذا التأثير.

 

إن ذاكرة النكبة في «إسرائيل» مسألة مركزية يمكن من خلالها تبيان انتقائية الذاكرة والتضليلات التي تتم بواسطتها، إذ تشكّل آنية الذاكرة عنصراً مهماً ذا صلة فورية بالوعي الجماعي لدى من يحملونها.

 

ويهدف هذا البحث إلى فحص الوعي الجماهيري العام الإسرائيلي من أجل الوقوف على تأسيس الذاكرة الإسرائيلية في سياق النكبة الفلسطينية. وهو يستند إلى عيّنة واسعة من التقارير والمقالات المأخوذة من خمس صحف يومية تُنشر باللغة العبرية، خلال فترة زمنية امتدّت إلى خمسة أعوام، وتحديداً في الأسبوع الذي يسبق ما يُسمّى يوم «الاستقلال» الإسرائيلي في 15 أيار مايو، أي تاريخ النكبة وقيام إسرائيل، كما تقرّر رسمياً كلّ سنة، وفي أسبوع آخر يلي يوم 15 أيار/ مايو.

 

 

 

المطالبة باسترداد الذاكرة

 

(تاريخ قديم - جديد وأدبيات «المطالبة باسترداد الذاكرة») هو عنوان الفصل الثاني من الكتاب، وفيه يكتشف المؤلّفان تمييزاً واضحاً وقطعياً بين نوعين من المؤرّخين الإسرائيليين حول النكبة، هما: المؤرّخون الوضعيون المؤسساتيون، وهم الأقرب إلى الرواية الإسرائيلية الرسمية، التي يعتبرها الإسرائيليون «حرب التحرير» من دون أيّ علامات استفهام، حتى تلك المتعلقة بهويّة الأشخاص الذين «حُرّرت» منهم؛ والمؤرّخون البنّاؤون النقديون، الأقرب إلى الرواية الفلسطينية، وبينهم مؤرّخون إسرائيليون معتبرون.

 

إن أدبيات المطالبة باسترداد الذاكرة تؤجّج نقاش هؤلاء المؤرّخين. وهي تبدأ مع سياسة تسمية الأحداث التي يدور الجدل التاريخي بشأنها؛ أي الأحداث التي وقعت في فلسطين بين تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 وصيف سنة 1949، ذلك بأن تأمّل هذه السياسة يمكّن من إجراء فحص معمّق للهوّة القائمة بين المعسكرين المختلفين وتأثيرهما في بلورة الذاكرة والوعي الجماعيين.. وفي هذا الإطار ظهرت مؤخراً بعض الكتابات الفلسطينية التي تجسّد عمق الهوّة القائمة بين هذين المعسكرين الغريمين، والشكل الذي تتحول فيه الذاكرة إلى حلبة نزاع مركزية لا تنحصر تأثيراتها في الطرفين في المستوى السياسي فحسب، بل تتعدّاه إلى المستوى الوجودي؛ وبالنتيجة، يصبح احتمال «المصالحة» بين الإسرائيليين والفلسطينيين أمراً غير ممكن من دون إجراء تغييرات عميقة في مبنى الذاكرة لدى الطرفين.

 

ويورد البحث أفكاراً لإدوارد سعيد وقسطنطين زريق ووليد الخالدي ونور الدين مصالحة، حول أهمية النكبة كنقطة زمنية ذات مدلولات في تاريخ الفلسطينيين، وكمحل مركزي للذاكرة وبما يدحض الرواية الصهيونية، وأساسها الادّعاء أن فلسطين كانت قفراً أحيته الحركة الصهيونية بنفسها!

 

ويرى مصالحة أن الشهادات الفلسطينية مهمة وحيوية من أجل فهم الماضي واستيعاب ما حدث في أثناء النكبة. ويضيف أن عدم وجود متحف للنكبة وموقع لتخليد أسماء ضحاياها ومركز معلومات حولهم، أو نصب تذكارية وشواهد لمئات القرى الفلسطينية التي دمّرت سنة 1948، يجعل تدوين التاريخ أمراً صعباً.

 

    

 

 


سياسة الذاكرة وتقنيّات ضبطها

فلسطينيون يفرون من مدينتهم حيفا هرباً من المجازر الصهيونية

فلسطينيون يفرون من مدينتهم حيفا هرباً من المجازر الصهيونية

في الفصل الثالث (سياسة الذاكرة وتقنيّات ضبطها)، يتوقّف الباحثان عند تعديل صدّق في آذار/ مارس 2011، من قانون أسس الموازنة الإسرائيلي، تحت عنوان «تقليص الموازنة أو الدعم جرّاء نشاطات تناقض مبادئ الدولة». وقصد بهذا التعديل منع الدعم المالي عن أيّ مؤسسة (جسم) تنفي وجود «إسرائيل» كدولة يهودية وديمقراطية.

 

وكان من الواضح أن غاية هذا التعديل هي منع إحياء يوم النكبة بشكل رسمي في المؤسسات التربوية أو المؤسسات الرسمية وغير الرسمية الأخرى التي تدعمها «الدولة» الإسرائيلية. وعلى الرغم من أن هذا القانون (منع إحياء يوم الاستقلال أو يوم تأسيس «الدولة»)، بعد تعديله، كُتِب بشكل حيادي، وهو يسري على نشاطات يبادر إليها عرب أو يهود، وعلى مؤسسات المواطنين العرب أساساً، كأقلية قومية يحقّ لها التمتع بحماية دستورية، معزّزة لحقّهم في المساواة المدنية الكاملة.

 

وبُغية التوقّف عند تقنيات ضبط ذاكرة النكبة على المستويين الرسمي وغير الرسمي (في إسرائيل)، يعرض البحث، وبإيجاز، الآليات الأساسية التي استخدِمت لتحقيق هذه الغاية وهي:

 

1 - تجاهل رسمي وإقصاء غير رسمي (من قِبل الدولة الإسرائيلية والمؤسسات الأخرى)؛ وذلك عبر:

 

أ- تجسّد التجاهل الرسمي للنكبة في سياسة شطب الآثار الملموسة للوجود الفلسطيني قبل سنة 1948، عبر تشييد بلدات يهودية في أماكن القرى الفلسطينية التي تمّ هدمها مع مطلع العام 1948، ومحو أسماء تلك القرى ومن ثمّ عبرنتها.

 

ب- تجسّد التجاهل الرسمي (الإسرائيلي) للنكبة في عرض مسألة اللاجئين كمشكلة إنسانية يتحمل مسؤوليتها القادة الفلسطينيون وزعماء الدول العربية.

 

ج- تجاهل النكبة في الأدبيات العربية والفلسطينية التي صدرت في الخمسينيات من القرن العشرين.

 

د- محو الذاكرة بواسطة الكتب التدريسية التي تتجاهل البعد الإنساني لتبعات حرب 1948.

 

هـ- عمل المركز الدعائي الذي نشط في مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية طوال سنوات، وجهاز التربية الإسرائيلي الرسمي، على تنمية قصص «البطولة» التي برزت في أثناء حرب 1948.

 

 

 

2 - إنكار رسمي ومباشر: برز هذا الإنكار الإسرائيلي بشأن النكبة، بصورة خاصة، لدى عودة ذاكرة النكبة بقوّة إلى الأجندة الدولية والإقليمية وحتى الإسرائيلية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. وفيما يلي جزء أساسي من التغييرات التي حدثت في «إسرائيل» فيما يتعلّق بالنظرة إلى النكبة الفلسطينية:

 

 

 

أ- نزع الشرعية عن التأريخات الجديدة، مثل كتاب بني موريس عن نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، الذي يستند إلى توثيق تاريخي مفصّل لحرب 1947 - 1948، والذي جسّد فيه موريس وهن الرواية الصهيونية حول هذه الحرب؛ بالرغم من أن موريس لم يصل به الأمر إلى اتهام «إسرائيل» بالتطهير العرقي.

 

ب- تعميق الانشغال بالذاكرة القومية وصدقية الطريق في المدارس الإسرائيلية.

 

ج- درء محاولات إدخال مضامين جديدة أو رواية الآخر إلى الحلبة الجماهيرية ومنع الجمهور اليهودي من الحصول على معلومات جديدة عن طريق الإعلام.

 

د- تطوّر نزاع سياسي - قانوني ضدّ النكبة بمدلولاتها المتعددة، من خلال سنّ (قانون النكبة) الذي هدف إلى تمكين وزير التربية والتعليم الإسرائيلي من فرض عقوبات اقتصادية على المؤسسات التربوية التي تحيي ذكرى النكبة.

 

هـ- استئجار خدمات شركة مهنية لمنح «إسرائيل» ماركة تسويقية جديدة، وإدارة حرب افتراضية (Virtual) قوامها تقليص الوجود الفلسطيني ومحو الغبن ونسبه إلى «إسرائيل» باعتبارها ضحيّة مظالم الفلسطينيين.

 

  


تعامل المجتمع الإسرائيلي مع النكبة

عجوزان فلسطينيان في مخيم للاجئين بعد نزوحهم من فلسطين عام 1948

عجوزان فلسطينيان في مخيم للاجئين بعد نزوحهم من فلسطين عام 1948

في الفصل الرابع (النتائج)، يحلّل الباحثان المعطيات الكميّة (تقارير ومقالات) لعيّنة من الصحف العبرية التي تناولت النكبة وتعامل المجتمع الإسرائيلي معها. والصحف هي: «معاريف»، «يسرائيل هيوم»، «همودياع»، «يديعوت أحرونوت»، و«هآرتس»، مع الإشارة إلى اختلاف أساسي في اتجاهات وأهداف هذه الصحف ومصادر تمويلها.

 

وعليه، فإن تغطية ذاكرة النكبة صحافياً كانت توجّه وفق الأحداث المستجدّة، مثلما حصل سنة 2011، نتيجة الأحداث التي وقعت حينها، إذ قام لاجئون فلسطينيون بإحياء هذا اليوم عبر قدومهم إلى الحدود في منطقة هضبة الجولان، حيث قام بعضهم بعبور الحدود ووصل إلى قرية مجدل شمس، الأمر الذي أثار أصداء دولية واسعة؛ كذلك وقع حدث مشابه في جوار قرية مارون الراس اللبنانية سقط خلاله شبّان فلسطينيون برصاص الجيش الإسرائيلي بغية منعهم من الوصول إلى الحدود.

 

أما في التحليل الكيفي لـ(معتقدات النكبة في الحيّز العام الإسرائيلي) ونتيجة التأمل المعمَّق في الخطاب الإسرائيلي المتعلّق بالنكبة، فقد برزت منظورات عدة غير متناغمة وغير متماسكة فيما بينها، وقد رتّب الباحثان نتائج البحث وفقاً للمعتقد البارز الذي تنتمي إليه الصحف المذكورة آنفاً، وبحسب مضامين المقالات التي دخلت في عيّنة الدراسة.

 

ورتّب الباحثان المعتقدات السائدة بين الجمهور الإسرائيلي على الشكل التالي:

 

 

 

- المعتقد الأول: إنكار مجرّد وقوع أحداث النكبة والتعامل معها كابتداع دعائي وتزوير للتاريخ من قِبل الفلسطينيين ، للتغلب على الضعف العسكري العربي وتوفير وسيلة أكثر نجاحاً لهزيمة «إسرائيل».

 

 

 

- المعتقد الثاني: إنكار المسؤولية عن النكبة لا عن مسألة وقوعها؛ فالفلسطينيون هم الملامون على وضعهم (وزعماء الدول العربية أيضاً) لأنهم لم يقبلوا قرار التقسيم، وحاولوا منع إقامة (دولة إسرائيل)؛ حسبما زعم مؤرّخون وكتّاب إسرائيليون عديدون في المقالات أو التقارير التي أعدّوها في ذكرى النكبة.

 

 

 

- المعتقد الثالث: النكبة حدث مأساوي ما زال مستمراً إلى اليوم؛ وهذا موقف استثنائي كان محصوراً في صحيفة واحدة فقط، هي صحيفة «هآرتس»؛ ويؤسّس هذا الموقف للادعاء القائل بأن كارثة إنسانية وسياسية حلّت بالفلسطينيين. ويعكس مقال جدعون ليفي «روح 1948»، المنشور في صحيفة «هآرتس» بتاريخ 29/4/2012، هذا المعتقد بشكل كبير.

 

 

 

- المعتقد الرابع: النكبة تهديد متواصل بنزع الشرعية عن «إسرائيل» وينعكس هذا المعتقد في المقالات والتقارير التي تنسب إلى يوم النكبة مميّزات مهدّدة، على المستويين الأمني والدبلوماسي.

 

 

 

- المعتقد الخامس: النكبة ذاكرة جماعية يجب احترامها؛ وهو يمثّل أقليّة ترى في الذاكرة التاريخية جزءاً لا يتجزأ من التجربة القومية المعاشة. ومن هنا فإن الذاكرة الفلسطينية تشبه ذاكرة أيّ أمّة أخرى؛ ويرى بعض الداعمين لهذا الموقف موازنة بين الذاكرة الفلسطينية والذاكرة اليهودية.

 

 

 

 


جذور الإنكار الإسرائيلي للنكبة

ديفيد بن غوريون يعلن قيام دولة إسرائيل في فلسطين عام 1948

ديفيد بن غوريون يعلن قيام دولة إسرائيل في فلسطين عام 1948

 

 عن (جذور الإنكار الإسرائيلي للنكبة)، يحدّد البحث، من خلال تحليل مضامين المقالات في الصحف العبرية موضع الدراسة في العيّنة، مصادر الإنكار الإسرائيلي للنكبة ومدلولاتها، وأهمها:

 

1)    مصادر أيديولوجية - سياسية: على قاعدة أن أيّ اعتراف بوجود النكبة يمكن أن يضعضع أسس المعتقد الصهيوني، وخصوصاً الادعاءات المضمّنة في خرافة «شعب من دون أرض، لأرض من دون شعب».

 

 

 

2)    مصادر أخلاقية: فإن أيّ اعتراف بوجود النكبة يعني إلقاء المسؤولية السياسية والأخلاقية على (دولة إسرائيل) التي عملت كثيراً بغية إقناع «مواطنيها» بوجود خرافتي «طهارة السلاح» و«صدقية الطريق».

 

 3)    مصادر نفسانية: إن عمق التنكر للنكبة يشير إلى مقدار عدم الثقة واللاوعي لدى المسؤولين عن صناعة الإنكار. فالاعتراف بالنكبة يعني الاعتراف بدلالاتها الفورية وغير المباشرة -  التاريخية والسياسية والأخلاقية.

 

 

 

4)    مصادر استراتيجية: ويتجلّى هذا المصدر في الادعاء القائل بأن الاعتراف بالنكبة يعني نسب نيّات سيّئة إلى قيادة الصهيونية على المستوى الاستراتيجي والعسكري في أثناء حرب 1948 وما بعدها. ويعني هذا فرض المسؤولية على «إسرائيل» في كلّ ما يتعلّق بمسألة اللاجئين الفلسطينيين وتحويلهم إلى بند أساسي في حلّ المشكلة الفلسطينية.

 

 

 

5)    مصادر قانونية: ما يعتبره الباحثان أشدّ جسامة وخطورة من كلّ المصادر الأخرى هو الاتهام المباشر لشخصيات بعينها كانت ضالعة في أعمال الطرد والمذابح، والمطالبة بتقديمها إلى المحاكمة فيما يتعلّق بهذه الجرائم. ومن هنا ينبع الإنكار الأشدّ تصلّباً.

 

 

 

6)    مصادر دبلوماسية - دعائية: لقد عملت (دولة إسرائيل) كثيراً من أجل تدعيم وجودها على العدل والمشروعية، وعرض بُعد القوّة كاضطرار واقعي لا انفكاك منه؛ كما عملت على إلقاء مسؤولية مباشرة على الفلسطينيين، والعرب بصورة عامة، الذين «يضطرونها» إلى استخدام القوّة؛ وهذا المنهج يصبّ في مسار استمرار النزاع على الوعي بين «إسرائيل» وأعدائها.

 

 

 

 


جوانب الاهتمام الإسرائيلي بالنكبة

فلسطينيون يفرون من قراهم وبلداتهم عام 1948

فلسطينيون يفرون من قراهم وبلداتهم عام 1948

 

 في الفصل السادس والأخير، (نقاش) حول التعامل مع النكبة الفلسطينية في الحيّز العام الإسرائيلي، والذي يُظهر ليبرالية وانفتاحاً بشأن النكبة وذاكرتها، لكنه يستبطن حزماً ينصّ على عدم وقوع النكبة وعلى كونها بدعة فلسطينية ذكية غايتها نزع الشرعية عن «إسرائيل».

 

وتتجسّد ذاكرة النكبة الفلسطينية في أشكال عدّة، بعضها عربي فلسطيني وبعضها إسرائيلي. فعلى المستوى الفلسطيني، تنعكس ذاكرة النكبة في مسيرات النازحين في الداخل إلى أطلال قراهم التي دمّرت في أثناء حرب 1948 وما بعدها؛ كما تحطّم هذه الذاكرة الكثير من الخرافات التي نمت في المجتمع الإسرائيلي من وقتها، مثل «أقلية في مقابل أكثرية»، و«طهارة السلاح»، و«فرار اللاجئين طواعية». فيما تنعكس ذاكرة النكبة الإسرائيلية في عجز الحكومة الإسرائيلية عن محو أسماء كلّ المواقع الفلسطينية، سواء أكانت مدناً أم قرى، من الحيّز العام الإسرائيلي، وفي وجود أعراض تخصّ صدمة (Trauma) الماضي الفلسطينية في المشهد العام الإسرائيلي، وخصوصاً عدم القدرة على منع الانشغال الإسرائيلي باللاجئين الفلسطينيين.

 

وثمّة جانب آخر من جوانب الاهتمام الإسرائيلي بالنكبة، وهو جانب أخلاقي أيضاً لأنه يضع تحدياً على علاقة بالتنكر لها أو الاعتراف بها. فهناك جزء من الجمهور ينظر إلى النكبة باعتبارها مسألة إنسانية - أخلاقية لا سياسية فحسب. ويتضح من نتائج البحث أن المعتقد الأبرز في الخطاب العام الإسرائيلي تجاه النكبة يكمن في الربط بين ثلاثة ادعاءات تراكمية هي: إنكار مجرّد وقوعها؛ النظر إليها كبدعة مهدّدة هدفها نزع الشرعية عن «إسرائيل» والتنكر للمسؤولية عنها؛ ويطابق هذا المعتقد الموقف الرسمي الإسرائيلي في هذا الموضوع.

 

وأخيراً، تحت عنوان (تلخيص واستنتاجات)، يكشف الباحثان عن الهدف من فحص خطاب النكبة في الحيّز الإسرائيلي العام، وهو التأمل المعمّق في تعامل «إسرائيل» والجمهور الإسرائيلي مع المشكلة الفلسطينية ومع حلّها، وفي الاستعداد للتوصل إلى تسويات حقيقية مع الفلسطينيين.

 

ومن النظرة التحليلية إلى المنظومة الدعائية والدبلوماسية الجماهيرية الإسرائيلية، تظهر خصائص ومقوّمات لهاتين المنظومة والدبلوماسية، يمكن عرض أهمها كما يلي:

 

1 - تقسيم العالم إلى معسكر أصدقاء ومعسكر أعداء، وذلك وفق موقف كلٍ منهما من الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي ومدى تماهيه مع خصوصية وصدقية «إسرائيل».

 

2 - التركيز على أهمية التاريخ وارتباط الشعب اليهود بأرض «إسرائيل».

 

3 - تأكيد مركزية الأخلاق في العلاقات بين الأمم، مع التشديد على أن الخطاب والفكر والسلوك الإسرائيلية تخضع لمنظومة أخلاقية واضحة يتم تأكيدها من خلال ربطها بالديانة اليهودية و«قيمها وتاريخها».

 

4 - الاعتماد على القرارات الدولية التي تؤكّد شرعية ما يُسمّى (دولة إسرائيل)، وفي الوقت نفسه معاداة الأمم المتحدة وسحب الشرعية عنها بوصفها مؤسسة غير نزيهة في التعامل مع الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

 

5 - «كشف» الموقف الفلسطيني الذي يربط بين الاستيطان في الأراضي التي احتلّت سنة 1967 وبين إقامة «إسرائيل» في مناطق تم الاعتراف بها دولياً سنة 1949. وهذا الربط، بحسب الدعائية الإسرائيلية، يدلّ على أن مناهضة الاحتلال والاستيطان في الأراضي التي احتلّت سنة 1967 ما هي إلاّ مقدّمة لسحب الشرعية عن «إسرائيل» بأكملها.

 

6 - التأكيد على أن أيّ سلوكيات إسرائيلية فيها تجاوزات أخلاقية أو قانونية هي قسرية تُفرض على الطرف الإسرائيلي من جانب الطرف الآخر – الفلسطيني.

 

7 - إظهار النقاشات والخلافات الداخلية على أنها جزء من ماهيّة الكيان الإسرائيلي وتعكس ما في المجتمع الإسرائيلي من ديمقراطية.

 

8 - تأكيد الثنائية الأخلاقية التي تميّز بين الثقافة الحضارية التي تتحلّى بالأخلاق وحب الحياة واحترامها، وبين عدم توفّر هذه المواصفات في ثقافة الآخر (الفلسطيني).

 

9 - خلق التماهي ما بين «إسرائيل» - الدولة الحديثة المتطوّرة - والعالم الغربي، من خلال التشديد على الجذور اليهودية للحضارة المسيحية الغربية والتكامل فيما بينهما على المستوى الأخلاقي والواقعي أيضاً.

 

10 - التعامل مع الخطاب الفلسطيني بحذلقة، ذلك بأن الإنكار الإسرائيلي للرواية الفلسطينية، ولا سيّما فيما يتعلّق بالنكبة، سببه عدم تحمّل الفلسطينيين المسؤولية عمّا حدث لهم.