الثلاثاء 11 كانون أول 2018

أبحاث ودراسات

طريق الحرير  بعد تاريخيّ وحضاريّ

طريق الحرير بعد تاريخيّ وحضاريّ

أمل بو غنّام

التاريخ ,

ابتكر الجغرافي الألماني والمستكشف البارون فيردناند فون RichthofenFerdinand عام 1877، مفهوم "Seidenstrassen" أو "طرق الحرير" للتعبير عن التبادل الثقافي الأوروبي - الآسيوي. فكان رمزاً للمشاركة والتبادل بين الحضارات المتعاقبة، بعيداً من فكرة السيطرة وفرض القوّة. 

 

فيما يعود اكتشاف نسيج الحرير في محافظة جنوب شرق Zhejiang الصينية إلى ثلاثة آلاف سنة ق. م. أي إلى ما قبل أسطورة إنتاج الحرير في عهد الإمبراطور Fo Xi (2677-2597 ق.م.(، الذي بدأ بتربية دود القزّ وزراعة أشجار التوت. كما وجد في وادي النهر الأصفر شمال الصين أجزاء من القماش الحرير تعود إلى )2500 ق.م.( استخدم بدايةً لباساً للأباطرة، قبل أن يصبح وسيلة تبادل كالذهب والمال.

ويعود تاريخ العلاقات الاقتصادية التي تربط بين شرق آسيا وغربها، وصولاً إلى أوروبا، إلى أكثر من ألفي عام رغم صعوبة المواصلات البرّية والبحرية، وما كانت تتعرض له القوافل التجارية من قطاع طرق، وصعوبة التضاريس وقساوة المناخ وغيرها. فقد وجد علماء الآثار دليلاً على تجارة الحرير الصيني القديم في آسيا الوسطى وسواحل مصر القديمة تعود إلى نحو )1000 ق.م.(، وفي المنطقة Balkh ومزار الشريف، وأفغانستان تعود إلى نحو (500 ق.م.). ولبس الإسكندر الكبير الذي حكم في القرن الرابع ق.م. عباءات من الحرير الصيني المصبوغ باللون الأرجواني الغامق الفينيقي. ونقل المهاجرون الصينيون إنتاجه غرباً إلى كوريا خلال القرن الثاني ق.م. كما وجد في اليابان في أواخر الألف قبل الميلاد. فيما بدأ إنتاجه في القرن الثالث الميلادي. وتطوّرت حياكته في فترة حكم نارا (710-794م) لصناعة الكيمونو (اللباس التقليدي لليابان). وانتقلت معه أنواع الكتابة الصينية شرقاً وغرباً باتجاه بلاد ما بين النهرين.

كذلك يشير المؤرخون إلى وجود ثلاث فترات لتجارة الحرير:

1- (206 ق.م. - 220 م.) بين سلالة الهان الصينية القديمة وآسيا الوسطى، ووصل إلى روما في القرن الأول ق. م. لتبدأ "أول طريق للحرير" عبر وسط آسيا بعدما وقّع الإمبراطور الصيني معاهدة معها (198 ق.م.). وتزامن ذلك مع وصول نخبة إلى الحكم وبدايات الإمبراطورية. وظهر يوليوس قيصر منتصراً من خلف الستائر الحريرية، فارتبط الحرير بالثروة والقوّة. وفي القرون الثلاثة التالية، خلال فترة السلام الروماني للأباطرة الأوائل، ازداد استيراد الحرير وسواه، وفتحت الطرق التجارية في آسيا الصغرى والشرق الأوسط.

2- (618 - 907 م.) بين سلالة تانغ Tang الصينية والإمبراطورية البيزنطية وبلاد العرب والإمبراطورية العباسية والساسانية الفارسية، والهند، تزامن ذلك مع الفتوحات الإسلامية، وضمّت البوذية والزرداشتية واليهودية وغيرها.

لبس الشعب الحرير في منطقة البحر الأبيض المتوسط حتى سقوط روما. بعد انتقال إنتاجه مع راهبين مسيحيين زارا الصين وتعلّما سرّ إنتاجه. كذلك انتقل إنتاجه إلى بلاد الفرس وأصبحت دمشق مركز تجارة الحرير تحت الحكم العربي، وطوّرت سلالة تانغ الصينية (618-907 ق.م.) إنتاجه ونقلته إلى آسيا الوسطى، واستوردت الخيول من الغرب.

تراجعت حركة تبادل الحرير عبر القارّات خلال العصور الوسطى وفترة الحملات الصليبية من (1096-1200 م.). وفي القرن الثالث عشر والرابع عشر، أصبحت طريق الحرير من الصين إلى أوروبا الحديثة بمعظمها تحت سيطرة المغول. فيما شقّت بعض الأنماط الجديدة من أقمشة الحرير طريقها من إيران إلى آسيا الوسطى نحو الصين. هذا الخليط من الحضارات الذي حملته الأقمشة ذهاباً وإياباً، أثار اهتمام الأوروبيين، ونشطت تجارته بعد عودة المحاربين إلى أوروبا وما حملوه من أنواع أقمشة وستائر وفنون، إضافة إلى الأفكار الدينية والفلسفية والعمرانية والألوان إلى جانب غيرها من السلع. كذلك كان لبلاد المغرب وعلماء العرب أثر كبير على إسبانيا في نقل الطبّ الصيني والفلسفة اليونانية والحكمة الهندية وغيرها من العلوم إضافة إلى حركة الترجمة، فساعدت هذه المعارف على قيام عصر النهضة في أوروبا.

وظهرت المنافسة الدينية التي أدّت إلى صدامات بين الممالك الأوروبية وحكام العرب والأتراك والمنغوليين القادمين من الشمال عبر البحر الأسود الذين استحوذوا على الكنوز ولبسوا الحرير، واهتمّوا بالفنون، وسيطروا بالقوّة على الصين وتوسّعوا في آسيا - الهند وإيران -فأصبح من الصعب استمرار التواصل الإيجابي، ونشأت التحالفات والحروب.

3- أما طريق الحرير الثالثة، فلم يعد الحرير الصيني في مقدمتها، وقد احتاجت الممالك الأوروبية إلى المعادن الثمينة والخيول والسجاد والأسلحة... وعرف إنتاج الحرير في بلاد العرب وانتشر في جنوب أوروبا، كما نشطت حياكة وتجارة الحرير في العالم العربي شرقي المتوسط، وانتقلت المراكز التجارية الجديدة إلى شمال إيطاليا ليصبح فنّ عصر النهضة، الذي تميّز بالمنافسة التجارية خلال القرن الخامس عشر، وشكلت حافزاً للاكتشافات الجغرافية التي أوصلتهم إلى الشحن عبر البحر إلى الصين.

فيما يضيف البعض فترة رابعة، تبدأ في القرن التاسع عشر مع اللعبة الكبرى – حيث كانت المنافسة بين القوى الاستعمارية الروسية والبريطانية للسيطرة على آسيا الوسطى.

وأسهم إنتاج الوقود في تحويل تجارة الحرير إلى أوروبا الغربية ونشطت حركة المواصلات والاتصالات بين قارّات العالم القديم، فظهرت أساليب مُنافسة لإنتاج وحياكة الحرير الآسيوي في ليون الفرنسية، أكثر تطوراً من تلك المعروفة في الصين وتركيا، وأنشئت مصانع لإنتاج النسيج والأصباغ الصناعية مع التطور التقني، ومراكز لتلبية الطلب عليه، فوصل إلى الولايات المتحدة، وأصبح Paterson في نيو جرسي مقرّ تزويد الشركات بالحرير.

هكذا أصبح الحرير رمز الانتشار الثقافي والتفاعل الحضاري المتنوّع، بعد توسّع عمل علماء الآثار واللغة والدين والفنون وغيرها، واكتشاف الارتباط الثقافي الجغرافي الضارب في عمق التاريخ الذي أدى دوراً رئيساً في تطور النظام الاقتصادي والثقافي العالمي وخاصة اقتصاد الاتحاد الأوراسي. وتعمل الصين على إحيائه على قاعدة الانفتاح الشامل والتعاون بهدف التطور المشترك وازدهار المنطقة.

وشكّلت آسيا الوسطى جسراً بين الحضارات المترامية، ومصدراً للإبداع الثقافي، وإقليماً متنازعاً عليه له تأثير سياسيّ وعسكريّ. وازدادت أهميته بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، ودخول الولايات المتحدة إلى آسيا الوسطى للسيطرة السياسية والعسكرية على المنطقة بعد اكتشاف النفط وبناء خطوط الأنابيب وازدهار الأسواق المحلّية، لتشكّل ممرّات جديدة لتدفّق السلع والأفكار منها إلى باقي العالم، واسترداد موقعها التاريخي.

وقد شرعت الصين عملياً، في مدّ نفوذها وإيجاد نقاط ارتكاز لها على "طريق الحرير البحرية" قبل الإعلان رسمياً "استراتيجية الحزام والطريق" كمشروع متكامل. وطرحXi Jinping منذ عام (2013) مبادرة "الحزام والطريق" أثناء زيارته إلى آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا، التي وجدت حماسة لدى المجموعة الدولية وجميع الأطراف المعنية، ولم تكن مبادرة الصين منفردة بل كانت عملاً مشتركاً ومبادرة متعددة الأطراف لأكثر من 70 بلداً ومنظمة دولية بالتعاون مع المجموعة الدولية. تضمنت هذه المبادرة المفتوحة والشاملة مشاريع عدّة لتحقيق الاتحاد التجاري للحزام الاقتصادي لطريق الحرير الصينية القديمة الآمنة، من بينها شبكة سكك حديدية وطرق سريعة وخطوط أنابيب للغاز والنفط، وشبكات كهرباء وإنترنت وربط طرق الملاحة البحرية ومشاريع البنى التحتية في وسط وغرب وجنوب آسيا وصولاً إلى اليونان وروسيا وسلطنة عمان، وتعزيز ربط الصين بأوروبا وأفريقيا. وفي (18 -11-2014)، افتتحت بكين أطول سكك حديد عابرة للقارّات سمّتها "طريق الحرير الجديدة"، من الساحل الشرقي للصين حتى مدريد في إسبانيا، مسافتها 13 ألف كم تقريباً. لتنطلق الرحلة الأولى في 2-1-2017 مستغرقة 17 يوماً بدل 6 أسابيع بالبحر.

طريق الحرير قد تغيّر خريطة التجارة العالمية وتفتح الباب لفرص عظيمة بهدف صيانة فعّالة للسلام والأمن العالميين والتفاعل الإيجابي للحضارات المتنوّعة.