الثلاثاء 18 كانون أول 2018

أبحاث ودراسات

بعد تفوقها على الذهب.. هل تقود «بيتكوين» العالم لتبني نظامًا ماليًا جديدًا؟

بعد تفوقها على الذهب.. هل تقود «بيتكوين» العالم لتبني نظامًا ماليًا جديدًا؟

sasapost

التاريخ ,

ربما تكون سمعت عن عملة «بيتكوين» من قبل، وربما لا تعرف عنها شيئًا، ولكن على أية حال، فقد بدأت القصة بالتحديد يوم الثالث من يناير (كانون الثاني) 2009، كان هذا تاريخ تداول بيتكوين لأول مرة في العالم الرقمي، لكن ما هي بيتكوين، وما هو تأثيرها على مستقبل الاقتصاد العالمي؟

بيتكوين (Bitcoin) هي عملة رقمية افتراضية مشفّرة، ليس لها رقم مسلسل، ولا تخضع لسيطرة أية مؤسسة مالية في العالم، إذ يتم التعامل بها فقط عبر شبكة الإنترنت، من دون وجود فيزيائي لها، ولكن بالرغم من ذلك هي الآن العملة الأغلى في العالم.

العملة الرقمية التي لم يمر على وجودها، سوى نحو ثماني سنوات، استطاعت في 2017 أن تحقق ارتفاعات قياسية، محققة قفزات متوالية، متفوقة على جميع العملات التي تصدرها البنوك المركزية حول العالم؛ إذ يرى البعض أن جاذبية العملة الرقمية زادت بالآونة الأخيرة في ظل تراجع العملات التقليدية، وتباطؤ الاقتصاد العالمي، وحالة عدم اليقين السياسي، المسيطرة على العالم في الوقت الحالي.

2017 عام انتعاش بيتكوين

استقبلت العملة الرقمية عام 2017، بتفوق غير مسبوق، إذ صعدت فوق مستوى ألف دولار للمرة الأولى في ثلاث سنوات، في 2 يناير (كانون الثاني) 2017، بعد أن تفوقت في أدائها على جميع العملات التي تصدرها البنوك المركزية في 2016 عندما قفزت 125% على مدار العام الماضي.

ومؤخرًا تخطى سعر بيتكوين قيمة أوقية الذهب لأول مرة، إذ وصل سعرها إلى 1268 ألف دولار ، في حين بلغت أوقية الذهب، 500 غرام، 1233 دولار؛ وذلك بسبب تزايد الطلب عليها في الصين، في حين حذرت السلطات المحلية هناك من مغبة التعامل بها لاحتمال ارتباطها بإخراج الأموال من البلاد.

تشارلز هايتر، مؤسس موقع «كريبتوكومبير» الذي يراقب العملات الافتراضية، يرى أن نقص السيولة في الهند بعد قرارها سحب أوراق نقدية كبرى من التداول، وحالة عدم اليقين السياسي العالمي، ساعدا أيضًا في رفع قيمة هذه العملة خلال بداية العام الجاري.

ما هي فرص بيتكوين في المستقبل؟

مدحت نافع، الأكاديمي المصري، وعضو اتحاد البورصات العالمية، يرى أن وحدات عملة بيتكوين الافتراضية لا تتجاوز «فيش» القمار التي تصلح للتداول داخل «الكازينو» ولا قيمة لها خارجه، بل إن فيش القمار أكثر استقرارًا؛ لأن هناك ضامنًا لها متمثل في إدارة الكازينو المسئول أمام القانون عن سداد القيمة المرادفة لكل فيشة.

وتابع نافع خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنه في حالة بيتكوين لا توجد بنوك مركزية ولا احتياطي ضامن، سوى حجم التعاملات التي مازالت محدودة ومفضّلة بشكل كبير في الأعمال الإجرامية وغير الشرعية.

«زيادة قيمة العملة لا يعنى تحسّن فرصها المستقبلية في النمو؛ لأنها تقوم على ponzi scheme، بمعنى أن المتعاملين القدامى بالعملة يحصلون على إيرادات كبيرة من دخول متعاملين جدد، والاستهلاك الرقمي الكبير للتعاملات المحدودة نسبيًا يجعل إجراء المعاملات باستخدام محفظة البيكوين شديد البطء، وغير عملي، ويساعد على مزيد من التراجع ي عدد المعاملات»، يقول نافع.

ماهي مخاطر عملة البتكوين؟

مدحت نافع يقول: إن مخاطر ضياع الأموال واردة بشكل أوسع عن التعامل بالعملة الإلكترونية؛ وذلك نتيجة أعمال القرصنة الإلكترونية، وسيطرة عدد محدود من المنقبين «miners» على أرصدة تلك العملة، ومن ثم على تقلباتها، والتي تعتبر شديدة للغاية.

عضو اتحاد البورصات العالمية يرى كذلك أنه ليس ثمة منتجات سلعية أو خدمية متداولة ببيتكوين، ولا يمكن شراؤها بعملات تقليدية أخرى، بل إن المتعاملين ببيتكوين يسعّرون منتجاتهم بعملات أكثر استقرارًا، مثل الدولار، ثم يقومون بالسداد بالعملة الافتراضية، والتي تتقلب بشدة وبسرعة بما يهدد أموالهم بالضياع.

وعن الجانب الإيجابي يقول نافع: إن قدرة قواعد بيانات بيتكوين على تسجيل كافة التعاملات هو أمر جيد، لكنه يضع قيودًا على سرعة وسيولة التعامل، وربما أمكن للنظام العالمي أن يتحول إلى صورة رقمية كاملة، لكن بآلية مختلفة بعيدًا عن تلك العملة التي تعمل بنظام أشبه بقاعدة الذهب، لكنه أكثر تقلبًا بكل تأكيد.

كيف أحصل على بيتكوين؟

محمد إبراهيم، المستثمر في أسواق المال يتحدث لـ «ساسة بوست» عن تجربته مع البتكوين، إذ يقول «في البداية لم أكن على دراية كافية بالعملة الافتراضية ولكن ما لفت انتبهي إليها هو سعرها المرتفع مقارنة بالعملات الأخرى على الإنترنت فيحنها كان سعر العملة نحو 800 دولار للبيتكوين الواحد».

ويتابع إبراهيم «عندها بدأت البحث عن البيتكون، ما هو؟ وأين أجده؟ وفيم أستخدمه؟ إلى أن وجدت طريقًا إلى هذه العملة في عالم الإنترنت الخفي (الديب ويب) و (الدارك ويب)، حيث ويباع ويشترى كل ما هو غير قانوني عن طريق هذه العملة اللامركزية».

ويقول إبراهيم «اشتركت في موقع متخصص في التعدين واستثمرت في البداية 60 دولارًا (تعدين مدى الحياة)، وهناك تعدين يصل لـ 35 ألف دولار تدفع مرة واحدة مدى الحياة تعطيك عائدًا شهريًا من 500 دولار إلى 700 دولار على حسب تغير سعر بيتكوين أمام الدولار».
وعملية التعدين بالنسبة للبيتكوين هي مجموعة من الأجهزة مرتبطة ببعضها حول العالم تقوم بفك مجموعة من الشيفرات، بمعنى أنه عندما يكون لديك بيتكوين في محفظتك وتريد إرساله إلى محفظة شخص آخر فإن خوارزم بيتكوين تقوم بتشفير العملية بشكل معقد وترسلها إلى أجهزة أشخاص آخرين (المعدنين)، وللمحافظة على أمن وسلامة العملية ومقابل هذه المراقبة التي يقومون بها يتم مكافأتهم ببيتكوين، وهذا مايسمى بالتعدين.

ويعتقد المستثمر في أسواق المال أن سبب إقبال المستثمرين على شراء بيتكوين، يعود إلى أنها عملة آمنة وسعرها يرتفع يومًا بعد يوم، إذ يرى أن سعره سيصل إلى 10.000 دولار بسبب زيادة الطلب عليها.

الحصول على بيتكوين في الغالب يكون من خلال ثلاث طرق، الأولى استبدالها مع شخص آخر، أو شراؤها من صراف إلكتروني، وإما عن طريق بيع بضاعتك أو خدماتك مقابل بيتكوين، ويعد LocalBitcoins.com و BitQuick.me مراجع جيدة لسهولة القيام بمعليات شراء بيتكوين.

وفي الوقت الحالي لا يزال هناك عدد سوى قليل من الصرافين الإلكترونيين المتواجدين في الشرق الأوسط: وهم «آيغوت» في دبي، و«بِت أوايسِس»، لكن بإمكانك أيضًا أن تستخدم الصرافات الإلكترونية العالمية، أمثال «سركل» و«بِتستامپ» و«إتبِت» و«كراكن».

ويجرى استبدال البتكوين بالعملات الرسمية كالدولار واليورو، عبر محفظة مالية يتحكم فيها العميل برقم سري خاص، عبر تطبيقات الكترونية، مرتبطة بالآلاف من أجهزة الكمبيوتر، تتحقق من صحة المعاملات وتضيف المزيد من عملات بيتكوين إلى النظام.

الاعتراف الدولي

تعددت أشكال الاعتراف ببيتكوين مؤخرًا، فبالرغم من أن ألمانيا الدولة الوحيدة التي اعترفت رسميا بالعملة الرقمية، أطلقت شركة السكك الحديدية السويسرية، إس بي بي، في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2016 توسيع أنشطتها بإطلاق خدمة جديدة على ماكيناتها للتذاكر لبيع عملة بيتكوين الرقمية، والتي تعتمد على الإنترنت.

ويوجد الآن آلاف المتاجر حول العالم يقبلون التعامل ببيتكوين، ولكن على مستوى المنطقة العربية، ومقارنة بأجزاء أخرى من العالم، يعتبر انتشار العملة متأخرًا نسبيًا، وكان القبول بهذه العملة لأول مرة في الأردن في بار شاي في العاصمة عمان، ثم دبي وفلسطين والكويت.

وفي الوقت الذي تتوسع دائرة الاعتراف بالعملة الإلكترونية، يتخوف المتعاملون بهذه العملة من أن يكون الاعتراف الرسمي، الذي يعطي صبغة شرعية للبيتكوين، يحمل أيضًا جانبًا قد يضر مستقبل هذه العملة، وهو التنظيم وربطها بالحكومات، وهو الأمر الذي يتعارض مع أهم سمات العملة: وهي كونها غير خاضعة لأية جهة.

لماذا يتزايد الإقبال على بيتكوين؟

بالرغم من الغموض الذي يحيط بهذه النقود الافتراضية، إلا أن جاذبيتها لدى بعض المستخدمين تثير استغراب البعض، إلا أن هناك عدة أسباب تدعم الإقبال الملحوظ على التعامل بها، وأبرزها غياب الرقابة الحكومية عليها.

البتكوين غير قابلة للتتبع، لذلك هي وسيلة الدفع المفضلة لدى لصوص الإنترنت، إلا أنه بسبب التقلب السريع بسعر العملة يدفع الكثير إلى تحويلها لأشكال أخرى من النقود في أسرع وقت ممكن.

ويجري تداول عملة بيتكوين بنسبة أكبر في الصين، إذ يربط المحللون بين صعود العملة وانخفاض الإيوان الصيني، كما تُظهر البيانات أن معظم تداول عملة بيتكوين يجري في الصين، لأن ذلك يتيح للصينيين الالتفاف على القوانين المحلية المقيدة لحجم الأموال التي يمكنهم تداولها، فيما يتم تداول ما يقرب من 16.2 مليون وحدة من العملة الرقمية في العالم، بينما يتم التداول على 5.6 مليون أوقية ذهب فقط.

وتتميز هذه العملة، بعدم وجود رسوم على التحويلات بعكس الأخرى التقليدية، بالإضافة إلى السرعة والسرية في نقل التحويلات بين الحسابات، وهي أسباب إضافية تدعم الإقبال على العملة.

تواريخ فارقة في عالم بيتكوين

في 2 مايو (أيار) 2010، كانت أولى معاملات بيتكوين في العالم الحقيقي، إذ اشترى رجل بشكل غير مباشر شطيرتي بيتزا «بابا جونز» بقيمة عشرة آلاف بيتكوين لشراء، وهو السعر الذي يعادل حاليًا 6 ملايين دولار لشطيرة البيتزا الواحدة.

وفي 3 فبراير (شباط) 2011، بلغ سعر بيتكوين مستوى التعادل مع الدولار الأمريكي، فيما أعلن ما يقرب من 1000 تاجر قبولهم التعامل ببيتكوين من بينهم «wordpress.com» و«reddit» و«OkCupid» وموقع «PirateBay»، وذلك في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2012.

وبحلول 8 أغسطس (آب) 2015، أصبح ما يقرب من 160 ألف تاجر في العالم يقبلون التعامل ببيتكوين، وذلك بعد أشهر من تعرض أكبر بورصة في العالم للبيتكوين، التي كانت تسيطر على حوالي 70% من التعاملات، لعمليات قرصنة إلكترونية ومشكلات تقنية أخرى؛ مما دفعها للتقدم بطلب لحمايتها من الإفلاس، في 7 فبراير (شباط) 2014.

في 2 مايو (أيار) 2016، أكد رائد الأعمال الأسترالي كريج رايت، أنه مبتكر العملة بيتكوين، إلا أن مجلة «ذا ايكونوميست» قالت «ليس من الممكن أبدًا التأكد بما لا يدع مجالا للشك من الذي ابتكر بيتكوين بالفعل».

ويرى خبراء البيتكوين أن معرفة المخترع مفيد للقطاع، ومن المؤكد أنه يمتلك أيضًا ما يكفي من العملة للتأثير على أسعارها، إذ يعتقد الباحثون أن مخترع العملة يمتلك بحوزته ما يصل إلى مليون بيتكوين.

بيتكوين ليست الوحيدة

بيتكوين ليس العملة الرقمية الوحيدة في العالم، إلا أنها الأكبر سعرًا والأوسع انتشارًا، ولكن مؤخرًا ارتفعت عملة «Dash» الرقمية، وهي تعد منافسة للبتكوين، بأكثر من الضعف خلال أسبوع، وذلك مع تزايد إقبال المستثمرين عليها استباقًا لبدء تداولها في البورصات الرئيسة.

ووفقا لبيانات موقع «CryptoCompare» المتخصص في متابعة العملات الرقمية، قفزت العملة الرقمية إلى 57.75 دولار بنهاية الأسبوع الماضي، ارتفاعًا من 24.20 دولار قبل أسبوع، ويأتي هذا المستوى أعلى مما سجلته عملة «Litecoin» التي بلغت ذروتها في 2013 عند 53 دولارًا، وبذلك يكون المستوى الذي سجلته «داش» هو الأعلى بين كافة بدائل أو منافسي البتكوين.


وتعتبر «داش» هي ثالث أكبر عملة رقمية بعد البتكوين و«ethereum» بعدما بلغت قيمتها السوقية الإجمالية 329 مليون دولار، ثم تأتي عملات الرقمية الأخرى مثل «Zcash»، و«Monero»، و«DigitalCash»، و«Next».

عبد الله باعشن، الخبير الاقتصادي يرى أن العملات الإلكترونية لا زالت تفتقد القبول والثقة، وهو الأمر الذي يعترف به القائمون عليها، إذ يرى أن مقومات أية عملة هي أن تكون صادرة عن جهة لديها قوة اقتصادية، أو مغطاة بمعدن ثمين، أو ترتكز إلى قوة اقتصادية، مثل الدولار الأمريكي على سبيل المثال، وهو الأمر غير الموجود في حالة العملة الافتراضية.

في النهاية حتى الآن لا يوجد تأثير ملحوظ للبيتكوين أو العملات الرقمية الأخرى على الاقتصاد الحقيقي، إذ تحتاج للكثير من الوقت لتغير الاقتصاد العالمي كما يهدف مخترعها، بالإضافة إلى أن الكثير من العوامل تحد من انتشارها، بل تدفع الكثيرين لمحاربتها؛ كونها الراعي الأكبر للجريمة في العالم.