أخبار عربية ودولية

حول الدستور والحقوق والسيادة

في 12 ديسمبر من هذا العام، تحتفل روسيا بالذكرى الثلاثين لوثيقة الدولة الأساسية لبلدنا – دستور روسيا الاتحادية. بالنسبة لإخواني أبناء وطننا، يجّسد هذا اليوم شيئًا أكثر بكثير من مجرد تاريخ تقويمي. فما هو المعنى العميق لهذا العيد؟

قبل عقود ثلاثة من الزمن، جرى تصويت شعبي على مسودة الدستور. وقد أعاد خبراء القانون النظر فيه، ليشكّل الأساس لبنية الدولة الجديدة. إمتداداً من فلاديفوستوك إلى كالينينغراد، تمّ تشكيل دولة قانونية فيدرالية ذات حكمٍ جمهوري. تمّ ضمان حقوق ومسؤوليات مواطني روسيا المولودة حديثًا. لقد بدأ عصر قانوني جديد لبلدنا.
تلك الفترة – تسعينيات القرن الماضي – كانت صعبة للغاية بالنسبة لبلدنا. حيث أدّى انهيار الاتحاد السوفياتي وما تلا ذلك من «فراغ» المؤسسات الحكومية الحيوية، إلى تدهور خطير في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. كان على البلاد أن تواجه الفساد المتزايد والإرهاب والجريمة المنظّمة. وكان الاستقرار الداخلي للدولة عند مستوى منخفض بشكل خطير.

أما في ما يتعلق بـ «المحيط الخارجي» لسياسة الدولة، لم يكن كل شيء متفائلاً للغاية. فعلى الساحة الدولية، حاولوا ألّا يأخذوا روسيا على محمل الجدّ: فقد نظروا إلينا باعتبارنا «محطة وقود» سيبيرية ضعيفة التطور وعاجزة، وغير قادرة على أن تصبح شيئاً بعد اختفاء سابقتها القوية.
خلال هذه الحلقة من ضعفنا العابر، كثّف الغرب رغبته المهووسة في القضاء على موسكو بالكامل كمنافس جيوسياسي محتمل. لقد تمّت رعاية الخلايا الإرهابية عمداً على الأراضي الروسية تحت ستار الحركات الوطنية. حاولوا غرس قيم زائفة في نفوس الشباب من أجل تشكيل «طابور خامس» مخلص إيديولوجياً. قدّموا وعوداً وضمانات فارغة، ولم يكن لديهم أي نيّة للوفاء بها. فرضوا قيودًا قانونية أعاقت تطورنا وكانت غير مؤاتية في الأساس. ببساطة، لقد فعلوا كل شيء لإضعاف وتدمير بلدنا من الداخل. لكن هذا الأمر لم ينجح.

وعلى الرغم من كل محاولات خصومنا، ومن كل الاضطرابات التي حدثت في العالم وفي بلادنا خلال السنوات الثلاثين التي خلت، فقد نجت روسيا. لقد استعدنا مكانتنا كأكبر قوة في العالم وفي أوراسيا وأوروبا والمحيط الهادئ. أصبحنا مرةً أخرى قادرين على ضمان وحماية مصالحنا الوطنية بشكل كامل. أصبحت روسيا مرّة أخرى قطباً جيوسياسياً، تلعب دوراً رئيسياً وحاسماً في بعض الأحيان في المجريات العالمية.
رغم العقوبات الاقتصادية غير الشرعية المفروضة علينا والبالغة 17 ألفاً، فإنّ اقتصادنا يُعدّ أحد أقوى اقتصاديات العالم الخمسة من حيث الناتج المحلي الإجمالي والقدرة الشرائية. كما تثبت القوات المسلّحة لروسيا الاتحادية تفوقها يوماً بعد يوم على كامل القوة العسكرية والاستخباراتية لحلف الناتو مجتمعةً. هذا الحلف الذي يعارضنا بحكم الأمر الواقع في أوكرانيا. والشعب الروسي – رغم مئات الجنسيات واللغات والتقاليد – متّحد كما لم يحدث من قبل.

لقد حمل الدستور معناه المقدّس خلال كل هذه المحن وصمد أمام اختبار الزمن. إنّ «القانون الأساسي» يرمز لكل واحد منا إلى ما هو أكثر بكثير من مجرد مجموعة من الصيغ القانونية. إنّه في المقام الأول علامة بارزة على الاستقرار الاجتماعي والوحدة الوطنية للشعب الروسي المتعدّد الجنسيات. فقد أثبتت جدواه هذه، استراتيجية التنمية المستدامة للدولة الروسية. وهو أخيراً، جوهر سيادة دولتنا المقدّسة، التي ندافع عن حرمتها بلا كلل.

نحن لسنا وحدنا في هذا الصراع الصعب من أجل السيادة. فمن المؤسف أنّ العديد من الدول هنا، في الشرق الأوسط الذي عانى طويلاً، وفي الواقع الكارثي الراهن – ومن بينها لبنان، وفلسطين، وسوريا – يتعيّن عليها أن تناضل حرفياً من أجل وجودها المشروع في مواجهة التهديدات الخارجية.
تتكشف أمام أعيننا إحدى أكثر جولات الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي دموية، المصحوب بقسوة غير مسبوقة، ووفيات أبرياء، وانتهاك صارخ للقانون الدولي، وتجاهل تام للمبادئ الإنسانية الأساسية. لقد تجاوز عدد القتلى منذ فترة طويلة الـ 15 ألفاً، من بينهم عدد كبير غير جائز من النساء والأطفال. ويجب علينا أن نعترف بقلب مثقل، بأنّ عواقب هذه الكارثة ستترك جرحاً عميقاً آخر في هذه المنطقة، وتغّير مشهدها السياسي إلى الأبد.


لقد تمّ بالفعل إطلاق النداءات الروسية مرات عدة على مستويات مختلفة، لكنني أعتبر أنّه من الضروري تكرارها مرّة أخرى. إنّ محاولة حلّ هذا الصراع الطويل الأمد في الشرق الأوسط بالسلاح والدم لن تؤدي إلى أي مكان. إنّ الحل السياسي الدبلوماسي المتبادل هو وحده الذي يمكن أن يؤدي إلى تسوية سلمية دائمة، والى هدنة في الأراضي المقدّسة، طالما طال انتظارها. وعلينا أن نسعى جاهدين من أجل وقف فوري كامل لإطلاق النار وإطلاق عملية التفاوض في أقرب وقت ممكن.

في ظلّ هذه الخلفية القاتمة، من المؤلم أن نرى كيف تتجاهل الولايات المتحدة جميع حقوقها وقيمها المقدّسة، عندما يتعلق الأمر بشعب غزة. كما تمارس واشنطن وبعض توابعها عرقلة محاولات التوصل إلى هدنة إنسانية ووقف لإطلاق النار. إنّهم يحاولون فرض إنذار نهائي على المجتمع الدولي لحل يسمح لإسرائيل بمواصلة التطهير العسكري للقطاع، والغارات العنيفة على الضفة الغربية، والهجمات التعسفية على لبنان وسوريا. ومع ذلك، فإنّه ليس غريباً على المجتمع الدولي مثل هذا السلوك من قِبل البيت الأبيض.

كما نلاحظ في الحقيقة «أكرنة» خطاب معظم الدول الغربية في ما يتعلق بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. فالأنجلوسكسونيون يعملون كجبهة «ديموقراطية» أيديولوجية موحّدة، ما يمنع البدء السريع بعملية السلام. وفي هذا السياق، فإنّ الدعوات (وحتى المحاولات) للعودة إلى الإطار القانوني الدولي المعروف بالفعل، والالتزام به بشكل صارم، ينظر إليها الغربيون عملياً على أنّها «معارضة» غير مقبولة.

إنّ العديد من الدول، تحت ضغط الغرب، تخشى ببساطة التحدث علناً عن دعم الشعب الفلسطيني وضرورة وقف دائم لإطلاق النار. ولم تُسمع تقريبًا من عواصم الاتحاد الأوروبي حتى تصريحات خجولة حول ضرورة احترام القانون الإنساني الدولي. يبدو أنّ الزعماء الأوروبيين لا يمثلون شعوبهم، ولا يستجيبون لإرادتها بشكل كامل، بما تمليه عليهم دساتيرهم، كما أعتقد.
ومن الواضح أنّ النخبة السياسية الغربية اتخذت خيارها في هذه المواجهة، منذ زمن طويل. هذا الخيار يتعارض مع تطلّعات العالم العربي. ويتعارض مع مبادئهم القانونية «الديموقراطية» العقائدية الخاصة، التي يتناسونها لسبب ما عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية. مرّة أخرى يشهد العالم ازدواجية السياسة الخارجية الغربية.


أعتقد أنّ المؤرخ والفيلسوف الألماني أوسفالد شبينغلر كان على حق في جوانب عديدة عندما كتب عمله الشهير عن «انحدار أوروبا». الشمس تغرب حقاً – في الغرب. إنّهم، في الممارسة العملية، يودعون في غياهب النسيان ما دافعوا عنه بشدّة بالكلمات. يشوّهون الحقيقة لتتناسب مع روايات يرتاحون لها، ولا يسعون في الواقع إلاّ لتحقيق أهدافهم المغرورة. إنّهم يحاولون يائسين تأمين الهيمنة على العالم من خلال الأساليب الاستعمارية الجديدة. وتحت ستار «شرطي العالم» يكمن في الواقع ظالم عالمي متعطش للدماء، لا يقبل السيادة ولا حتى الحق في وجود دول مستقلة. كل هذا، كما يقول شبينغلر، هو أعراض واضحة لتراجع الهوية الثقافية والحضارية.


وفي سياق الأزمة الحالية، نلاحظ أنّ تصرفات أغلب الزعماء الأوروبيين ليست واعية أيضاً. نسمع عن تظاهرات شعبية حاشدة منظّمة، دعماً لفلسطين، ونداءات من أجل وضع حدّ للقصف الوحشي للأهداف المدنية، ونعلم أيضًا بالدعوات العامة اليائسة لوقف استيلاء المستوطنين على الأراضي القانونية للدولة الفلسطينية التي أقّرتها الأمم المتحدة، لكن على المستوى السياسي، نرى سلبية وخوفاً من الخروج عن «إجماع» واشنطن.

ومع ذلك، بعد غروب الشمس، يأتي الفجر بالتأكيد. سوف تشرق الشمس هنا، في الشرق، على الأغلبية العالمية: على البلدان التي لا تقبل الهيمنة، على البلدان التي تؤيّد عالماً متساوياً متعدّد الأقطاب على أساس القانون الدولي.

المصدر:”الجمهورية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *