مقالات

خسارة مدوية في غزة.. فانتظروا التغيّرات الجيوسياسية

حمزة تكين ـ كاتب تركي

مع تصاعد النجاحات والانتصارات العسكرية التي تحققها المقاومة الفلسطينية وخاصة كتائب القسّام ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي المقتحمة لقطاع غزة بعيد عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وصلت الأمور إلى نقطة لا يمكن أن يخفيها أحد لناحية الفشل العسكري والأمني والاستخباراتي الإسرائيلي على البعد الاستراتيجي.

نقترب من 70 يوما على عدوان إسرائيلي نازي وحشي ضد المدنيين في غزة، تخلله تدمير واسع جدا للبنى التحتية والمباني والأحياء والمدارس والمستشفيات والأفران وكل مظاهر الحياة في مناطق شاسعة في غزة، وذلك باستخدام كميات هائلة من المتفجرات وأعداد مهولة من القذائف والصواريخ والقنابل المقدّمة بغالبيتها من الولايات المتحدة الأمريكية التي بات من الواضح أنها حريصة على تحقيق انتصار عسكري إسرائيلي بأي ثمن.

رغم كل هذا الحجم من العدوان ورغم كل هذا الدعم الأمريكي استخباراتيا وعسكريا وسياسيا وإعلاميا لآلة القتل الإسرائيلية، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي يسجل اليوم فشلا ذريعا بتحقيق أي نصر استراتيجي أمام حفنة من المجاهدين الفلسطينيين الذين لا يمتلكون ما يمتلكه الاحتلال من تكنولوجيا وعتاد وآليات واستخبارات وقوة.

رغم مرور نحو 70 يوم على تفعيل الاحتلال الإسرائيلي كل قدراته الحديثة لتحقيق نصر استراتيجي واحد في غزة باغتيال أو أسر أحد من قيادات المقاومة أو إجبار قوة عسكرية مقاومة على الاستسلام أو تدمير حقيقي لأصل قوة المقاومة أو سيطرة حقيقية على بعض مناطق قطاع غزة، إلا أن الاحتلال فشل، وهذا الفشل يراه كل عاقل حتى لو اختلف سياسيا أو عقائديا مع خط ونهج المقاومة في غزة.

كل قادة الاحتلال السياسيين والأمنيين والعسكريين وهم يصرحون منذ عشرات الأيام أنهم سيصلون إلى محمد الضيف ويحيى السنوار وأبو عبيدة وغيرهم من قادة المقاومة، ولكن هذا لم يتحقق نتيجة الفشل العسكري والاستخباراتي الإسرائيلي، كذلك فشلت حتى الآن كل طائرات وآليات وجنود وضباط الاحتلال بالسيطرة الفعلية ولو على بقعة واحدة من غزة، فالتوغل شيء والسيطرة شيء، وما يؤكد هذا الأمر أن الاشتباكات مع رجال المقاومة مستمرة في مناطق في غزة دخلها جيش الاحتلال قبل أكثر من 40 يوما.

كل هذا الفشل أدى لنشوب خلافات حقيقة بين كيان الاحتلال والجانب الأمريكي، وهذه الخلافات ليست بسبب غيرة الولايات المتحدة الأمريكية على رجال المقاومة أو أهل غزة، وليست بسبب استيقاظ الضمير الأمريكي، وليست بسبب لهيب المشاعر الإنسانية عند الأمريكيين تجاه المدنيين في غزة، وإنما بسبب الفشل الذريع والاستراتيجي الذي مني به جيش الاحتلال الإسرائيلي في بقعة جغرافية متناهية الصغر وهي غزة، الأمر الذي تسبب لإدارة جو بايدن بحرج كبير على الصعيد العالمي.

هذا الحرج هو كالتالي: أن جيشا في المنطقة تسلحه الولايات المتحدة الأمريكية منذ عقود وتدعمه بآخر ما تتوصل له التكنولوجيا العسكرية، إلا أن هذا الجيش “أكل كفا” تاريخيا وخطيرا بالبعد الجيوسياسي يون حققت عملية “طوفان الأقصى” كل أهدافها خلال سويعات قليلة في  7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فوصل المقاومون الفلسطينيون لعمق الأراضي المحتلة ولم يدرك جيش الاحتلال الإسرائيلي ما يحصل على الأرض إلا بعد نحو 4 ساعات، وإن لم يكن هذا فشلا عسكريا واستخباراتيا للاحتلال فما هو الفشل!؟

هذه الضربة الأولى التي فجعت الولايات المتحدة الأمريكية بالجيش التي تبنيه وتدعمه ليكون يدها القوية في الشرق الأوسط عندما تدعو الحاجة.

أما الضربة الثاني لهذا الجيش فجاءت نتيجة فشله رغم كل ما يمتلك من مقدرات ورغم كل دعم الأساطيل والطائرات والاستخبارات الأجنبية له بتحقيق نصر عسكري واحد في غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي وحتى اليوم، وهنا عادت الولايات المتحدة الأمريكية للغضب مجددا من هذا الجيش وقيادته العسكرية والسياسية، وكأن لسانها يقول: ما حاجتنا في الشرق الأوسط بجيش عاجز أمام حفنة مقاتلين يتواجدون في بقعة جغرافية متناهية الصغر محاصرة منذ سنين طويلة؟! ماذا سيكون حال هذا الجيش لو اضطر أن يقف أمام جيش حقيق؟! لماذا نصرف المليارات من الدولارات على هذا الجيش وهو جيش فاشل؟! لماذا نخاطر بسمعة الولايات المتحدة الأمريكية أمام العالم من أجل جيش فاشل؟!

لقد تحول الاحتلال الإسرائيلي عبئا ثقيلا على أمريكا بالبعد الجيوسياسي، بل تحول إلى ورقة خاسرة لن تفيد الأهداف الأمريكية في المنطقة، وبالتالي النصر الذي ستحققه المقاومة في غزة أمام هذه الهجمة النازية الشرسة سيكون نصرا تاريخيا له بعد جيوسياسي سيغيّر وجه منطقة الشرق الأوسط وسيكون محطة أساسية نحو تغيير النظام العالمي القائم حاليا.

لقد خسر رهان أمريكا على الاحتلال الإسرائيلي، وخسر رهان بايدن على نتنياهو، وخسر رهان إدارة بايدن على المتطرفين اليمينيين في الاحتلال الإسرائيلي، وما بعد ما يحصل حاليا في غزة لن يكون كما قبله، إقليميا ودوليا وعالميا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *