مقالات

الخطاب الفقهي للمخذِّلين عن الجهاد.. رؤية شرعية

د. مسعود صبري

في الوقت الذي يبذل المجاهدون في فلسطين أرواحهم وكل ما يملكون في سبيل الله تعالى ضد العدو المحتل الغاشم من الكيان الصهيوني، خرجت علينا بعض الأصوات باسم الدين والفقه، ترى حرمة ما يفعله المجاهدون، وأنهم ألقوا بأنفسهم وشعوبهم إلى التهلكة، وأنهم لم يأخذوا إذن ولي الأمر في ذلك، وأنهم يقاتلون لأجل مصلحة حزبية، وأن الاختباء في الأنفاق حرام يخالف كتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنهم أوقعوا أهل غزة في المصائب، وهم بذلك آثمون عند الله، وإنما يحاربون لأجل أهداف سياسية وحزبية لا لأجل الدين أو الدفاع عن الأوطان، وغير ذلك من الشبهات من المخذلين.

وتلك لعمري شبهات واهية، من عقول خاوية، يأسرون أنفسهم فيما حفظوه من نصوص دون أن يفهموها أو يعوا مقاصدها، أو يدركوا غاياتها، هذا مع إحسان الظن بنواياهم، وهم ينطلقون من حزبية مقيتة بدعوى محاربة الحزبية وفيها وقعوا، ولو كان المجاهدون يوالون فكرهم لما كانت هذه فتاواهم، قد بدت الخصومة في كلامهم وما تخفي قلوبهم أكبر.

وإنه لمن الخزي والعار على من ينتسبون إلى العلم والفقه أن يتقيؤوا تلك الترهات في أوقات الأزمات، وبدلاً من أن يكونوا عوناً للمجاهدين في سبيل الله، كانوا مشوشين عليهم دون التعرض الواضح للكيان الصهيوني، أو الحديث عن وجوب تحرير الأوطان عند الاحتلال، وكأنهم يقولون بلسان الحال: العدو أكبر منكم، فاقبلوا حكمهم، والزموا حدكم، وارضوا بوضعكم، وهذا لسان الجاهلين إن لم يكن لسان المنافقين.

إلقاء النفس إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله والعيش في نعيم الدنيا وزينتها

ولكنهم –في غالب الأمر- لا يخاطبون المجاهدين وأهل فلسطين بقدر ما يخاطبون من يخشون بطشهم، حتى وإن لم يطلب منهم قول شيء، لكن تراهم (يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة: 52).

إن الله تعالى أخذ العهد على أهل العلم أن يقولوا الحق وألا يخافوا في الله لومة لائم، وألا يكتموا الحق في مثل هذه المواقف التي تزلّ فيها الأقدام، كما قال تعالى: (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران: 187).

أما التأصيل الشرعي لتلك الشبهات فهي كالآتي:

جهاد الصهاينة تعرض للتهلكة:

من خطاب التخذيل والمخذلين أنهم يرون أن ما قام به المجاهدون في سبيل الله بغزة من جهاد العدو الصهيوني، في 7 أكتوبر 2023م، أنه إلقاء للنفس في التهلكة، وتعرض الناس للقتل والتدمير، وهذا الفهم السطحي الخاطئ ليس وليد اليوم، بل وليد الأمس، وقد حصل زمن الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري حين خرج للجهاد في سبيل الله لفتح القسطنطينية وهو جهاد طلب الذي هو أقل رتبة من جهاد الدفع.

وفي هذا المعنى، أخرج الترمذي، وأبو داود واللفظ له، عن أسلم أبي عمران قال: «غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبدالرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه! لا إله إلا الله يلقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: إنما أنزلت هذه الآية فينا -معشر الأنصار- لما نصر الله نبيه، وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله عز وجل: (وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: 195)، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية»، وفي رواية الترمذي: «فحمل رجل من المسلمين على صف الروم، حتى دخل فيهم، فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله! يلقي بيديه إلى التهلكة؟!».

الفقهاء: في «جهاد الدفع» يخرج كل أحد قدر استطاعته ولا يشترط فيه القدرة ولا التكافؤ

وقد كانت هناك ثلاث محاولات في الدولة الأموية وحدها لفتح القسطنطينية؛ أولها في عهد الصحابي معاوية بن أبي سفيان، وكانت بقيادة يزيد بن معاوية عام 668م، وكان معه مائة ألف مجاهد، واستمر الحصار مدة عام، والثانية في زمن الخليفة سليمان بن عبدالملك عام 716م، بقيادة مسلمة بن عبدالملك، وكان معه مائتا ألف مجاهد، واستمر الحصار مدة عامين، والثالثة زمن عمر بن عبدالعزيز بقيادة أبي أيوب الأنصاري عام 718م، وكان معه ثمانون ألف مجاهد وبقي الحصار عاماً.

ورغم تلك المحاولات التي كان الحصار فيها ما بين عام وعامين، وتلك الأعداد التي خرجت في المرات الثلاث كانت 380 ألف مجاهد، وكلها باءت بالفشل، واستشهد فيها آلاف من المجاهدين، لكننا لم نسمع زمن معاوية، أو زمن سليمان بن عبدالملك، أو زمن عمر بن عبدالعزيز، أحداً من الفقهاء أو العلماء ولم يكونوا يخافون في الله لومة لائم، من قال للخلفاء: هذا إلقاء للنفس في التهلكة، بل حديث أبي أيوب الأنصاري الذي يحكي اقتحام شخص واحد من المجاهدين وألقى بنفسه في صفوف العدو وهو مقتول لا محالة، وظن الناس أنه ألقى بنفسه إلى التهلكة فصوّب لهم الصحابي أبو أيوب فهمهم الخاطئ، وأبان أن التهلكة هي ترك الجهاد في سبيل الله، وأن جهاد العدو المغتصب هو حفظ للنفس من التهلكة؛ لأن تسلطه يعني مزيداً من القتلى والجرحى والاعتقالات والهدم والتدمير.

إن أولئك المجاهدين من زمن معاوية إلى زمن عمر بن عبدالعزيز يعني ما بين الصحابة والتابعين لم تحتل أرضهم، ولم تنتهك أعراض نسائهم، ولم تسلب بيوتهم، وإنما كانوا يجاهدون لنشر الإسلام، وهو ما يعرف بـ«جهاد الطلب»، أما المجاهدون اليوم في فلسطين فهم يجاهدون «جهاد الدفع» عن أنفسهم ومقدساتهم، وهو فرض عين عليهم وعلى من جاورهم ثم على المسلمين جميعاً.

إن إلقاء النفس إلى التهلكة هو بترك الجهاد في سبيل الله، والعيش في نعيم الدنيا وزينتها في ظل تسلط الصهاينة والغرب المتصهين على بلاد المسلمين، وهو هلكة للنفس بتعريضها لعذاب الله تعالى، فإن لم يكن المسلمون مناصرين للمجاهدين، فلا أقل أن تسكت ألسنتهم عن الشر بإخوانهم، وإلا كانوا آثمين عند ربهم.

تأصيل «طوفان الأقصى»:

إنه مما لا يخفى على أي عاقل فضلاً عن كونه فقيهاً أن الاحتلال الصهيوني اغتصب أرض فلسطين، وهو من جهة نظر الشرع محل اتفاق، وقد اتفق الفقهاء على أن الجهاد في سبيل الله يتعين في ثلاث حالات، وهي عند التقاء الجيشين، وإذا أمر به الحاكم، وإذا نزل الكفار ببلد تعين على أهلها قتالهم، كما ذكر الفقهاء. (راجع: «المغني لابن قدامة ط مكتبة القاهرة» (9/ 197)).

إذن الإمام:

أما ما استدل به أصحاب خطاب التخذيل أن الجهاد الذي قام به المجاهدون في فلسطين يخالف أمراً شرعياً، وهو أنه بإذن الإمام، والمقصود به إذن السلطة الفلسطينية، وتحقيقاً للمناط نقول ما يلي:

مما هو معلوم أنه قد جرت انتخابات حرة نزيهة، فازت بها «حماس»، وشكلت الحكومة، وكانت لها الأغلبية في المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية، وفي الوقت نفسه كان رئيس السلطة كما هو محمود عباس، ولم تجر انتخابات لا في الرئاسة ولا في الانتخابات التشريعية، فيبقى الأمر كما هو عليه، فوجود «حماس» وجود شرعي في السلطة، وقد استقر الأمر على ذلك، فهم أولو الأمر في غزة، وهم أصحاب تقدير المصالح، فضلاً عن أنه لا يخفى على ذي لب أن السلطة في الضفة تعمل لخدمة الكيان الصهيوني، وما تقوم به من اعتقال للمجاهدين وتسليم أعداد منهم للاحتلال غير خاف على أحد، فمن هم أولو أمر المسلمين في فلسطين؛ المجاهدون المنتخبون، أم خادمو الاحتلال الصهيوني؟!

على المخذِّلين الكف عن تخذيلهم والتوبة إلى الله من التثبيط عن الجهاد وتشويه المجاهدين

على أن الرأي الشرعي كما نص عليه الفقهاء أن في مثل هذه الحالة من «جهاد الدفع» يخرج كل أحد قدر استطاعته، ولا يشترط فيه القدرة ولا التكافؤ، وإلا لم يكن لأحد من جيوش المسلمين منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم وعبر التاريخ أن يخرجوا وإلا كان تهلكة للنفس، على أننا لم نسمع ذلك من الفقهاء.

وعلى فرض صحة أنهم خالفوا الإمام –وليس الأمر كذلك- فإنه ليس بحرام، بل مكروه على ما ذهب إليه كثير من الفقهاء، جاء في «المهذب» للشيرازي (2/ 229): «ويكره الغزو من غير إذن الإمام أو الأمير من قبله؛ لأن الغزو على حسب حال الحاجة، والإمام والأمير أعرف بذلك، ولا يحرم لأنه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفس، والتغرير بالنفس يجوز في الجهاد».

وفد علل الفقهاء إذن الإمام أنه أدرى من الناس بالمصلحة، حتى لا تكون فوضى، أما في حالة المجاهدين في غزة وفلسطين فالأمر مختلف تماماً؛ لأن من يسمى ولي الأمر هو عميل للكيان الصهيوني خائن لشعبه، بل أجاز النبي صلى الله عليه وسلم الخروج بغير إذن الإمام في بعض الحالات، قال ابن قدامة: «فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير؛ ‌لأن ‌أمر ‌الحرب ‌موكول ‌إليه، ‌وهو ‌أعلم ‌بكثرة ‌العدو ‌وقلتهم، ومكامنهم وكيدهم، فينبغي أن يرجع إلى رأيه؛ لأنه أحوط للمسلمين، إلا أن يتعذر استئذانه، لمفاجأة عدوهم، فلا يجب استئذانه حينئذ؛ لأن المصلحة تتعين في قتالهم والخروج إليهم، لتعين الفساد في تركهم، ولذلك لما أغار الكفار على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم، فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجاً من المدينة، تبعهم، فقاتلهم من غير إذن، فمدحه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «خير رجالتنا سلمة بن الأكوع»، وأعطاه سهم فارس. (الشرح الكبير على المقنع ت التركي» (10/ 172)).

الجهاد مع قلة العدد:

ومما أثاره المثبطون أنه ما ينبغي للمسلمين أن يجاهدوا إذا كانوا قلة، وهذا الحكم الشرعي المذكور في كتب الفقه مبني على تقدير المصلحة، وقال بعض الفقهاء: إنه لا يفرق رجل من أمام رجلين من الكافرين، استدلالاً بقوله تعالى: (الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 66).

وهذا أقل الحد، لكن ليس بلازم أن يفر إن كانوا ضعف العدد، وإنما الأمر يخضع للظن بالنصر، فلهم أن يثبتوا مهما كانوا قلة إن ظنوا حسب التقديرات أنهم ينصرون بإذن الله، كما قال تعالى: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 249).

على أن الآية فيما إذا كان القتال رجلاً لرجل، أما وأنه يمكن لشخص أن يحارب بآلات الحرب المعاصرة كالطائرات والدبابات والصواريخ فله أن يقاتل مائة أو ألفاً أو يزيد؛ لأن الأمر لم يعد قتالاً مباشراً، ويعود تقدير ذلك إلى القائد العسكري ومن معه ممن يديرون شؤون الحرب لأجل تحرير الأوطان والجهاد في سبيل الله.

إن على أصحاب خطاب التخذيل أن يكفوا عن سوء كلامهم، وأن يتوبوا إلى الله تعالى مما يقولونه من تثبيط الناس عن الجهاد وتشويه صورة المجاهدين، لأنه عداوة للجهاد والمسلمين وإيذاء لهم، وقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) (الأحزاب: 58)، فكيف بمن يؤذي المجاهدين ويسكت عن الكافرين، فيا ويح الغافلين والجاهلين والحاقدين، وليحذر الذين يخذلون المجاهدين سوء العاقبة في الدنيا والحساب في الآخرة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *