أخبار عربية ودولية

العلاقات الدبلوماسية بين الأردن وإسرائيل في مهب الريح

مارس الأردن مع إسرائيل خلال عام 2023 مختلف الأساليب الدبلوماسية، في محاولات واضحة من المملكة للحفاظ على أدوارها بالضفة الغربية المحتلة، وللحيلولة دون المساس بأمنها الوطني في ظل مخططات تل أبيب “المتصاعدة” لتصفية القضية الفلسطينية على حسابها.

فبدءاً من اقتحام وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير للمسجد الأقصى في الثالث من يناير/ كانون الثاني الماضي، ووصولاً إلى الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول، كان للأردن العديد من المواقف السياسية المتباينة، تمثلت بـ 25 إدانة لإسرائيل، واستدعاءان لسفير تل أبيب لدى المملكة.

عمّان تدرجت في دبلوماسيتها مع إسرائيل، فلجأت إلى طاولة اللقاءات والمؤتمرات، وسياسة الإدانات وأداة الاستدعاءات، إلا أن ذلك لم يفلح في ردع التجاوزات الإسرائيلية المتصاعدة، ما أنتج في محصلة الأمر أسلوباً غير مألوف في لغة الخطابات، وتجاوز غير معهود في نبرة التصريحات.

الأناضول تظهر في تقريرها أبرز محطات العلاقة بين البلدين على مدار العام، وسط توقعات بأن تلجأ عمان خلال عام 2024 إلى أساليب ربما تكون “استثنائية”، بعد أن استنفدت أدواتها الدبلوماسية مع إسرائيل، قد تصل حد قطع العلاقات وإلغاء اتفاقية السلام الموقعة بين البلدين عام 1994.

**النصف الأول من العام

في الثالث من يناير، اقتحم الوزير الإسرائيلي إيتمار بن غفير المسجد الأقصى عبر باب المغاربة في الجدار الغربي، وسط حراسة مشددة، وأجرى جولة في باحاته، ما دفع الأردن لإدانة تلك الخطوة ووصفها بـ “الاستفزازية”.

ودائرة أوقاف القدس، التابعة لوزارة الأوقاف والمقدسات والشؤون الإسلامية في الأردن، هي المشرف الرسمي على المسجد الأقصى وأوقاف القدس، بموجب القانون الدولي، الذي يعتبر الأردن آخر سلطة محلية مشرفة على تلك المقدسات قبل احتلالها من جانب إسرائيل.

مضى أسبوعان على الحادثة، لتعلن الخارجية الأردنية استدعاء سفير تل أبيب لدى عمان إيتان سوركيس، وأبلغته رسالة احتجاج شديدة اللهجة، على منع الشرطة الإسرائيلية السفير الأردني في تل أبيب غسان المجالي من دخول المسجد الأقصى، قبل أن يتمكن من دخوله بعد ساعات.

بعد أسبوع واحد، التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعاهل الأردن الملك عبد الله الثاني في العاصمة عمان، ودعاه الأخير إلى ضرورة الالتزام بالتهدئة ووقف أعمال العنف في الأراضي الفلسطينية.

في فبراير/ شباط، استضافت المملكة اجتماعا بمدينة العقبة جنوب البلاد، ليكون بمثابة أول لقاء معلن بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ توقف مفاوضات السلام عام 2014، بحضور ممثلين عن الولايات المتحدة والأردن ومصر، إلا أن تل أبيب لم تلتزم بمخرجاته.

وفي الثاني من شهر مارس / آذار، دعا وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، إلى تدمير بلدة حوارة الفلسطينية، قائلاً: “إن قرية حوارة يجب أن تُمحى، أعتقد أن على دولة إسرائيل أن تفعل ذلك لا أفراد عاديون”.

الأردن أدان تلك التصريحات ووصفها بـ “التحريضية”، معتبرا أن “الدعوات المؤججة للعنف تنذر بعواقب خطيرة، وتمثل انتهاكا للقانون الدولي الإنساني”.

وبعد أسبوعين من تصريح سموتريتش، اقتحم الجيش الإسرائيلي مدينة جنين، وقتل 4 فلسطينيين، وأصاب 23 آخرين، لتدين عمان ذلك وتدعو إلى وقف الحملات ضد الشعب الفلسطيني “بشكل فوري”.

لم يمر سوى 4 أيام، حتى عاد سموتريتش إلى الواجهة مرة أخرى، بعد استخدامه خريطة تضم حدود المملكة وفلسطين إلى إسرائيل، وإنكاره “وجود الشعب الفلسطيني”، ليصف الأردن ذلك بالموقف “العنصري الأرعن”.

واستدعت الخارجية الأردنية حينها سفير تل أبيب لديها، إيتان سوركيس، وأبلغته “رسالة احتجاجٍ شديدة اللهجة لنقلها على الفور لحكومته”.

وعلى إثر ذلك، وافق مجلس النواب الأردني (الغرفة الأولى للبرلمان) على مقترح بطرد السفير الإسرائيلي من المملكة، إلا أن ذلك لم يحدث.

وفي اليوم التالي، أدان الأردن تصديق الكنيست الإسرائيلي، بالقراءتين الثانية والثالثة على ما يعرف بـ”قانون الانفصال” الذي يسمح للمستوطنين بالعودة إلى 4 مستوطنات في الضفة الغربية أخليت عام 2005، معتبراً حينها بأنها إجراءات “تعرقل” الوصول إلى السلام.

في إبريل/ نيسان، أوقفت إسرائيل، البرلماني الأردني عماد العدوان، أثناء مروره بسيارته من أراضي المملكة إلى الضفة الغربية عبر جسر الملك حسين، وزعمت أنه حاول تهريب أسلحةً وذهبا، وبعد أسبوعين، قامت بتسليمه لسلطات بلاده، وتم رفع الحصانة عنه وجرى تحويله لمحكمة أمن الدولة.

وفي مايو/ أيار، اقتحم بن غفير المسجد الأقصى للمرة الثانية، كما قام بذلك مئات المستوطنين، بينهم وزير تطوير النقب والجليل الإسرائيلي إسحاق فاسرلاف، وأعضاء من الكنيست عن حزب “الليكود” الحاكم.

أدانت عمان وقتها الاقتحام ووصفته بأنه “تصرفات استفزازية مرفوضة”.

كما أدان الأردن، منتصف يونيو/ حزيران اعتزام الحكومة الإسرائيلية إصدار قرار يُسرّع من إجراءات بناء المستوطنات وتوسيعها في الضفة الغربية المحتلة، وعملية عسكرية في جنين، قُتل خلالها 4 فلسطينيين.

ودعا المجتمع الدولي إلى “التحرك الفوري” لوقف الإجراءات الإسرائيلية الأحادية.

** النصف الثاني من العام

في يوليو/ تموز من العام نفسه، اقتحم بن غفير المسجد الأقصى للمرة الثالثة، وتجول في باحاته برفقة مستوطنين.

جدد الأردن رفضه الاقتحام واعتبره “خطوة استفزازية وخرقا فاضحا ومرفوضا للقانون الدولي وللوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس ومقدساتها”.

وفي آغسطس/ آب، أعلن الجيش الأردني القبض على إسرائيلي بعد محاولته التسلل إلى أراضي المملكة وتحويله إلى الجهات المختصة، لكن لم يعلن بعدها عن أي تفاصيل بشأنه أو ما إن تمت إعادته إلى بلاده في حينها أم لا.

وبمناسبة ما يسمى بـ”رأس السنة العبرية”، اقتحم مئات المستوطنين في سبتمبر المسجد الأقصى؛ وحذر الأردن من “استمرار هذه الانتهاكات”، ودعا إلى ضرورة “احترام سلطة إدارة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى”.

وفي الشهر ذاته، نفذ الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية في جنين، أسفرت عن استشهاد 6 أشخاص، لتحذر عمان من عواقب التصعيد، مشددة أنه “لن يؤدي إلا إلى المزيد من التدهور والعنف”.

كما قام مئات المستوطنين بعد بضعة أيام من ذات الشهر باقتحام المسجد الأقصى، وأدوا فيه صلوات تلمودية، لتقول الخارجية الأردنية أن “هذه الانتهاكات تنذر بالمزيد من التصعيد ويمثل اتجاها خطير يجب وقفه فورا”.

لم تخل البيانات الأردنية تجاه الأوضاع بالقدس والضفة الغربية خلال العام 2023 من تحذيرات واضحة لآثارها وانعكاساتها، ليستيقظ العالم على وقع الإعلان عن عملية “طوفان الأقصى” لحركة حماس، في 7 أكتوبر، وما أعقبها من “عدوان” إسرائيلي خلف عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى في قطاع غزة.

عمان بدأت مواقفها تجاه الحرب على غزة بأسلوب تصاعدي، فبدأ بالإدانة كما بقية العالم، وانتقلت فيما بعد إلى مواقف تتسم بالحدّة، بسبب تجاهل تل أبيب لدعواتها بوقف إطلاق النار.

تطور الأمر شيئاً فشيئاً، واستجابت الحكومة الأردنية لمطالب الشارع، وقررت في الأول من نوفمبر / تشرين الثاني سحب سفيرها من تل أبيب، ورفضت عودة سفير إسرائيل إلى المملكة.

ثم قررت في 16 من الشهر ذاته وقف توقيع اتفاقية بين البلدين لمقايضة المياه بالطاقة، بعد استهداف محيط المستشُفى الميداني الأردني بالقطاع الفلسطيني وإصابة 7 من كوادره.

الأردن وبعد استهداف مستشفاه قال على لسان وزير خارجيته، أيمن الصفدي، إن إسرائيل لن تستطيع الادعاء بوجود نفق تحت مستشفى بلاده الميداني في غزة، مؤكداً بأن المملكة لن تقبل تبريراً لقصف محيط المستشفى.

ذلك التصريح يفهم ضمناً أن المملكة لا تثق بروايات إسرائيل، خاصة تجاه قصف المرافق الطبية بغزة، وحرمان مواطني القطاع من الخدمات الصحية في أصعب الظروف.

فيما اعتبر عاهل البلاد الملك عبد الله الثاني “الاعتداء” الإسرائيلي على الكوادر الطبية بالمستشفى الميداني الأردني بقطاع غزة، في اتصال هاتفي مع قائد المستشفى، بعد الاستهداف بثلاثة أيام، بأنه “جريمة بشعة”، مشددا على أنه سيتم اتخاذ “كل الإجراءات المناسبة للتعامل مع الهجوم”.

ولم تتوقف المملكة عن مواصلة إدانتها للهجمات الإسرائيلية على مخيمات قطاع غزة ومدنه ومرافقه المختلفة، واصفة “العدوان” بأشد المفردات التي تدلل على بلوغ خلافها مع إسرائيل إلى ذروته، ورفضها القاطع لما أنتجته الحرب على القطاع الفلسطيني.

ويرى مراقبون بأن علاقات عمان وتل أبيب لن تتأثر وتتأزم أكثر من صورتها الحالية؛ بحكم وجود “ضابط مشترك” لها، يتمثل بحليفتهما الولايات المتحدة الأمريكية.

فيما يعتبر آخرون أن السياسة ليس لها معايير ثابتة، وسيبقى الأمر مرهوناً في المستقبل على التطورات الميدانية، وأثرها على أمن الأردن، خاصة إذا ما استمرت إسرائيل بانتهاكاتها ودفعها بفكرة تهجير فلسطينيي الضفة إلى المملكة، وهو ما تراه الأخيرة تهديداً “وجودياً”، وسيكون بمثابة “إعلان حرب” كما وصفه مسؤولوها في تصريحات متعددة.

ومنذ 7 أكتوبر الماضي، يشن الجيش الإسرائيلي حربا مدمرة على غزة، خلّفت حتى الأحد، 20 ألفا و424 شهيدا، و54 ألفا و36 جريحا معظمهم أطفال ونساء، ودمارا هائلا في البنية التحتية وكارثة إنسانية غير مسبوقة، وفقا لسلطات القطاع والأمم المتحدة.

المصدر:”رأي اليوم”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *