مقالات

المنطقة إلى المزيد من التصعيد

ناصر قنديل

تبدو واشنطن قد حسمت أمرها لصالح خيار المواجهة مع أنصار الله. فالقرار الذي تتداوله الصحف الأميركية عن البنتاغون بشنّ غارات تستهدف مواقع أنصار الله في الحديدة وحجة، كما قالت وول ستريت جورنال، يقول إن جولة التصعيد مرشّحة لمزيد من التصعيد، حتى لو كانت الحسابات الأميركية القيام بضربات تحمل رسائل ولا تفتح باب مواجهة كبيرة، لكن اليمن عندما اتخذ قراره بمنع السفن الإسرائيلية وتلك المتّجهة الى موانئها من عبور البحر الأحمر حتى يتوقف العدوان على غزة، قد وضع في حسابه فرضيّة المواجهة مع الأساطيل الأميركية، ورسم سيناريوهات لمثل هذه المواجهة.
لا يغيّر في قرار اليمن شيئاً أن واشنطن نجحت بالحصول على قرار من مجلس الأمن الدولي لمصلحتها، رغم العتب على روسيا والصين والجزائر لامتناعها عن التصويت، بدلاً من رفض مشروع القرار، لأن كلمات مندوبي الدول الثلاث لتبرير الامتناع هي في الحقيقة مبررات كافية للتصويت ضد المشروع، طالما أن القناعة قائمة بأن ما يجري في البحر الأحمر هو مجرد نتيجة لمشكلة أخرى هي استخدام واشنطن الفيتو لمنع صدور قرار بوقف النار في غزة، ومن دون قرار يلزم كيان الاحتلال بوقف الحرب على غزة لا يمكن مطالبة أنصار الله بوقف إجراءاتهم الضاغطة لتحقيق وقف النار المنشود.
سبق وأصدر مجلس الأمن قرارات بمشاركة روسيا والصين ضد أنصار الله، ولم يؤثر ذلك في صمودهم وثباتهم وشجاعتهم. وهم اليوم يدركون أن واشنطن تأتي إلى المواجهة من موقع ضعف، فهي تفعل ذلك تضامناً مع كيان الاحتلال المنبوذ عالمياً، كما قال الرئيس الأميركي جو بايدن، وقد صار عبئاً أخلاقياً على أميركا كما قال بايدن أيضاً، وفي ظل رأي عام عالمي وأميركي خصوصاً يتهم “إسرائيل” بالوحشية والإجرام، بينما أنصار الله وحكومة اليمن والجيش اليمني فيذهبون الى إجراءات ضاغطة لفرض وقف العدوان على غزة، يترجمون إرادة دوليّة كاسحة، فشلت في امتلاك آليّة لتحقيق وقف العدوان، ويقدّم لهم اليمن الآليّة عبر محاصرة التجارة الإسرائيليّة حتى يتوقف العدوان.
صوّتت 153 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح وقف النار، وصوّت 13 عضواً في مجلس الأمن لصالح وقف النار، وبفعل الفيتو الأميركي سقط مشروع القرار في مجلس الأمن، وبفعل عدم امتلاك أدوات تنفيذيّة بقي قرار الجمعية العامة دون تنفيذ، وخرج الملايين في شوارع عشرات المدن والعواصم عبر العالم يهتفون لوقف النار، لكن النار لم تتوقف، وما فعله اليمنيّون هو أنهم جاؤوا بآلية لتحقيق هذا الهدف الإنسانيّ العالميّ، الذي وجد صوته في دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدوليّة، بحق كيان الاحتلال بجرائم الإبادة.
يذهب اليمنيون للمواجهة بهذا الزخم وهذا اليقين، ومن خلف جيشهم وشعب خرج بالملايين يفوّض القيادة اتخاذ ما يلزم للحفاظ على الكرامة الوطنية. وعندما رد اليمنيّون على استشهاد عشرة من جنودهم في زوارق اعتدى عليها الأميركيون في البحر الأحمر، اختاروا البحر الأحمر للردّ وليس القواعد الأميركية في الخليج والواقعة في مرمى نيران صواريخهم وطائراتهم المسيرة، لكن قيام واشنطن، وانضمام لندن إليها بشنّ عدوان على البر اليمنيّ، يعني إطلاق أيدي اليمنيّين لفعل المثل، وعندها سوف تكون القواعد الأميركية في المنطقة أهدافاً.
نظرية تمرير الضربة الأميركيّة دون ردّ من جانب اليمنيّين لا مكان لها، حتى لو اختار الأميركيّون أهدافاً غير حساسة، وتنبّهوا لحجم الخسائر البشريّة، لأن القضية هي في السيادة الوطنية والكرامة الوطنية وتحصين القرار الأصلي بالضغط لوقف العدوان على غزة. وهذا يعني أنه إذا تعرّض اليمن للاستهداف فإن الردّ اليمنيّ مؤكد ومن الفئة ذاتها والنوع ذاته، فهل تتحمّل واشنطن تحدياً معنوياً مماثلاً دون ردّ؟ وهذا سوف يعني الدخول في دوامة التصعيد.
ليس بعيداً دخل المستجدّ الإيرانيّ في الحضور العسكري في البحار، من بوابة استرداد ناقلة نفط سبق وقرصنتها واشنطن. والحدث بوابة تصعيد موازٍ، في لحظة تزداد صعوبة ويصعب تلطيف الأجواء فيها دون وقف العدوان على غزة، وبينما تدور حروب قاسية في غزة وعلى حدود لبنان، وسط انسداد الأفق السياسيّ، تتعرّض القواعد الأميركية في سورية والعراق لهجمات مؤلمة من قوى المقاومة، وإن تعرّض اليمن للعدوان فسوف يزداد تصعيد هذه الهجمات وتشتعل نارها أكثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *