أخبار عربية ودولية

تمرّد سياسي على الجيش: الفشل الإسرائيلي يتوالد

يرفض بعض القادة الإسرائيليين، بكثير من التعجرف والحماقة في آن، تقبّل الوقائع المريرة التي أفرزتها الحرب في قطاع غزة. فبينما يرتفع صراخ قيادة الجيش، والكثير من المراقبين والخبراء الأمنيين والعسكريين «المقدّرين» في الكيان، بضرورة وضع أهداف سياسية واضحة للحرب، مع مراحل بيّنة وجداول زمنية، وتصوّرات واقعية لـ«اليوم التالي»، ينشغل المسؤولون السياسيون المتطرّفون بالهجوم على قيادة الجيش، وشخص رئيس هيئة الأركان، هرتسي هاليفي، من داخل الجيش نفسه، ومن داخل الحكومة، وحتى في وسائل الإعلام. ويأتي هذا فيما بات جيش العدو مقتنعاً، بناءً على أسباب عمليّاتية مجرّدة، بأن العملية العسكرية قد استنفدت نفسها إلى حدّ بعيد، ولم يبقَ منها إلا القليل الذي يُتوقّع إنجازه في خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، في وسط القطاع وجنوبه.لكنّ الجيش نفسه، يرزح تحت ضغوط متعدّدة المستويات، تصعّب تطوير العملية العسكرية بناءً على معطيات الميدان، وتفرض نوعاً من المراوحة و«الروتين»، وهي وضعية قاتلة بالنسبة إلى قوات مهاجِمة في مناطق مبنيّة ومليئة بالمقاومين، كقطاع غزة، حيث ستكون عرضة دائمة لعمليات إغارة وكمائن لا تتوقّف. وأبرز الضغوط التي يتعرّض لها الجيش، يأتي من وزراء اليمين المتطرّف في الحكومة، وآخرهم الوزير في «المجلس الوزاري المصغّر»، جدعون ساعر، الذي طالب «باجتماع طارئ للمجلس لبحث استمرار الحرب على غزة وطريقة إدارتها»، معتبراً أن «تخفيض عمليات الجيش في غزّة، وتقليص القوات في ظلّ الوضع القائم، أمر خاطئ»، مشدّداً على «وجوب اتخاذ قرار فوري بزيادة الضغط العسكري على حماس». أما وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، فقد رأى أن «سحب الجيش من مراكز حماس في غزة، خطأ فادح وخطير وسيكلّفنا أرواحاً بشرية»، مشيراً إلى أن «وابل الصواريخ على نتيفوت من منطقة غادرها الجيش، يُثبت أن احتلال غزة ضروري لتحقيق الأهداف القتالية». كذلك، قال عضو «الكنيست» عن حزب «الصهيونية الدينية» المتطرّف، أوهاد تال، تعليقاً على الرشقة الصاروخية نفسها: «من كان يصدّق أن النتيجة المباشرة لتقليص قوات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة ستؤدّي إلى مثل هذا الوابل الكثيف من الصواريخ؟ يجب على مجلس الكابينت أن يجتمع فوراً، وأن يكون هناك أحد ما هناك، يجب أن يستيقظ. إذا كانت الحكومة تريد الحصول على دعم أعضاء الكنيست، فنحن بحاجة إلى رؤيتكم كمبادرين، حاسمين، منتصرين. لسوء الحظ، هذا ليس ما نراه أخيراً».
أيضاً، تتعرّض قيادة الجيش لمستوى آخر من الضغوط، حيث يعبّر جنود إسرائيليون في غزة، بدعم وتحريض من الوزراء المتطرّفين، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، عن معارضتهم لوقف الحرب، ويهاجمون قرارات المحكمة العليا، ويعارضون إدخال مواد غذائية إلى القطاع، وينتقدون خفض شدة القصف الجوي عليه، ويروّجون لعدم وجود مدنيين فيه. ورأى الباحث في العلاقات بين الجيش والمجتمع في إسرائيل في الجامعة المفتوحة، البروفيسور يغيل ليفي، في صحيفة «هآرتس» أمس، أن «هؤلاء ليسوا مجرّد جنود يعبّرون عن مشاعرهم. فالضباط في ميدان القتال يتعاونون معهم، ويبثّون رسائل انتقام». وأشار ليفي إلى «توقيع 90 قائد كتيبة في قوات الاحتياط على عريضة تطالب هليفي بعدم وقف الحرب في غزة والضفة ولبنان». ولفت إلى أن «هذا تحدٍّ غير مسبوق من جانب ضباط في الاحتياط، لما يصفونه بأنه توجّه كابح من جانب المستوى السياسي». وأضاف أن «هذا ليس مجرّد خطاب، وإنما هو ينعكس ميدانياً». وأضاف أن «هذا مسعىً من أجل إعادة بلورة صورة الجيش من خلال هبّة في القواعد، ودعم من قيادة اليمين، وتمّ التعبير عنه بالتنديد برئيس أركان الجيش، عندما تجرّأ على تعليق خدمة جنود دنّسوا مسجداً في جنين». ووفقاً لليفي، فإن «الأمر المُقلق، هو انهيار الهرمية العسكرية. فهيئة الأركان العامة تسمع الأصوات التي تدعو إلى الانتقام، وترى خروقات الطاعة، والتعامل المستهتر مع تعليمات إطلاق النار، ولا تكاد تفعل شيئاً. لقد سيطر عليها الرعب اليميني».

يمارس اليمينيون المتطرفون ضغوطاً على قيادة جيش العدو من داخل الجيش والحكومة


على أنه لولا فشل الجيش في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، وتعثّره في الميدان، لما كان لهذه الأصوات أن تتعالى، من كلا الطرفين. ومع مرور الأيام، يتّضح مدى الفشل الإسرائيلي، وخصوصاً على مستوى الاستخبارات، إذ نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، أن «نطاق وعمق وجودة الأنفاق التي بنتها حماس في قطاع غزة، أذهلتنا»، مشيرين إلى أن «المواد التي استخدمتها حماس في بناء الأنفاق فاجأت إسرائيل». وبحسب الصحيفة، فإنه «في شهر ديسمبر/كانون الأول، قدّر الجيش الإسرائيلي أن طول أنفاق حماس يصل إلى 400 كيلومتر، لكن الآن يقدّر كبار المسؤولين العسكريين أن طولها أكبر بكثير، ويراوح بين 560 و720 كيلومتراً (…) إضافة إلى نحو 5700 فتحة منفصلة تؤدّي إلى الأنفاق في غزة».
في غضون ذلك، أشار رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إلى أن «دولاً كثيرة لا تؤمن بجدوى إعادة الإعمار مع التصعيد كل فترة وجيزة في غزة»، معتبراً أن «لا وصفة سحرية للعودة إلى ما قبل 7 أكتوبر من دون معالجة حقيقية لحل الدولتين». ولفت المسؤول القطري إلى أن «العرب طرحوا حلولاً ومبادرات، والإسرائيليون رفضوها، ويجب عدم ترك ذلك دون حلّ»، مضيفاً أنه «يجب معالجة كيفية إنهاء الحرب سريعاً وإطلاق الرهائن والسجناء الفلسطينيين»، مؤكداً أن «عدم إعطاء الفلسطينيين دولتهم وإبدال ذلك بالتطبيع لا يحلان الأمر». وفي ملف الأسرى، أعلن الناطق باسم مجلس الأمن القومي، جون كيربي، أمس، أن الولايات المتحدة «متفائلة» بشأن المباحثات التي تجرى بوساطة قطرية للتوصل إلى اتفاق جديد بين إسرائيل و«حماس» للإفراج عن أسرى محتجزين في قطاع غزة. وأوضح خلال مؤتمر صحافي: «لا أريد أن أقول الكثير بما أن لدينا مباحثات، وكلّنا أمل بأن تؤتي ثمارها قريباً».

المصدر:”الأخبار”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *