مقالات

أكتب لكُم كلاجِئٍ يدين لوكالة “الأونروا” بالفضل في تعليمه وتطبيبه وبقائه بعد الله عن الأسباب الحقيقيّة للحملة الأمريكيّة الإسرائيليّة لإغلاقها وتجويع مِليونين من أهلنا في قطاع غزة

عبد الباري عطوان

قبل أن أخوض في موضوع هذه المقالة التي تتناول “التوحّش” السّادي اللّاإنساني الذي تقوده الولايات المتحدة وبعض أتباعها في الغرب ضدّ وكالة غوث وتشغيل اللّاجئين الفِلسطينيين “الأونروا” بناءً على اتّهاماتٍ إسرائيليّةٍ مُسيّسَةٍ، أُسجّل هُنا أنّ الفضل في تعليمي وتطبيبي، وبقائي وأُسرتي المُكوّنة من 13 شخصًا، بعد الله، يعود بالدّرجة الأولى إلى هذه الوكالة، وهُناك الملايين مِثلي في مُخيّمات الشّتات، ومُختلف المنافي في العالم، ولذلك ندين لها بالعرفان وحفظ الجميل، رُغم بعض التحفّظات.

إسرائيل تشنّ حرب إبادة بدأت بالقصف الجوّي والأرضي والبحري، وتطوّرت إلى تدمير كُل أُسس الحياة الأساسيّة الأوّليّة لأبناء القِطاع، بفرض التّهجير والمجاعة بالقُوّة، والقصف والمجازر، ومنع وصول أيّ من المُساعدات الغذائيّة والطبيّة، وتدمير مُعظم المُستشفيات والمدارس ومصادر المياه والكهرباء والوقود، وحتّى المخابز.

عشر دول بقيادة الولايات المتحدة زعيمة “العالم الحُر” والديمقراطيّة وقيم حُقوق الإنسان، أعلنت وقف جميع مُساعداتها اليوم لوكالة الغوث لاتّهام “إسرائيل” لـ12 من مُوظّفيها بالانخِراط في أعمالِ المُقاومة وهُجوم “حماس” يوم 7 تشرين أوّل (أكتوبر) على مُستوطنات غلاف غزة ودُونَ التحقّق أو تقديم أيّ أدلّة مُوثّقة، ورُغم إقدام إدارة الوكالة على فصلهم جميعًا في خطوةٍ مُتسرّعةٍ لتجنّب وفاة مِليونين من أبناء القطاع جُوعًا.

أعيش في الغرب مُنذ 40 عامًا بعد حُصولي على عقد عمل من مُؤسّسةٍ إعلاميّةٍ عربيّةٍ، أيّ لم أحضُر إلى لندن كلاجِئٍ سياسيّ، واستمرّيت بدفع الضّرائب الضّخمة مُنذ اليوم الأوّل حتّى الآن، رُغم أنّني تجاوزت سنّ التّقاعد رسميًّا، وكانت التّهمة الأكبر التي أواجهها كعربي ومُسلم أنّنا مُتسرّعون في اتّخاذ القرارات، وغير عقلانيين، ولا نُؤمن بفضيلة التحقّق، والتأكّد، قبل اتّخاذ القرار، في تناقضٍ كاملٍ مع القيم الغربيّة المُتأنّية، سواءً في بلادنا الأصليّة، أو التي نعيش فيها.

اليوم هذا العالم العقلاني، أو مُعظمه، يَنقُضُ كُل هذه المعايير الأخلاقيّة والقيميّة بقيادة الولايات المتحدة، ويُوقف المُساعدات الماليّة عن وكالة غوث اللّاجئين الفِلسطينيين دُونَ أجراء أيّ تحقيقاتٍ من قبل لجانٍ مُحايدة، بفحص المزاعم الإسرائيليّة والتصرّف وفق قرارات اللّجنة.

عدد المُوظّفين الذين تتّهمهم إسرائيل بكسر قوانين الحياديُة والانخِراط في المُقاومة، لا يزيد عن 12 مُوظّفًا، فصلتهم منظّمة الأونروا فورًا، من مجموع 30 ألف مُوظّف، فأينَ هُو القانون الغربي، أو الحجري، الذي يُبَرّر هذا الظّلم، ويفرض العِقاب الجماعي على 30 ألف مُوظّفٍ بريءٍ يا سادة الحُريّة وحُقوق الإنسان؟ والأخطر من ذلك تجويع مِليونيّ إنسان مُشرّد عادَ إلى الحياة في الخِيام قهرًا، وفي الشّوارع للمرّة الثّانية، أو الثّالثة، وجرى اغتِيال 27 ألفًا من أبنائه وإصابة 70 ألفًا آخَرين، وتدمير 86 بالمِئة من منازلهم.

دولة الاحتِلال استخدمت الإرث النّازي وأساليبه مُنذ اليوم الأوّل لشنّها حرب الإبادة في غزة، بتوجيهِ الاتّهامات “المُفبركة” ضدّ وكالة الغوث، وكُل منظّمات الأمم المتحدة وأمينها العام لتبرير قصفها للمدارس والمُستشفيات وإغلاق الحُدود ومنْع دُخول المُساعدات الإنسانيّة والطبيّة، التي تأوي عشرات الآلاف من النّازحين، وتُوفّر لهُم الحدّ الأدنى من الحِماية، اعتِقادًا منهم أن هذا العدوّ سيلتزم بقوانين الحُروب وأخلاقيّاتهما بعدم قصفها، ولكنّه كان اعتقادًا ساذجًا وخاطئًا للأسَف، فالعالم الغربيّ بزعامة أمريكا يضع هذه “الدّولة” المارقة فوقَ كُلّ القوانين الأرضيّة والإلهيّة.

نسأل الأمريكان حُرّاس القيم الإنسانيّة ومعهم كُل أذنابهم في فرنسا وألمانيا وبريطانيا والنمسا وكندا وأستراليا واليابان وإيطاليا وفنلندا وهولندا الذين أوقفوا مُساعداتهم لوكالة الغوث، ماذا فعلوا عندما أدان تقرير القاضي غولدستون اليهودي الجنوب إفريقي إسرائيل بارتكِاب جرائم حرب، وجرائم ضدّ الإنسانيّة، هل أوقفتم مُساعداتكم الماليّة والتكنولوجيّة والعسكريّة لها، وهل سحبتم دِبلوماسيًّا واحِدًا ولو من الدّرجة العاشرة، من سفاراتكم فيها، احتجاجًا، وتضامُنًا مع ضحاياها الأبرياء العُزّل في قطاع غزة؟

وكالة “الأونروا” قالت اليوم الاثنين إنّها لن تكون قادرة على مُواصلة عمليّاتها في تقديم الغوث والطّبابة والتّعليم في قطاع غزة مع نهاية شهر شباط (فبراير) المُقبل، وهذا يعني وفاة عشرات الآلاف جُوعًا ومرضًا، وبطالة 30 ألفًا من مُوظّفيها، وخاصَّةً من الأطفال والعجزة وكِبار السّن، فكيف سيكون وقع هذا الإعلان على قُلوب بايدن وماكرون وكُل قادة الدّول التي خضعت للأوامر الأمريكيّة والإسرائيليّة وأوقفت المُساعدات؟ من المُؤكّد أن الوقع جاءَ بردًا وسلامًا وسعادةً غامرة لأنّ هؤلاء ليس لديهم ذرّة من الإنسانيّة، والرّحمة والتّعاطف مع المظلومين.

من يُوقف مُساعداته لوكالة الغوث سيكون شريكًا في حرب الإبادة جنبًا إلى جنبٍ مع نِتنياهو وكُل مُؤيّديه داخِل دولة الاحتِلال وخارجها، ولن يهربوا من العِقاب إلى الأبد، سواءً في الأرض أو في السّماء عندما يُواجهون خالقهم.

ختامًا نقولُ شُكرًا لكُلّ الدّول في الغرب التي رفضت الرّضوخ للابتِزاز الإسرائيلي، مِثل سويسرا وإسبانيا والنرويج واليونان، وأعلنت استِمرارها في تقديم المُساعدات لوكالة غوث اللّاجئين، فما زالَ هُناك عُقلاء في هذا العالم المنكوب بهذه الهيمنة الأمريكيّة على شُؤونه خدمةً لمجازر حرب الإبادة والتّطهير العِرقي الإسرائيليّة في القِطاع المنكوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *