مقالات

لماذا نُحذّر المُقاومة في غزة من السّقوط في مصيدة باريس الرباعيّة التي أعدّتها المُخابرات الأمريكيّة تحت عُنوان هدنة مُؤقّتة؟ وكيف أدّت هجمات أذرع محور المُقاومة على السّفن والقواعد الأمريكيّة والإسرائيليّة في البحر الأحمر والعِراق والأردن وجنوب لبنان لحالةِ الهلع التي تسود واشنطن خوفًا من توسّع حرب غزة؟

عبد الباري عطوان

يُمكن القول، ودون أي تردّد، بأنّ الاتّفاق الذي تمخّض عنه اللّقاء الاستخباري الرباعي (أمريكا، مصر، قطر، إسرائيل) الذي انعقد يوم الأحد في باريس ولد ميتًا، وفُرصه في النّجاح قد تكون معدومة كُلّيًّا، لأنّه يُشكّل فخًّا لإحباط ولإجهاض الانتصار الفلسطيني التاريخي باجتياح مُستوطنات غلاف قطاع غزة في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وقتل، وإصابة، وأسر آلاف الإسرائيليين، وفضح زيف أسطورة الجيش الذي لا يُهزم.

الإدارة الأمريكيّة التي دعت لعقد هذا الاجتماع ورعته تعيشُ حالةً من القلق والرعب بسبب توسّع دائرة الحرب، وتعرّض قوّاتها، وقواعدها، وسُفنها في اليمن والعراق وسورية إلى هجمات قاتلة بالصواريخ والمُسيّرات، قد تتطوّر إلى حربٍ إقليميّة، ولهذا تُسارع بالضّغط على دولة الاحتلال، وحُلفائها في مِصر وقطر للتوصّل إلى اتفاقٍ سريع لوقف إطلاق النّار في القطاع يُؤدّي إلى التهدئة ويحول دون توسّع الحرب، لأن جميع أذرع المُقاومة الإسلاميّة التي تخوض حرب استنزاف لدولة الاحتلال (حزب الله) أو تُهاجم سُفنها وتُغلق البحر الأحمر في وجه السّفن الإسرائيليّة أو المُحمّلة ببضائع إليها (اليمن)، أو تكثف قصفها للقواعد الأمريكية في الأردن، والعراق، وسورية (المُقاومة الإسلاميّة العراقيّة) تشترط جميعها وقف حرب الإبادة في قطاع غزة، ودُخول المُساعدات، والتوصّل إلى حلٍّ سياسيٍّ جدّيٍّ للقضيّة الفلسطينيّة، قبل أيّ وقفٍ لهجماتها.

عندما نصف اتفاق باريس بأنّه مصيدة لإجهاض انتصار المُقاومة في قطاع غزة، فإنّنا لا نُبالغ ونستند في ذلك إلى بنود اتفاق الهدنة التي يُمكن تلخيصها في عدّة نقاط أبرزها إعلان هدنة لمُدّة ستّة أسابيع مُقابل الإفراج عن 35 أسيرًا إسرائيليًّا مُعظمهم من الجِنرالات والجُنود والمُجنّدات، وتحرير عدّة آلاف من الأسرى الفلسطينيين وفق مُعادلة 100 إلى 200 أسير فِلسطيني مُقابل كُل أسير إسرائيلي.

هذا الاتّفاق لا يتضمّن أي إشارة بوقف دائمٍ للعُدوان الإسرائيلي، والإفراج عن جميع الأسرى الفلسطينيين (8860) وإعادة إعمار قطاع غزة، وتعويض أسر الضحايا، ولا أي ضمانات أخرى بعدم تكرار الهجوم الإسرائيلي على القطاع مجددًا وارتكاب حرب إبادة بعد تطبيق الاتفاق، وقد أكد نتنياهو جميع هذه الحقائق في أحدث تصريحاته التي قال فيها “إن الجيش لن يخرج من القطاع، ولن يتم الإفراج عن آلاف الأسرى، ولن نُنهي هذه الحرب حتى نحقق جميع أهدافها، أي القضاء على “حماس”، وعودة جميع الأسرى الإسرائيليين، والتأكّد من أن قطاع غزة لن يُشكّل تهديدًا لإسرائيل في المُستقبل”، بينما كشف يؤاف غالانت وزير الحرب اليوم في تصريحات للإعلام “أن إسرائيل ستحتفظ بالسّيطرة العسكريّة (وليس المدنيّة فقط) على القطاع بعد نهاية الحرب”.

السيّد زياد النخالة أمين عام حركة الجهاد الإسلامي أظهر الكثير من الوعي بأهداف هذه المصيدة الأمريكيّة الإعداد عندما أصدر بيانًا اليوم مُذيّلًا باسمه يقول “لن ننخرط في أي تفاهمات دون أن نضمن وقفًا شاملًا للعُدوان على غزة وانسحابًا كاملًا لقوات الاحتلال، وضمان إعادة الإعمار، وحلًّا سياسيًّا جديًّا يضمن الحُقوق المشروعة للشعب الفلسطيني”، وهذه الشّروط هي نفسها التي تتمسّك بها بشدّة قيادة حركة “حماس” في قطاع غزة بزعامة السيّد يحيى السنوار، وفريق مُساعديه وجِنرالاته في كتائب القسّام، والخارج.

التصريحات المُفاجئة التي أطلقها اليوم ديفيد كاميرون وزير خارجيّة بريطانيا وقال فيها إن حكومته تدرس الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة في الضفة وغزة، وأن المستوطنات غير قانونيّة، ولا بد من دخول المزيد من المساعدات الإنسانيّة إلى القطاع، تصب في إطار المصيدة المُعدّة للمُقاومة الفلسطينيّة، وتُقدّم إنقاذًا لأمريكا وسُفنها وقواعدها، وإجهاض أي مُحاولة لتوسيع الحرب، وتُذكّرنا بتجارب مُماثلة للعُقوق الغربي عن الالتزام بأي تعهّدات مُماثلة، وتبخّرها فور الإكمال على إجهاض الانتفاضة الفلسطينيّة المُسلّحة الثانية عام 2000، والشّيء نفسه يُقال عن أكثر من 65 قرارًا دوليًّا يُطالب بانسِحاب القوّات الإسرائيليّة من الأراضي العربيّة، وحقّ تقرير المصير والعودة للّاجئين الفِلسطينيين.

أمريكا التي احتضنت الاجتماع الرباعي الأخير في باريس، وصاغت اتفاق الهدنة المُؤقّتة، هي التي أوحت لوزير الخارجيّة البريطاني بإطلاق هذه التصريحات “لتخدير” المُقاومة الفِلسطينيّة وإنقاذ دولة الاحتلال من أزماتها الأمنيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، والخسائر الضّخمة التي تُعانيها قوّاتها في غزة جنوبًا والجليل الأعلى شِمالًا، في حرب الاستِنزاف التي تشنّها المُقاومة الإسلاميّة اللبنانيّة (حزب الله).

نصيحتنا للمُقاومة الفلسطينيّة وقيادتها رفض هذا الاتّفاق، والإصرار على التمسّك بمواقفها بوقفٍ جدّيٍّ لإطلاق النّار، وانسِحاب بلا عودة لجميع القوّات الإسرائيليّة، واضافة بُنود مُهمّة أُخرى مثل إعادة الإعمار، ودفع “إسرائيل” التّعويضات لأهالي الشّهداء والمُتضرّرين من العُدوان، وعدم الرّضوخ للوسطاء العرب وضُغوطهم، وكُل ما يحملونه من مشاريع اتّفاقات، لأنّ هؤلاء مدفوعون بإملاءاتٍ أمريكيّة، ويُقدّمون مصالح واشنطن والعلاقة معها على أي مطالب مشروعة للمُقاومة، أي أنهم  سُعاة بريد لا اكثر.

فعندما يعقد تحالف الليكود، وبمُشاركة وزراء في حُكومة نتنياهو مِثل بن غفير وسموتريتش، مُؤتمرًا في القدس المُحتلّة أبرز أجنداته إعادة الاستيطان والمُستوطنين إلى قطاع غزة، فإنّ الكتابة واضحةٌ على الحائط، ومُؤامرة ما بعد تدمير المُقاومة، واكتمال عودة الأسرى، تتبلور أركانها الرئيسيّة.

نثق بقيادة المُقاومة الفلسطينيّة في قطاع غزة التي خطّطت ونفّذت أعظم انتصار فلسطيني مُنذ قيام دولة الاحتلال قبل 75 عامًا، من حيث رفض جميع هذه الاتّفاقات المسمومة، والوعي بأهداف من يُحاولون تسويقها، وعدم السّقوط في المصيدة الأمريكية المُحكمة الإعداد، لإنقاذ نفسها ودولة الاحتلال من الأزمات المُتفاقمة التي تُواجهها.

فعندما يَجبُن الرئيس بايدن عن الرّد على الهُجوم على قاعدته في الأردن ومقتل ثلاثة من جُنوده وإصابة 34 آخَرين بحُجّة أنه لا يُريد توسيع الحرب، فهذا يُبشّر بهزيمةٍ مُذلّةٍ له ولدولته، وانتصار كبير قادم لمحور المُقاومة.. والأيّام بيننا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *