مقالات

لماذا نتمنّى هذه الأيّام لو أنّ لولا دا سيلفا زعيم عربي وقطاع غزة مُجاور للبرازيل وجنوب إفريقيا؟

عبد الباري عطوان

لن ننسى كعرب ومُسلمين مواقف الشّرفاء الشّجعان الذين كسَروا حاجز الصّمت، ووقفوا في وجه المجازر الإسرائيليّة الأمريكيّة، وعلى رأسهم الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا الذي لم يتردّد لحظةً اليوم في اتّهام دولة الاحتِلال الإسرائيلي بارتكاب مجازر إبادة جماعيّة بحقّ أهلنا في قطاع غزة، ومُشَبِّهًا ما تقوم به من قتلٍ وتطهيرٍ عرقيٍّ بالمحرقة النازيّة لليهود إبّان الحرب العالميّة الثانية، وذهب هذا القائد الشّريف المِقدام، إلى ما هو أبعد من ذلك عندما قال في مُؤتمرٍ صحافيّ إمام كُل كاميرات العالم على هامِش حُضوره القمّة الإفريقيّة في أديس ابابا “إن ما حصل في قطاع غزة ليس له مثيلٌ في التاريخ  إلّا حين قرّر أدولف هتلر قتل اليهود في ألمانيا”، وأعلن أن بلاده ستزيد من مُساعداتها لوكالة غوث وتوظيف اللّاجئين الفِلسطينيين (أونروا).

لم يجرؤ أيّ زعيمٍ عربيّ، حتّى كتابة هذه السّطور، توجيه مِثل هذه الاتّهامات الصّريحة والمُوثّقة لدولة الاحتلال، ونجزم مُسبَقًا، أنّنا لم نسمع مثلها بعد مُرور 135 يومًا على بدئها، لأن جميع هؤلاء “مضبوعين” من أمريكا ودولة الاحتِلال، والاستثناء الوحيد والعملي جاء من الأشقّاء في اليمن وقيادتهم الذين جعلوا أفعالهم، وقصفهم للسّفن الحربيّة الأمريكيّة في البحر الأحمر، وباب المندب، هي التي تتحدّث وتتضامن باسمهم مع أهلهم في قطاع غزة.

جنوب إفريقيا هي التي تذهب إلى محكمة العدل في لاهاي حاملةً لمِلف الإبادة الإسرائيليّة في القطاع، والاتّحاد الإفريقي الذي تتزعّمه يطرد دولة الاحتلال من اجتِماعاته، ويُلغي عُضويّتها الشرفيّة في المنظومة، وتُسارع دول أمريكيّة لاتينيّة مِثل بوليفيا وكولومبيا وشيلي والمكسيك بطرد السّفراء وإغلاق السّفارات الإسرائيليّة فيها.

أشقّاؤنا العرب في المُقابل لم يتجرّأوا على طرد سفير، أو إغلاق سفارة، بل هرع بعضهم إلى إقامة جسر برّي يمتدّ من الإمارات حتّى حيفا مُرورًا بالسعوديّة والأردن لتوفير الأغذية الطّازجة للقتلة الصّهاينة بعد إغلاق الصّواريخ اليمنيّة للبحر الأحمر في وجه السّفن الإسرائيليّة وغير الإسرائيليّة التي كانت تقوم بهذه المهمّة، بينما أطفال القطاع يستشهدون جُوعًا، ولا يجدون لقمة خبز أو عُلبة حليب واحدة.

تصريحات السيّد سامح شكري وزير خارجيّة مِصر التي أدلى بها ردًّا على سُؤالٍ وجّهته إليه تسيبي ليفني وزيرة الخارجيّة الإسرائيليّة السّابقة حول الحرب في غزة أثناء مُشاركته في مُؤتمر ميونخ للأمن، وهاجم فيها حركة المُقاومة “حماس”،  التي قال إنها خارج الإجماع الفِلسطيني، لأنّها ترفض التخلّي عن العُنف، ويجب مُحاسبة من قام بدعمها، وتعزيز قوّتها للسّيطرة على القطاع، هذه التّصريحات الصّادمة تُؤكّد بشَكلٍ مُباشر الاتّهامات الأمريكيّة والإسرائيليّة للسّلطات المِصريّة بإغلاق معبر رفح في وجه أكثر من ألفيّ شاحنة تقف في طابورٍ يمتدّ من العريش حتّى المعبر (40 كم).

السيّد شكري لم يُوجّه كلمة انتقادٍ واحدة لدولة الاحتِلال وحرب الإبادة التي تشنّها ضدّ أهلنا في قطاع غزة، مُستَغِلًّا وجوده في هذا المُلتقى العالمي الشّهير، وهاجم “حماس” والدّاعمين لها، التي تُقاتل لاستِرداد حُقوق عربيّة مشروعة، وحماية مُقدّسات إسلاميّة، وتُحقّق انتِصارات غير مسبوقة على دولة مارقة، وصمدت لأكثر 135 يومًا، وهو ما لم يحدث في جميع الحُروب العربيّة والإسلاميّة، ربّما مُنذ قُرون.

رِهاننا ليس على السيّد شكري، وإنّما على بائع البُرتقال المِصري الفقير الشّهم، الذي أفرغ مُعظم حُمولة عربته، وقذفها في الشّاحنات التي علم أنها تحمل الطّعام إلى القطاع المُحاصَر المُجوّع، وكُلّنا ثقة أنه يُمثّل شعبًا مِصريًّا وطنيًّا عظيمًا، لن يتردّد مَرّةً أُخرى، في تقديم مِئات الآلاف من الشّهداء دِفاعًا وتضامنًا مع أشقّائه المُحاصَرين والمُجَوَّعين حتّى الشّهادة في قطاع غزة.

التقيت لولا دا سيلفا الرئيس البرازيلي مرّتين، وعندما دُعيت لإلقاء مُحاضرة في معرض كتاب في رصيفة شمال شرق البرازيل المِنطقة الأكثر فقرًا في البلاد، ووجدته في قمّة التّواضع.

اللّقاء الأوّل كانَ في الدوحة على هامش مُؤتمر انعقد فيها وتحدّث عن فِلسطين، ومأساتها كأنّها بلده، وهذا لم يُفاجئني من شخصٍ وُلِدَ لأبوين أُمّيين ويتفاخر بعمله كماسحِ أحذية، وكبائعٍ مُتجوّلٍ في طُفولته، وعاش في منزلٍ ليس فيه جهاز تلفزيون، أو هاتف، أو ثلّاجة، ووصل إلى الرّئاسة ثلاث مرّات رُغمًا عن المُؤامرات الأمريكيّة للإطاحة به أوّلًا، ومنعه من الفوز بكُلّ الطّرق ثانيًا.

شُكرًا للسيّد لولا دا سيلفا، وكُلّ الشّرفاء في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللّاتينيّة وأوروبا وإيرلندا وأسكتلندا، ومُختلف أنحاء العالم، الذين وقفوا ويقفون في وجه حرب الإبادة هذه، ولم تُرهبهم البلطجة الأمريكيّة، والابتِزاز الصّهيوني، أمّا المُتواطئون العرب مع الاحتِلال ومجازره، سواءً تحت الطّاولة أو فوقها، فأيّام حِسابهم قادمة بإذنِ اللهِ تعالى الذي يُمهِل ولا يُهمِل.. والأيّام بيننا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *