أخبار عربية ودولية

وصفة واشنطن لإنهاء الحرب: أعطونا «انتصاراً»!

ولد مخطّط الولايات المتحدة لإنهاء الحرب على قطاع غزة، ميتاً؛ ذلك أنه بدا أقرب إلى محاولة بائسة تعبّر عن فقدان الأدوات التي جرى استهلاكها جميعها في حربٍ عجز الجيش الإسرائيلي، على رغم دعم الآلتَين العسكرية والسياسية الأميركيّتَين، عن تحقيق أهدافه. وقد ظهر أنه أشبه بمطالبة مَن أَفشل الخيار العسكري الإسرائيلي – الأميركي، وصمد في وجه همجيّته، بأن يعطي الفاشل بالسياسة ما عجز الأخير عن كسبه في ميدان المعركة. والجدير ذكره، هنا، أن فشل الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين في قطاع غزة يُعدّ فشلاً أميركيّاً أيضاً، إن لم يكن فشل الولايات المتحدة أكبر. فمطلب إزالة حكم «حماس» والحركة نفسها، مثّل مطلب واشنطن وهدفها الأعلى، الذي بنت عليه استراتيجيتها لـ«اليوم التالي» في غزة والإقليم، وصاغت على أساسه مع أتباعها الإقليميين الخطوط العامّة لمرحلة ما بعد الحرب، وكأن أهداف القتال ستتحقّق لا محالة، وهو ما عبّر عنه كبار المسؤولين الأميركيين، وفي مقدّمهم رئيسها جو بايدن.وكان التباين الابتدائي بين الشريكَين الأميركي والإسرائيلي قد تمحور أولاً حول ضرورة الامتناع ما أمكن – لزوم الصورة والعلاقات العامة -، عن قتل أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين، كون ذلك يضرّ بصورة الإدارة الأميركية ورئيسها، في حين أن الإمعان في القتل مثّل هدفاً إسرائيليّاً لذاته، ليس بدافع الانتقام من الطرف الآخر فحسب، بل لدفع حركة «حماس» إلى الاستسلام، ولإعادة تثبيت الردع الذي تهشّم في السابع من أكتوبر. أما التباين التالي، فقد سُجّل بعد أسابيع طويلة على بدء الحرب، وبعدما لمست إدارة بايدن أن هدف إزالة «حماس»، أو إزالة حكمها، ليس قابلاً للتحقّق، ما دفعها إلى طلب مواءمة العمل العسكري الميداني مع ما يمكن أن يتشكّل لاحقاً في غزة، بترجيح عدم إمكانية «سحق حماس».

لم تدفع التباينات بين الجانبَين الإدارة الأميركية إلى الضغط على إسرائيل لتنهي الحرب


لكنّ هذين التباينَين، لم يدفعا الإدارة الأميركية إلى الضغط على إسرائيل لتنهي الحرب، بل هي أصرّت على مواصلة دعمها وتأمين المعونة العسكرية والاستخبارية والسياسية للكيان، وخصوصاً أن عجز الخيار العسكري عن تحقيق هدف سحق «حماس» لم يلغِ «ضرورة كسر» الحركة، وفقاً للمصلحة الأميركية. وعلى هذه الخلفية، جاء المخطّط الأميركي لإنهاء الحرب، وفق الآتي:
– أولاً، إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين من قِبل فصائل المقاومة، في مقابل هدنة تمتدّ على عدّة أسابيع، والإفراج توازياً عن الأسرى الفلسطينيين.
– ثانياً، اعتراف السعودية وقطر ودول أخرى، رسمياً، بإسرائيل، والإعلان عن خطّة لتطبيع العلاقات معها.
– ثالثاً، الإعلان عن الاعتراف بدولة فلسطينية مستقبلية منزوعة السلاح، يجري التفاوض في شأنها بين الجانبَين، الإسرائيلي والفلسطيني، في حين يجري العمل على ترتيب سياسي وأمني لقطاع غزة عبر قوّة متعدّدة الجنسيات، يكون طرف عربي جزءاً منها، مع تمكين مبطّن للسلطة الفلسطينية.
وتُضاف إلى الخطوات المذكورة أعلاه، بنود وتفاصيل أخرى، منها ما هو أكثر طموحاً، من مِثل إعادة تشكيل الأحلاف بقيادة إسرائيلية لرعاية مصالح واشنطن بالوكالة عنها في الإقليم، فضلاً عمّا هو أقلّ طموحاً، ويرتبط بمسائل الصورة والعلاقات العامة والمصالح الشخصية، في الساحتَين الإسرائيلية والأميركية. ويمكن وصف المخطّط بالطموح للغاية، كونه يحوي على وصفات فشله بذاته، فيما جزء كبير من مقدماته متحرّك جداً ومتغيّر مع تعارض مصالح وأهداف أطرافه المفترضة، علماً أنه نوع من خوض تجارب جديدة – قديمة أثبتت عدم جدواها في العقود الأخيرة، في حين أن ترتيب الوضع أمنياً وسياسياً في غزة مشكوك في نجاحه، بعد التسليم بأن حركة «حماس» لن تُسحق.
على أن أكبر ما يعترض طريق المخطّط هو أن إسرائيل نفسها ليست طرفاً فيه؛ إذ يرفض رئيس حكومتها المقترح جملة وتفصيلاً، مستنداً إلى شبه إجماع إسرائيلي رافض له، نظراً إلى أن كلفته على الكيان، وإن كان مشتملاً على التطبيع، ستكون أعلى من فائدته، وخاصّة وسط الشكوك العالية في إمكانية نجاحه، علماً أن تفاصيله تدفع حتى المعارضة الإسرائيلية إلى التردّد في قبوله. بدوره، يستند نتنياهو في رفضه إلى ائتلاف ثبت تماسكه، وإلى مصلحة شخصية تتعارض مع مطلب وقف الحرب، وكذلك رهانه – وعن حقّ – على أن رفضه مطالب أميركا لن يدفعها إلى الإضرار بإسرائيل «الدولة»، فيما اللعبة السياسية الداخلية في إسرائيل عاجزة عن إيجاد بديل له، وإنْ بدفع ومساندة أميركيّتَين. وبالنتيجة، فإنّ الدائرة لا تزال مفرغة، ومواصلة الحرب لأجل مواصلتها تفرض نفسها إسرائيلياً.

المصدر:”الأخبار”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *