مقالات

انتهاكاتُ أعراضِ نسائنا وفتياتنا بل ورجالنا على أيدي الجيش الإسرائيلي تتفاقم في الضفّة والقطاع فلماذا لا يُطالب العرب الأقحاح وعلى رأسِهم المُطبّعون والمُتيّمون بالسّلام الإبراهيمي بتحقيقٍ دوليٍّ فوريٍّ كأضعفِ الإيمان؟

عبد الباري عطوان

لا نحتاج إلى أيّ إثباتٍ يُدين الجيش الإسرائيلي بارتكابِ جرائم حربٍ وتطهيرٍ عِرقيٍّ في قطاع غزة، خاصَّةً بعد أن وصلت أرقام الشّهداء إلى أكثر من ثلاثين ألفًا، والجرحى إلى ثلاثة أضعاف هذ الرّقم، ولكنّنا قطعًا بحاجةٍ إلى تحقيقٍ دوليٍّ عاجلٍ نظرًا للتّقارير المُتكاثرة عن إقدامِ أفراد وحدات من هذا الجيش على اغتصابِ سيّداتٍ وفتياتٍ في الضفة والقطاع بعد تجريدهنّ من ملابسهنّ، وإعدامهنّ في الكثير من الحالات.

خبيرات حُقوقيّات يعملن في صندوق الأمم المتحدة للسكّان أكّدن تلقّيهن العديد من الشّكاوى المُوثّقة من فتيات عذارى وسيّدات تعرّضن للاغتِصاب من قِبَل جُنود إسرائيليين، وطالبن بفتحِ تحقيقٍ دوليٍّ، تُشرف عليه الأمم المتحدة لفضح هذا الجيش الذي يصفه بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي بأنّه من أكثر الجُيوش في العالم تَمَسُّكًا بالانضِباط والقيم الأخلاقيّة، وقوانين الحُروب.

الإعلام الصّهيوني شنّ حملة تشويه شرسة ضدّ حركة “حماس” في بداية عمليّة “طُوفان الأقصى” اتّهم فيها كوادر تابعة لها بشنقِ أطفالٍ رُضّع، واغتِصاب نساء، أثناء اقتِحام مُستوطنات غِلاف قطاع غزة يوم السّابع من تشرين أوّل (أكتوبر) الماضي، وسارع الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى تبنّي هذه الادّعاءات، وأفردت لها قنوات غربيّة من بينها “سي إن إن” الأمريكيّة و”بي بي سي” البريطانيّة، العديد من البرامج الترويجيّة، واضْطُرّ الرئيس بايدن إلى سحبِ ادّعاءاته، وكذلك المحطّات الغربيّة، لانعِدام الأدلّة، والاعتِراف بالسّقوط في المِصيَدة الدعائيّة الإسرائيليّة الكاذبة.

أعمال اغتصاب النّساء والفتيات من قِبَل الجُنود الإسرائيليين ليست جديدة، فالمحاكم الإسرائيليّة تنظر حاليًّا في العديد من القضايا التي رفعتها مُجنّدات إسرائيليّات تعرّضن للاغتِصاب من قِبَل زُملائهنّ الذّكور في الجيش الإسرائيلي، من بينها اتّهام إحداهنّ لعشرةٍ منهم بالتّبادل على اغتِصابها في إحدى القواعد، فمَنْ يُقدم على اغتِصاب بنات جِلدته وعقيدته لن يتردّد في اغتِصاب بنات العدوّ الفِلسطيني.

 والأخطر من ذلك أنّ فتاوى صدرت عن حاخامات إسرائيليين، أحدهم حاخام الجيش، يُبيح للجُنود اغتِصاب الفتيات والسيّدات العربيّات دُونَ تردّد، وتعزيز هذه الفتاوى بنُصوص في الكتاب المُقدّس، والسّرديّات اليهوديّة.

الصّحافة العبريّة نفسها، نشرت العديد من التّقارير الإخباريّة تتحدّث عن تعرّض مُعتقلين عرب من الصّبيان والأطفال لعمليّاتِ اعتداءٍ جنسيٍّ من قِبَل المُحقّقين في سُجون الاحتِلال، والشّيء نفسه يُقال أيضًا عن مُعتقلاتٍ قاصراتٍ وبالغاتٍ، وهذا ليس غريبًا ولا جديدًا، ولكنّ الغريب هو صَمْتُ العالم الغربيّ الحُر الذي يُحاضِر علينا بالقيم الأخلاقيّة واحتِرام قوانين الحُروب.

المُجاهدون الفِلسطينيّون يتحلّون بأعلى درجات القيم الأخلاقيّة، والحِفاظ على أعراض نساء الخُصوم من الصّهاينة، لأنّهم أُناسٌ مُؤمنون، مُتديّنون، يلتزمون بتعاليم القُرآن الكريم والسنّة النبويّة، والإرث العقدي الإسلامي، ولهذا لم تستطع السّلطات الإسرائيليّة تقديم دليل واحد يُوثّق أيّ من حملاتها ضدّ المُجاهدين في هذا الإطار.

من يقتل عشرات الآلاف من الأطفال والنّساء ويُدمّر العمارات والأبراج والمنازل فوق رُؤوس ساكِنيها في القطاع لن يتردّد لحظةً أن “يُتوّج” هذه الوحشيّة باغتِصاب الفتيات المُحصّنات وقتل بعضهنّ بعد ذلك لإخفاء هذه الجريمة في بعض الحالات، وشاهدنا صُورًا لاعتِقال مِئات الرّجال وتعريتهم من ملابسهم الداخليّة والخارجيّة، وعَرضِهم في العراء في زمهرير الشّتاء بهدف إذلالهم، والصّور موجودة في أرشيف الجيش الإسرائيلي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

مُطالبة حركة المقاومة الإسلاميّة “حماس” بفتح تحقيقٍ دوليٍّ حول هذه الانتِهاكات لأعراض الفتيات والنّساء، مُطالبةٌ مشروعة يجب المُضيّ فيها قُدُمًا، دُونَ تردّد، فالأدلة واضحة ومُثبّتة وهُناك العديد من الفتيات المُحصنات اللّواتي تعرّضن لهذه الوحشيّة، وعلى استِعدادٍ لتقديم شهاداتهم إلى أيّ لجنة دوليّة تتشكّل لغرضِ التّحقيق المُستقل في هذه الجرائم.

فعندما يصف الجنرال يؤاف غالانت وزير الحرب الإسرائيلي أبناء قطاع غزة بالوحوش ويُبيح سفك دمائهم، فلماذا يستغرب هذا العالم الغربيّ “المُتحضّر” حُصول هذه الانتِهاكات للأغراضِ في قِطاعٍ مُحاصرٍ لا يتوقّف قصفه من البرّ والجوّ والبحر بهدفِ الإبادة؟

ختامًا نقول، إنّنا تابعنا، وقرأنا وقائع وأحداث العديد من الحُروب على مَرّ عُصور التّاريخ في مناطقٍ عديدةٍ من العالم، ولم يُقدِم مُعظم المُنخَرطين فيها على مِثل جرائم الاغتِصاب هذه التي يرتكبها أحفاد ضحايا النازيّة والهولوكوست، الذين ابتزّوا العالم بأسْرِه باحتِكار الآلام ودور الضحيّة في الضفّة والقطاع على مدى أكثر من 75 عامًا، ولذلك يجب أن لا يهربوا من العِقاب الذي يستحقّونه، ونحن لا نُطالب الصّامتين العرب الذين يُديرون وجههم إلى النّاحية الأُخرى، ويُقيمون الجُسور البريّة لتوفير الطّعام الطّازج للمساكين اليهود في فلسطين المُحتلّة، لا نُطالبهم بإرسال الجُيوش أو السّلاح لإنقاذ الحرائر، ولا حتّى أرغفة الخُبز، فقط نُطالبهم، وبعد يأسِنا منهم، أن يدعموا وهُم المُتحضّرون وطُلّاب السّلام، تحقيقًا دوليًّا انتِصارًا لشرفِ المُحصَنات الشّريفات من نسائنا وبناتنا والقُصّر من أبنائنا، وأن يظلّوا على الحِياد، ويبتعدوا عن شُبُهات التّواطؤ، فهل نُبالغ في مطالبنا يا أبناء الرّسالة المُحمّديّة، وأحفاد الفاتِحين العِظام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *