أخبار لبنانية

المتقاعدون للحكومة: الرواتب أولاً

نفّذ العميدان المتقاعدان شامل روكز وبسام ياسين تهديدهما لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بإشعال الشارع ومنع انعقاد مجلس الوزراء. تعلّم المتقاعدون من تحرّكاتهم السابقة، فاستبقوا موعد جلسة مجلس الوزراء بساعات، وقطعوا كل الطرقات المؤدّية إلى السراي حتى مواقف السيارات في الأبنية المجاورة. فهكذا طارت الجلسة، ومعها طارت محاولة ميقاتي الرامي إلى فرض أمر واقع على الموظفين والمتقاعدين لناحية الزيادات. لو اكتمل النصاب، كان المجلس سيلتفّ على كلّ الاتفاقات، ويناقش من خارج جدول الأعمال إعطاء الموظفين 3 رواتب إضافية فقط من دون أي زيادة أخرى، و3 معاشات للمتقاعدين من المدنيين والعسكريين برتبة مؤهل وما فوق، و4 معاشات للمتقاعدين العسكريين برتبة ما دون المؤهل… أي ما هو بعيد عن المطلب في تعديل عادل للرواتب.كان اللقاء الأخير بين ميقاتي وروكز وياسين «متوتراً» بحسب المطلعين، إذ إنّ ميقاتي كرّر طرحاً يقضي بإعطاء المتقاعدين 3 معاشات فقط بذريعة أنّ «عدد المتقاعدين كبير جداً»، ومنحهم زيادات المطالب فيها «يعني الخروج عن سقف الإنفاق المحدّد من مصرف لبنان» بحسب مصادر مطّلعة. رفض العميدان المتقاعدان الطرح مباشرة، وقال روكز: «الحدّ الأدنى المقبول هو وصول معاش العسكري المتقاعد من الرتب الدنيا إلى 400 دولار شهرياً، وإلّا سنلجأ إلى الشارع».
بالفعل، نزل المتقاعدون إلى الشارع. في المرّة الأولى دفعوا رئيس الحكومة إلى تعليق الجلسة سريعاً بعد نقص في الحضور، وفي المرّة الثانية، أي أمس، أجبروا الحكومة على تأجيل عقد الجلسة. وقال روكز لـ «الأخبار»: «نرفض سياسات الحكومة التي لا تتعامل مع الموظفين والمتقاعدين على أساس واحد»، من دون أن يشير إلى أنّ أسباب التدهور في الرواتب وآليات التعامل معها تكمن في أن ميقاتي متّفق مع حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري، على سقف محدّد لإنفاق الحكومة وللزيادة على الرواتب. لذا، يحصر كلامه بنظرة للحقوق من زاوية ضيّقة تكمن في تفضيل فئة من الموظفين على آخرين. وبهذا، قد يبدو أن هناك اتفاقاً على عدم تجاوز «سقف منصوري»، أي توزيع السقف المحدّد للزيادة بقيمة 2000 مليار ليرة بـ«المساواة» بين الموظفين!
هنا تظهر المشكلة ضمن تناقضات السياسات المالية والنقدية والأجور: فهل تخضع الأجور والسياسة الحكومية لقرارات منصوري؟ أم تكون الأولوية للأجور؟ فمن جهة قد يؤدّي ضخّ كتلة كبيرة بالليرة إلى تدهور في سعر الصرف، ومن جهة ثانية في إمكان العاملين في القطاع العام والمتقاعدين الإضراب والتظاهر وتعطيل العمل في الدوائر الرسمية الذي يُعدّ حيوياً للقطاعات الاقتصادية، كما أنه يعطّل قدرة الخزينة على التحصيل. في الواقع، أوصلت الحكومة نفسها إلى هذه الزاوية. فهي أبت أن تعالج الأزمة، وأطلقت أشغال الترقيع التي تميّز بين الموظفين وتدفعهم إلى التظاهر بوجه بعضهم البعض. قد تنجح هذه المرّة في الترقيع، لكن أصل الأزمة سيعود للظهور عاجلاً أم آجلاً. وسلوك الحكومة في الترقيع تمثّل في تقسيم التعامل مع الموظفين بين فئة منتجة تُدعم بحوافز، وفئة غير منتجة تترك بلا مساعدات، ومن ضمنهم المتقاعدين.

روكز: 400 دولار للعسكري من الرتب الدنيا هو الحدّ الأدنى المقبول


ويأتي هذا الإضراب، بعد هدوء في الشارع لنحو سنة. إذ عاد المتقاعدون لاستخدامه كأداة تفاوضية لتحصيل مطالبهم. آخر مرّة لهم كانت في نهاية آذار 2023 حين انتزعوا مطلب تثبيت منصّة صيرفة للموظفين والمتقاعدين. هذه المنصّة كانت عملية ترقيع أصلاً. ثم انفجرت أزمة الرواتب مجدداً مع إلغاء المنصّة وتبنّي مصرف لبنان والدولة، مواربة، سعر الصرف الفعلي باعتباره السعر الرسمي. هذه الأزمة ظهرت اليوم لأن مجلس الوزراء قرّر دراسة زيادة على الرواتب تستبعد المتقاعدين بشكل تام. فاندفع المتقاعدون نحو الشارع وفرضوا أنفسهم بنداً أولوياً على جدول أعمال الحكومة. وأكثرية المتقاعدين هم من الأسلاك الأمنية، إذ يتجاوز عددهم 70 ألفاً، وهي فئة قادرة على تنظيم نفسها بسرعة بسبب سيطرة الهرمية العسكرية عليهم، ما أعطاهم قدرة سريعة على التواصل وتشكيل التظاهرات.
بالنسبة إلى المتقاعدين يجب توحيد معايير زيادة الرواتب لأن «الكل منتج»، والمطلب الأساسيّ المساواة في العطاءات. «الدولة تعالج بالصنّارة» يقول عضو الهيئة الإدارية لرابطة موظفي الإدارة إبراهيم نحّال، فهي «تختار من يناسبها من الموظفين وتعالج وضعه». وحول انقسام الموظفين في تحرّكاتهم، أشار نحّال إلى «أنّ الإضراب ليس موجهاً ضد الزملاء في وزارة المال، بل ضدّ الحكومة التي تعتمد مبدأ فرّق تسد، وتصرف رواتب لا تكفي 3 أيام من الشهر»، وأكّد أنّ المفاوضات لا يجب أن تسقط مطلب دمج المساعدات كلّها في أساس الراتب ليستفيد منها الموظف المقبل على التقاعد، كما المتقاعد.
إذاً، ما فضل موظف في تحصيل الضريبة في وزارة المالية، على موظف في وزارة الصناعة، حتى تقرّر الحكومة الانتقاء في زيادة التقديمات إليه؟ يجيب النقابي محمد قاسم، بـ«أن مجلس الخدمة المدنية لا يوظف في أماكن محدّدة بل في الدولة بشكل عام، فالوظيفة تدخل الأموال لا الموظف، بالتالي الأخير يقوم بتنفيذ مهمته فقط». ويصف قاسم سياسة الحكومة بـ«الخرقاء، والبدعة الجديدة التي لا سابق لها في تاريخ الجمهورية. فبحسب هذا المنطق يجب مكافأة أي موظف يقوم بعمله الطبيعي». وذكّر قاسم بسياسة التوظيف في مجلس الخدمة المدنية، إذ «يتم انتقاء الناجحين للتوظيف في الدولة لا في دائرة معيّنة في وزارة المالية أو غيرها».

المصدر:”الأخبار”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *