متفرقات

المدرسة الجزائرية وغرس ثقافة المقاومة

كلثوم باسعيد

إن الجزائر؛ بلدًا وشعبًا، تعتبر أطول بلد عربي رزح تحت نير «الاستدمار» مقارنة بغيره من البلدان العربية؛ إذ وقع في براثن «الاستدمار» الفرنسي الصليبي في العصر الحديث ما يزيد على 130 عاماً.

وهو أكثر بلد قدَّم شهداء؛ حتى إن أسماءهم قد استوعبت أسماء شوارعها ومدارسها ومؤسساتها.

وطول فترة الاحتلال لا تعني استسلام الشعب ورضوخه؛ فهو كان يواجه همجية ووحشية الفرنسيين بكل ما أوتي من قوة من أول يوم، ولم يتمكن الاحتلال من فرض سيطرته على عموم البلاد إلا بعد 70 عاماً تقريباً.

وقد ذاق الشعب الأمرّين من هذا الاحتلال البغيض الذي لم يتورع عن قتل وإبادة قرى كاملة نكاية في المجاهدين، وقام بتهجير السكان الأصليين واستجلاب الفرنسيين، ومصادرة الأراضي من أصحابها ودفعها للمحتلين، وحرمان الشعب من أبسط حقوقه، ومحاربة هويته وطمسها، ومحاولة تنصير الشعب، واستبدال لغته، مع النهب المستمر للثروات الطبيعية.

وقد تحرر الشعب بعد أن دفع الثمن غاليًا، ويعلم جيدًا أن الجزائر المحررة هي أمانة ووديعة الشهداء.

والجزائر تحافظ على إرث المجاهدين، وأنشأت لهم وزارة باسم «وزارة المجاهدين»، فالجهاد والمقاومة حاضرة في ذاكرة الجزائري من القمة الحاكمة إلى القاعدة الجماهيرية، وتعتبر ثورة التحرير الجزائرية أمرًا مقدسًا.

وأضحت السياسة الخارجية للجزائر تقوم على دعم قضايا التحرر وتقرير المصير للشعوب ونصرة القضايا العادلة.

وهذا التاريخ وتلك الأحداث وهذه المفاهيم لم يتنكّر لها أحد أو يدر لها ظهره، بل تم العمل على تمجيدها والحفاظ على قدسيتها وغرسها في الأجيال الناشئة من خلال المدارس والمؤسسات التعليمية.

فابتداء من النشيد الوطني في طابور الصباح الذي يحفظه الصغير والكبير، ويقوله الجميع بحماس، والذي يحمل كل معاني القوة والعزة والفخار، وغرس كره المحتل في النفوس:

قسمًا بالنازلات الماحقات

والدماء الزاكيات الطاهرات

والبنود اللامعات الخافقات

في الجبال الشامخات الشاهقات

نحن ثرنا فحياة أو ممات

وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا فاشهدوا فاشهدوا

نحن جند في سبيل الحق ثرنا

وإلى استقلالنا بالحرب قمنا

لم يكن يصغى لنا لما نطقنا

فاتخذنا رنة البارود وزنًا

وعزفنا نغمة الرشاش لحنًا

وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا فاشهدوا فاشهدوا

يا فرنسا قد مضى زمن العتاب

وطويناه كما يطوى الكتاب

يا فرنسا إن ذا يوم الحساب

فاستعدي وخذي منا الجواب

إن في ثورتنا فصل الخطاب

وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا فاشهدوا فاشهدوا

ثم إن المناهج والبرامج في المراحل التعليمية المختلفة مشحونة بموضوعات عن المقاومة والثورة والتحرر؛ ففي الصف الخامس الابتدائي هناك موضوع «المقاومة الوطنية من أجل تحرير الجزائر».

وفي الصف الرابع المتوسط هناك موضوع «الثورة التحريرية الكبرى (ثورة الجزائر)».

وفي الصف الثاني الثانوي هناك موضوع «الظروف والأسباب الدافعة إلى التحرر».

وفي الصف الثالث الثانوي هناك موضوع «تأثير الجزائر وإسهاماتها في حركات التحرر العالمية».

هذا إلى جانب تكليف التلاميذ ببحوث حول الدول التي ساهمت الجزائر في دعمها وحل قضاياها ومنها فلسطين، التي لها درس خاص للصف الثالث الثانوي بعنوان «فلسطين من تصفية الاستعمار التقليدي إلى الهيمنة الأحادية والتواطؤ الدولي».

وهذه البرامج التعليمية تحاول أن تجعل الطالب المتعلم قادرًا على التعرف على تنوع أساليب وخصائص الحركات التحررية، واكتشاف حجم تضحيات الشعوب من أجل التحرر، والوقوف على القضية الفلسطينية بأبعادها التاريخية وجذور الصراع العربي «الإسرائيلي»، وما قام به الفلسطينيون من ثورات وانتفاضات، واكتشاف التواطؤ الدولي على الشعب الفلسطيني وقضيته، والتأكيد على عدالة تلك القضية.

‏وإن ما يشاهده الجزائري اليوم بغزة وفلسطين إثر «طوفان الأقصى» يذكِّره بالأحداث الإجرامية الدامية الوحشية الفرنسية التي تعرض لها.

ولقد كانت غزة حاضرة في المسابقات بين الثانويات تحت إشراف مديريات التربية، وأداء مسرحيات مؤثرة عن الوضع في فلسطين وغزة بعد «طوفان الأقصى».

ولم يفت بعض المدارس أن تقف وقفة تضامنية مع الشعب الفلسطيني؛ مثل الوقفة التي قام بها المجمع المدرسي الحياة سكول بمدينة وهران.

وكانت هناك مواقف فردية اجتهادية لبعض الأساتذة؛ مثل: التلفع بالكوفية الفلسطينية، أو وضع علم فلسطين حول الرقبة، أو وضع الشال الفلسطيني على الأكتاف نصرة للمقاومة وتأييدًا لإخوانهم بفلسطين.

ومنهم من حاول التوعية اليومية بمجريات الحرب على غزة، والحديث عن المقاومة وفصائلها، من خلال ضرب أمثلة تتناسب مع الدروس.

وفي بعض الأحيان بعد الانتهاء من الدرس يتم التعريج على غزة للوقوف على مأساتها، وآخر مستجداتها، مع الدعوة الدائمة لمقاطعة السلع «الإسرائيلية» ومنتجات ومتاجر وشركات الدول التي تساندها.

مع عدم نسيان الحث على التبرع لغزة عبر الجمعيات الموثوقة الموجودة عبر التراب الوطني، مثل: جمعية البركة، أو جمعية جزائر الخير، أو جمعية العلماء المسلمين.. إلخ.

وكان للوسائط الاجتماعية بين الأساتذة والتلاميذ دور غير منكور في نشر القضية من خلال إرسال الفيديوهات عبر المجموعات.

وعندما دعت القوى الوطنية والسياسية للخروج في مظاهرات لمناصرة فلسطين خرج طلبة المدارس وشاركوا في تلك التظاهرات -التي جابت الشوارع- المؤيدة لفلسطين والمنددة بالعدوان الصهيوني الغاشم.

وقد وصل الأمر من الاهتمام بالقضية الفلسطينية أن يقوم أستاذ للرياضيات للسنة الخامسة الابتدائية بإحدى المدارس بولاية سطيف بوضع أسئلة عن عدد الشهداء الذين سقطوا جراء القصف الصهيوني على غزة خلال أسبوع.

وأشار هذا الأستاذ إلى أهمية إدراك التلاميذ للأحداث العالمية وتأثيرها، خاصة القضية الفلسطينية التي تعد قضية أساسية في الجزائر.

كما أكد قائلاً: نحن كجزائريين ندعم القضايا العادلة ونعتز ونفتخر بذلك، وأنا كأستاذ دائمًا أربط القضية الفلسطينية والمقاومة بالثورة الجزائرية التحريرية، وما يحدث في فلسطين الآن شبيه بأيام الثورة والكفاح.

وشدَّد على أن هذا ما علينا نحن كمعلمين أن نعلمه للتلاميذ، مؤكدًا أن القضية الفلسطينية قضية الأمة الإسلامية.

وتجسد هذه الخطوة كيف يمكن للتعليم أن يكون وسيلة فعالة لتوجيه الانتباه نحو القضايا الإنسانية، وتشكيل مستقبل أفضل للأجيال القادمة(1).

فالدولة والوزارة والإدارات لم تألُ جهدًا في الحفاظ على ثقافة المقاومة حية في القلوب، وتبقى القلوب مثلها مثل الأرض، منها ما ينبت فيها الزرع، ومنها القاحلة التي لا يصلح فيها أي غرس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *