مقالات

هل استقالة حُكومة إشتية مُقدّمة لمِصيَدة حُكومة “التّكنوقراط” ونهاية حُكم “حماس” في غزة؟ وهل نضجت الطّبخة الأمريكيّة الإسرائيليّة العربيّة المسمومة لوَأدِ المُقاومة؟ ومن تنازلَ لِمَنْ؟

عبد الباري عطوان

تقديم الدكتور محمد إشتية استقالة وزارته إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس يعني أن هُناك طبخة أمريكيّة إسرائيليّة على وشكِ النّضوج، عُنوانها التبريريّ التسويقيّ الأكبر هو الإتيان بحُكومة “تُكنوقراط” تتولّى ما يُسمّى بالإصلاح السّياسي للسّلطة، وإعادة سيطرتها على قطاع غزة تحت راية الاحتلال الإسرائيلي في ما يُسمّى مرحلة ما بعد الحرب، أو ما بعد القضاء على المُقاومة بزعامة حركة “حماس” في القطاع.

الدكتور إشتية الذي بدأ يَحزِمُ أمتعته استعدادًا للرّحيل، اعترف في تصريحاته “المُقتضبة” التي أدلى بها اليوم بعد الإعلان عن استقالة حُكومته عندما قال “إنها تأتي استجابةً للمطالب الدوليّة بإصلاح النّظام السّياسي الفِلسطيني تمهيدًا لتشكيلِ حُكومة كفاءات تضمّ بعض الأحزاب لإدارة المشهد الفِلسطيني في مرحلةِ ما بعد الحرب في القطاع”، وأضاف “المرحلة المُقبلة تحتاج إلى ترتيباتٍ سياسيّةٍ جديدة تأخُذُ في عينِ الاعتِبار التطوّرات في القطاع، ومُحادثات الوحدة الوطنيّة”.

حُكومات “التّكنوقراط” تتشكّل في دُولٍ مُستقلّة مُستقرّة، ذات سيادة وحُدود واضحة ومطارات وموانِئ وسكك حديد، واقتصاد ذاتي مُستقل، ودولة قائمة مُستقرّة، وثروات طبيعيّة في باطِنها، مِثل الغاز والنفط أو الذهب أو اليورانيوم والمعادن الأُخرى، والإنتاج الغذائي والصناعي وبُنى تحتيّة، فهل تتواجد هذه العناصر، أو حتّى واحد في المِليون منها في الأراضي الفِلسطينيّة المُحتلّة حتى تتولّى كفاءات إدارتها؟ وماذا ستُدير هذه الحُكومة إذًا؟ بطاقات كبار الشخصيّات؟

إنها مِصيَدةٌ جديدة جرى إعدادها، وتحديد هيكليّتها، وأسماء المُشاركين فيها ورئيسها مُسبقًا، من قِبَل قادة المُخابرات في الدّول الأربع التي اجتمعت للمرّة الثانية في باريس، وبات تشكيل حُكومة انتداب للضفّة والقطاع في المرحلة المُقبلة واضحة، في حالِ القضاء على المُقاومة في غزة والضفّة أيضًا.

فاجتماع باريس الرّباعي الأوّل الذي شارك فيه قادة مُخابرات كُل من مِصر ودولة الاحتِلال وأمريكا إلى جانب رئيس وزراء ووزير خارجيّة قطر، فشل في التوصّل إلى أيّ اتّفاقٍ “هُدنة مُؤقّتة” لوقف إطلاق النّار في القطاع يُؤدّي إلى تبادلِ أسرى، لأنّ قيادة المُقاومة تمسّكت بشُروطها كاملةً في الانسِحاب الإسرائيليّ من القطاع، ووقفٍ دائمٍ لإطلاق النّار، ووضع خطّة مُحكمة لإعادة إعمار القطاع، وقيام الدّولة الفِلسطينيّة المُستقلّة.

السُّؤال الذي يطرح نفسه هو عن التّغيير المُحتمل الذي حصل بين الاجتماعين، وما هي التّنازلات المُفترضة التي جرت، وأدّت إلى هذه السُّرعة في إقالة حُكومة اشتية لإفساح المجال أمام حُكومة “التّكنوقراط” العتيدة الموعودة، فمَنْ تنازلَ للآخَر؟ وهل تقبل حركة “حماس” وحُلفاؤها في القطاع والضفّة، بالتّنازل عن سُلطتها، وتسليمها إلى الحُكومة الجديدة.. وما هو المُقابل؟

نُدرك جيّدًا أنّ الأوضاع الإنسانيّة في قطاع غزة مُتدهورةٌ جدًّا، وأن المُواطنين، سواءً في الشّمال أو مُعظم الجنوب، يُواجهون مجاعةً حقيقيّةً والكثير من الأطفال يستشهدون جُوعًا ومرضًا بسبب تلوّث المِياه والأمراض المُعدية، إضافةً إلى القصف الإسرائيلي الذي لم يتوقّف، وكُل هذه الضّغوط الوحشيّة اللّاإنسانيّة تأتي في إطار خطّة إجبار المُقاومة على الدّخول مُكرَهة في المِصيَدةِ الجديدة من أضيقِ أبوابها، ووفق مُخطّطٍ أمريكيٍّ إسرائيليٍّ مدروس، وتواطُؤٍ عربيٍّ رسميٍّ لا يحتاجُ إلى إثبات.

التّهديدات الإسرائيليّة باقتِحام مدينة رفح، وارتِكاب مجازر فيها، والتّلويح مجددًا بورقة التّهجير لسيناء كانت مقصودة ومُتّفق عليها لإرهاب أكثر من مِليون من النّازحين فيها، وهو التّلويح الذي تزامن مع تسريباتٍ عن إقامة السّلطات المِصريّة عبر شركات تابعةً لها، لمراكز اعتِقال في المِنطقة الحُدوديّة المِصريّة مع القطاع بارتِفاع أسوارها عشرة أمتار، إمّا لاعتِقال وسجن بعض مُخترقي الحُدود المِصريّة، أو لاستِيعابهم في إطارِ صفقةٍ ماليّةٍ ضخمةٍ تُساعد في إخراج القاهرة من أزماتها الماليّة المُتفاقمة.

لمعرفتنا بصلابة كتائب القسّام، وتمسّك قيادة حركة “حماس” وجِنرالاتها في القطاع بكُلّ شُروطهم، سواءً من خِلال معلومات مُوثّقة، أو من خلال مُتابعة ورصد مواقفها، تساورنا الكثير من الشّكوك حول فُرص نجاح هذه الطّبخة الإسرائيليّة الأمريكيّة العربيّة المسمومة، لأنّ القُبول بها يعني نهاية حُكم المُقاومة في القطاع، وتخلّيها عن جميع صواريخها ومصانعها وأنفاقها، وحلّ سُلطتها، والأخطَرُ من ذلك تفكيك قوّاتها العسكريّة والأمنيّة، وخُروج المُجاهد يحيى السنوار، وطاقم مُساعديه البارزين إلى دولةٍ عربيّةٍ مُقابل الحِفاظ على حياتهم، وهذا مُستَبعدٌ فهؤلاء طُلّاب شهادة.

الهدف الرئيسيّ من هذه المِصيَدة الخدعة هو إجهاض الانتِصار الكبير الذي حقّقته مُعجزة “طُوفان الأقصى” غير المسبوق مُنذ بداية الصّراع العربيّ الإسرائيليّ، والحفاظ على بقاء “إسرائيل” والمشروع الصّهيوني الذي فقد أسباب وجوده مِثل الرّدع، والأمان والاستِقرار والهيبة، والتفوّق العسكري، وتعاظُم الخسائر في صُفوف قوّاته والفشَل الكبير في تحقيق الحِماية والأمن لمُستوطنيه سواءً في الضفّة أو غلاف القطاع.

جميع المصائد السّابقة التي نُصِبَت للمُقاومة الفِلسطينيّة طِوال الخمسين عامًا الماضية حقّقت أغراضها في تدجينها وإجهاضها، ابتداءً من القُبول بالقرار الدولي رقم 242، ومُبادرة السّلام العربيّة، ومُؤتمر مدريد، وخريطة الطّريق، واللّجنة الرباعيّة، خِتامًا باتّفاقات أوسلو الخِيانيّة سيّئة الذّكر، فهل ستنجح المِصيَدة الحاليّة الأضخم، التي جاءت بعد سفكِ دماء أكثر من 30 ألف شهيد، وثمانين ألف جريح، وتدمير 86 بالمِئة من القطاع بتحقيقِ النّتائج نفسها المذكورة آنفًا؟

نجزم بأنّه لن يكون هُناك شيء اسمه حلّ الدّولتين طالما ظلّت “دولة إسرائيل” قائمة، فأمريكا التي تُؤيّد حرب الإبادة في القطاع، وترفض مُجرّد لفظ وقف لإطلاق النّار مُنذ أربعة أشهر، ولا تتردّد في استِخدامِ حقّ النّقض (الفيتو) ضدّ مشروع قرار جزائري في هذا الإطار، مانحةً ضُوءًا أخضر أكثر قوّةً لاستِمرار هذه الإبادة، لا يُمكن الثّقة بها أو ضماناتها، والشّيءُ نفسه يُقال عن الوُسطاء العرب الذين يُوفّرون الغِطاء لوعودها الكاذبة المُضلّلة، والمُخادعة ولا يُمانعون أن يكونوا أدوات لها.

للمرّة الثانية ننصح قيادة حركة “حماس” في قطاع غزة التي قادت، ونفّذت، وخطّطت لـ”طُوفان الأقصى” بدقّةٍ إعجازيّة، أنْ تتريّث وأنْ تتجنّب الوقوع في هذه المِصيَدة، مثلما فعلت في المرّة السّابقة، فإسرائيل مأزومةٌ ومهزومة، وأمريكا خسرت نُفوذها في الشّرق الأوسط، وباتت مرعوبة من شعبٍ عربيٍّ مُسلمٍ أصيل اسمه “أبو يمن” أغلق البحر الأحمر وباب المندب في وجهها، ودخل التّاريخ لأنّه لم يتردّد لو للحظةٍ واحدة في مُواجهتها وقصف بوارجها، ووصلت صواريخه إلى ميناء “أم الرشراش” والنقب، وقريبًا جدًّا إلى العُمُق الفِلسطينيّ المُحتل في بئر السّبع وربّما أسدود وحيفا وتل أبيب، فالحرب تتوسّع، والقواعد الأمريكيّة تتفكّك، وجبهة الضفّة الغربيّة تلتهب، ومناطق الـ 48 تتململ، ونختم بالمُواجهة التي يخوضها “حزب الله” وحُلفاؤه في جنوب لبنان، التي أدّت إلى ترحيل أكثر من 250 ألف مُستوطن، والقواعد الأمريكيّة في العِراق وسورية تتفكّك استِعدادًا للرّحيل الأبديّ هربًا من الصّواريخ وتقليصًا للخسائر.. والنّصرُ صَبْرُ ساعة، والمُقاومة يجب أن لا تصرخ أوّلًا في معركةِ عضّ الأصابع الحاليّة، ونحنُ على ثقةٍ بأنّها لن تفعل.. والأيّام بيننا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *