مقالات

لماذا “نعتب” على الرئيس أردوغان ونُطالبه باتّخاذِ خطواتٍ “عمليّة” لنُصرة أشقّائه المُجَوَّعين المُحاصَرين في قطاع غزة؟

عبد الباري عطوان

يتعرّض الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان هذه الأيّام إلى حملةِ انتقاداتٍ عنيفة سواءً داخِل تركيا ودوائر بعض المسؤولين في الحزب الحاكم فيها، ناهِيكَ عن المُعارضة، وتُواجه شعبيّته في أوساط العالمين العربيّ والإسلاميّ تراجعات مُتسارعة والسّبب في الحالين عدم إقدامه على أيّ “خطواتٍ عمليّة” للتصدّي لحرب الإبادة والتّطهير العِرقي التي تُمارسها دولة الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، بالمُقارنة مع دُولٍ صغيرة المساحة، عِملاقة أخلاقيًّا مِثل اليمن الشّقيق.

صحيح أنّ الرئيس أردوغان أطلق تصريحات عنيفة وقويّة ضدّ بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يُقدم عليها أيّ مسؤول عربي أو إسلامي آخَر، حيث وصفه بهتلر الجديد، إن لم يكن أسوأ، وأدان بشدّة المجازر التي يرتكبها ضدّ الأطفال والنّساء والمدنيين في قطاع غزة، ولكنّ الصّحيح أيضًا أنّ مُنتقديه، ونحنُ منهم، يأخذون عليه عدم قطعه للعلاقات الدبلوماسيّة مع تل أبيب، وأبقى على التّعاون التّجاريّ بين البلدين على حاله دُونَ أيّ تخفيض، وهذا أضعفُ الإيمان.

مُنتقدو الرئيس أردوغان في تركيا يتحدّثون هذه الأيّام عن وجود أسطولٍ بحريٍّ ضخم يضم 69 سفينة من مُختلف الأحجام تعود مُلكيّتها لأنجال مسؤولين بارزين مُقرّبين منه في حزب العدالة والتنمية الحاكم، يقوم بنقل وتأمين البضائع والمنتوجات الغذائيّة والمحروقات إلى دولة الاحتِلال، أو ما يُعادل 56 بالمئة من احتياجات السّوق الإسرائيليّة من الخُضار والفواكه الطّازجة والمُجفّفة، ونحو 7 بالمئة من النفط، وهي عمليّةٌ تُدِرُّ أرباحًا ضخمة لهؤلاء الأنجال، وللخزينة التركيّة على شكلِ رُسومٍ وضرائب، ولكنّها تتناقض مع إرث تركيا الإسلامي العقائدي والقيم الأخلاقيّة الإنسانيّة.

الرئيس أردوغان على علمٍ بهذه الصّادرات، وقاوم ضُغوطًا كبيرة من قِبَل بعض المسؤولين الكبار في حزبه، الذين يُعارضونها وطالبوه، وحسب مصادر وصلت للتّو إلى بيروت قادمين من أنقرة، لأنّه مثلما نقل عنه يضع مصالح تركيا الاقتصاديّة فوق كُل اعتبار في الوقت الرّاهن حيث تُواجه العُملة الرسميّة التركيّة (اللّيرة) ضُغوطًا مُتزايدة أدّت إلى خسارتها نسبة كبيرة من قيمتها في الأشهر الأخيرة.

ربّما يُجادل الرئيس أردوغان أنصاره بأنّ هُناك جِسرًا بريًّا ينقل بضائع وأغذية إلى دولة الاحتِلال ينطلق من أبوظبي مُرورًا بالسعوديّة والأردن ويُفرّغ حُمولته في ميناء حيفا، علاوةً على ذلك أن ست دُول عربيّة طبّعت علاقاتها مع دولة الاحتِلال (مِصر، الأردن، الإمارات، البحرين، المغرب علاوةً على السّلطة الفِلسطينيّة) لم تقطع علاقاتها مع دولة الاحتِلال، ولم تُغلق سفاراتها فيها، فلماذا توجيه اللّوم لتركيا، والتّطاول عليها؟

هذا الرّد التركي ينطوي على الكثير من الصحّة، ولكنّه لا يُعفي تركيا ورئيسها أردوغان ويُبرّئها من تُهمة خُذلان الشّعب الفِلسطيني، والتخلّي عن الأبرياء العُزّل في قطاع غزة، وعدم الإقدام على أيّ خطوة عمليّة للدّفاع عنهم، وعن حركات المُقاومة، وحماس التي تقودها، وترتبط قيادتها بعلاقاتٍ استراتيجيّة وثيقة مع أنقرة، والقُدوة لتركيا يجب أن لا تكون الدّول المُطبّعة وإنّما تلك التي قبضت على الجمر، وقاومت التّطبيع، وتصدّت وتتصدّى للاحتِلال، وتدفع ثمنًا باهظًا مِثل سورية ولبنان والجزائر واليمن، وتونس والعِراق والقائمة تطول.

تركيا ليست البحرين أو الإمارات، أو حتى مِصر، لأنها وريثة امبراطوريّة إسلاميّة حكمت المِنطقة لحواليّ 600 عام، وأرسلت قوّاتها للقتال في سورية تحت عناوين “نُصرة المظلومين”، ووقف عمليّات الاضْطّهاد، وتحقيق العدالة، وصمتها على المجازر والتّطهير العِرقي واغتِصاب الحرائر في قطاع غزة على أيدي الجُنود الصّهاينة، ينسف كُل الادّعاءات السّابقة، ويكشف عدم مِصداقيّتها.

تركيا تملك جيشًا قويًّا وأُسطولًا ضخمًا، وكان باستطاعة الرئيس أردوغان أن يُرسل هذا الأسطول الضّخم لحماية سُفُن مُحمّلة بالطّعام والأدوية للمُجوّعين المُحاصَرين في غزة كحَدٍّ أدنى، وإن كان من أهم الواجبات الأخلاقيّة والدينيّة لهذا الجيش وسُفنه وطائراته هو التدخّل لحِماية الأطفال والنّساء وليس إنقاذهم من الموت جُوعًا فقط

الرئيس أردوغان دخل قُلوب مِئات الملايين من العرب والمُسلمين عندما تصدّى لرئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريس في مُنتدى دافوس وفضح عُنصريّته وبربريّته، دفاعًا عن أهل قطاع غزة في وجه عُدوانٍ إسرائيليٍّ أقلّ فداحة في ذلك الحين، ولكنّه بدأ يخرج منها، وبشكلٍ مُتسارع بسبب وقوفه وحُكومته وجيشه العِملاق موقف المُتفرّج رُغم مُرور ستّة أشهر تقريبًا على بدئه.

ما زالَ أمام الرئيس أردوغان فُرصة لإنقاذ سُمعته، ومكانته، وإرثه الإسلامي، بالتصدّي لهذا العُدوان الإسرائيلي عمليًّا، وبكُلّ الوسائل المُتاحة، بوقف كُل الصّادرات التركيّة إلى تل أبيب، وإغلاق السّفارة التركيّة فيها، والإسرائيليّة في أنقرة، والتّلويح باستخدام القُوّة، أو حتّى اللّجوء إليها لإنقاذ مِليونيّ مُسلم (عُثماني سابقًا) من الإبادة و”أن تأتي مُتأخِّرًا خيرٌ من أن لا تأتي أبدا”، ولم يبق من العُمر إلّا القليل يا رئيس أردوغان.

فهل يفعلها الرئيس أردوغان خاصَّةً وأنّه على أبواب انتخابات بلديّة قد تكون حاسمة في تاريخه السياسيّ سلبًا أو إيجابًا؟ نأمَلُ ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *