أخبار عربية ودولية

روسيا ما بعد «هجوم موسكو»: كل الطرق تؤدي إلى أوكرانيا!

سرعان ما تحوّل هجوم يوم الجمعة الدموي، الذي وقع في قاعة احتفالات «كروكاس سيتي» في موسكو، وراح ضحيته عشرات القتلى والجرحى، إلى نقطة تجاذب سياسي وإعلامي بين الحكومة الروسية وخصومها الغربيين. وإذ بدت موسكو مقتنعة إلى حدّ كبير بوجود دور ما لكييف في تقديم الدعم والمساندة الأمنية واللوجستية للمهاجمين، حتى قبل إلقاء القبض على أربعة من أفراد الخلية المشتبه في وقوفها خلف الهجوم، في مدينة بريانسك، على مقربة من الحدود الأوكرانية، انبرت الأطراف الغربية لتكون أشبه بـ«هيئة دفاع» عن أوكرانيا، ينحصر اهتمامها في «ردّ الدفوع» الروسيّة عنها.
علامات استفهام حول دور كييف
منذ الساعات الأولى لوقوع الهجوم الذي تبنّاه تنظيم «داعش – خراسان»، مستتبعاً إعلانه بنشر مقطع مصوّر للحادثة، مال الموقف الرسمي الروسي، وعلى لسان الرئيس فلاديمير بوتين، إلى تحميل كييف، وإنْ بشكل ضمني، جانباً من المسؤولية عمّا جرى، مع التعهد بمعاقبة الجناة «أيّاً كانوا، وأيّاً كانت الجهة التي أرسلتهم» من دون تحديد هوية تلك الجهة. ورغم تفاديه الإشارة إلى تنظيم «داعش»، عاد بوتين، في وقت لاحق، وخلال اجتماع عبر تقنية الفيديو مع مسؤولين في الحكومة والأجهزة الأمنية، ليؤكد أن الاعتداء نفّذه «إسلاميون متشدّدون ظلّ العالم الإسلامي نفسه يحارب أيديولوجيتهم منذ قرون»، معتبراً أن «الولايات المتحدة تحاول، عبر مختلف القنوات، إقناع الجميع، وفقاً لبياناتها الاستخباراتية، بأنه من المفترض أنه لا يوجد أيّ دور لكييف في هجوم موسكو الإرهابي». وفي تلميح إلى تواطؤ أوكرانيا مع المهاجمين – وهو توجّه تبنّته معظم وسائل الإعلام الروسية -، وعطفاً على مواقف سابقة استند فيها إلى «معطيات استخبارية، تؤكد أنه تم تحضير نافذة حدودية لمنفّذي هجوم موسكو على الجانب الأوكراني للعبور إلى داخل البلاد»، تساءل بوتين: «لماذا حاول الإرهابيون الذهاب إلى أوكرانيا بعد ارتكاب الجريمة، ومَن كان ينتظرهم هناك؟»، جازماً بـ«(أنّنا) نعرف على يد مَن ارتُكبت هذه الفظائع ضدّ روسيا وشعبها، ونحن مهتمّون بمعرفة مَن هو المحرّض».
وفي سياق توظيف الحدث الأمني في الصراع السياسي الداخلي، تواترت ردود فعل النخب السياسية والإعلامية الروسية، بين فريق معارض تقيم معظم قياداته في الخارج، وجد في الهجوم فرصة لتوجيه الانتقادات إلى السلطات، واتهامها بالتقصير (أو حتى الوقوف خلف الهجوم لغايات سياسية ودعائية في معركتها مع الغرب)، من مثل الإعلامية الروسية، رئيسة مركز “RPolitik” للتحليلات السياسية المتخصص في الشأن الروسي، ومقرّه فرنسا، تاتيانا ستانوفايا، التي شدّدت على أن تركيز وسائل الإعلام في بلادها على وجود مسؤولية أوكرانية في «هجوم موسكو» إنّما «جاء من خلفية سياسية، لأغراض الاستهلاك الداخلي، على الأغلب»؛ وبين فريق محسوب على «التيار القومي» المؤيّد لبوتين، والذي يرجّح فرضيّة التورّط الأوكراني، ويربط مواقفه بالدعوة إلى التشدّد مع المهاجرين، إقرار عقوبة الإعدام – غير المعمول بها في البلاد -. ومن أبرز هؤلاء، المحلّل السياسي الروسي، سيرغي ماركوف، الذي دعا قيادة بلاده إلى عزل حكومة الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، عبر «المحاولة، قدر الإمكان، الترويج لوجود صلات بينها وبين العملية الإرهابية»، فضلاً عن زميله إيغور خولموغوروف، الذي أعرب عن خشيته من نوايا الغرب في زعزعة «وحدة روسيا حول الحرب وقيادة الرئيس بوتين» بعد فوز الأخير في الانتخابات الرئاسية لولاية خامسة، وكذلك مقدّم أحد البرامج التلفزيونية على «القناة الروسية الأولى»، ديميتري ميلنيكوف، الذي حاول تفسير قلق الغرب من احتمالية ثبوت تورّط أوكرانيا بالقول إن «الولايات المتحدة وأوروبا تدركان أن (ثبوت) هذا التورط سيحمل دلالات على خيارات انتحارية تنتهجها كييف والتحالف المناهض لروسيا بأكمله».

ضخّ الغرب نسخته الخاصة من رواية «هجوم موسكو»، مصرّاً على تبرئة الجانب الأوكراني من أيّ مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة


على المقلب الآخر، ضخّ الغرب نسخته الخاصة من رواية «هجوم موسكو»، مصرّاً على تبرئة الجانب الأوكراني من أيّ مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة في هذا الصدد، من منطلق الزعم بعدم وجود أدلّة تفيد بذلك، وعدم تيقّن أجهزة الاستخبارات الغربية من حقيقة ما إذا كان المهاجمون قد قدموا من خارج روسيا، أم أنهم كانوا جزءاً من خلايا نائمة منضوية تحت لواء تنظيم «داعش – خراسان» تعمل من داخل البلاد. فمن جهته، أشار الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى تلك المعطيات الاستخباراتية لنفي التهمة عن حليفته كييف، والسخرية من مزاعم روسيا في هذا الشأن، مدّعياً بأن بلاده أحبطت، في الأشهر الماضية، هجمات كان التنظيم المتشدّد ينوي تنفيذها على الأراضي الفرنسية، كاشفاً عن عرض تقدّمت به حكومته إلى الجانب الروسي من أجل التعاون في مكافحة نشاطات التنظيم. والأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة، التي روّجت على لسان الناطقة باسم مجلس الأمن القومي، أدريان واتسون، أن حكومتها «قامت مطلع آذار الجاري، بتمرير معلومات استخباراتية إلى روسيا حول هجوم إرهابي يُخطّط لتنفيذه في موسكو».

نشاط «داعش- خراسان» تحت المجهر: أوروبا الغربية وجهة مقبلة؟
على أي حال، يجزم محلّلون بأن الأمن الأوروبي بات في مهداف «الجهاديين الدواعش»، منطلقين من جملة معطيات متضاربة كان قد كشف عنها مسؤولون أميركيون خلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ في شهر تشرين الثاني الماضي، حول النشاطات «الجهادية» العالمية للتنظيم المتشدّد، المنبثق من رحم «الحالة الطالبانية» في أفغانستان، ومن جملتها حديث مديرة «المركز الوطني لمكافحة الإرهاب» في الولايات المتحدة، كريستين أبي زيد، عن أن «تنظيم داعش- خراسان، وفي سياق مساعيه لتنفيذ هجمات في القارة الأوروبية، يعتمد بشكل أساسي على أفراد عديمي الخبرة». وخلال الجلسة نفسها، أوضحت زميلتها، مديرة الاستخبارات الوطنية، أفريل هاينز، أن «معظم الهجمات التي نفّذها تنظيم داعش على مستوى العالم حدثت بالفعل من قِبَل خلايا أو أفرع تنظيمية تابعة للتنظيم تتمركز خارج أفغانستان»، إضافة إلى ما أكده قائد «القيادة المركزية» في الجيش الأميركي، مايكل كوريلا، من أن التنظيم المذكور «لا يزال يحتفظ بالقدرة والإرادة لمهاجمة المصالح الأميركية والغربية في الخارج، خلال فترة لا تتعدّى الستة أشهر، ومن دون سابق إنذار».
ويستعرض هؤلاء تزايد عدد العمليات التي نفّذها «داعش – خراسان» حول العالم على مرّ السنوات الأخيرة، سواء عبر شنّ ضربات في باكستان، أو رصد مخطّطات عدّة كان يعتزم تنفيذها في عدد من بلدان القارة الأوروبية، وإنْ تمّ إحباط معظمها لأسباب تعود إلى ضعف الكادر البشري والتنظيمي التابع للتنظيم في تلك البلدان، على غرار اكتشاف إحدى الخلايا في ألمانيا خلال الصيف الفائت، وأخرى في النمسا في أواخر عام 2023. وفي هذا الصدد، تشير صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن «هناك دلائل مثيرة للقلق تشير إلى أن داعش يتعلّم من أخطائه (من قبيل الاعتماد على عناصر عديمي الخبرة)»، معرّجة على تمكّن التنظيم من توسيع مروحة استهدافاته منذ مطلع العام الجاري، بدءاً بمهاجمة كنيسة في مدينة إسطنبول التركية، وضريح اللواء الشهيد قاسم سليماني في كرمان الإيرانية، وأخيراً أحد المسارح في العاصمة الروسية باعتبارها دليلاً على «تطوّر قدرات التنظيم على مستوى التخطيط والقدرة على الاستفادة من الشبكات المتشدّدة المحلية».
وبخصوص موقف التنظيم من روسيا، يلفت الباحث المختص في شؤون الجماعات الجهادية المتطرفة، في «مجموعة صوفان للبحوث»، كولين كلارك، إلى أن «تنظيم داعش – خرسان بدأ يصبّ اهتمامه نحو روسيا خلال العامَين الماضيَين»، موضحاً أنه «يتّهم الكرملين بأن أيديه ملطخة بدماء المسلمين، جرّاء تدخلاته العسكرية في أفغانستان والشيشان وسوريا». وعن آفاق تحوّل «داعش – خراسان» إلى تهديد القارة الأوروبية برمّتها، يعرب خبراء غربيون في الشؤون الاستراتيجية والإرهاب عن قلقهم من أن الهجمات التي طاولت موسكو أخيراً قد تشجّع التنظيم المذكور على مضاعفة جهوده لضرب بلدان أوروبا، خاصة فرنسا وبلجيكا وبريطانيا ودول أخرى، سبق لها أن تعرّضت لهجمات مماثلة.
تلك المعطيات، تتقاطع مع ما ورد في تقرير للأمم المتحدة، في كانون الثاني الماضي، حول تحوُّل تركيا إلى أحد المراكز اللوجستية الأساسية لعمليات «داعش – خراسان» على امتداد القارة الأوروبية، وهو ما يفسّر تأكيد مسؤولين أمنيين أتراك أن اثنين من المشتبه في تنفيذهم هجوم موسكو «عبروا بحرّية» بين تركيا والأراضي الأوكرانية. وأورد التقرير الأممي أن «بعض الأفراد القادمين من شمال القوقاز وآسيا الوسطى نحو أوروبا، أو أولئك المهاجرين من أفغانستان أو أوكرانيا في اتجاه القارة الأوروبية، يمثّلون فرصة لتنظيم داعش – خراسان (من أجل تجنيدهم) في سياق تعزيز مساعيه لشنّ هجمات عنيفة في الغرب». ويخلص التقرير إلى وجود أدلّة على أن «عناصر داعشيّة قد شرعت في التخطيط لهجمات على الأراضي الأوروبية». وبحسب مصدر استخباراتي غربي كبير، فإن ثلاثة دوافع رئيسة يمكن أن تلهم عناصر «داعش – خراسان» من أجل تنفيذ تلك المخطّطات، أبرزها ما يتّصل بـ«وجود خلايا نائمة تابعة له في أوروبا»، وبـ«الدعم والتعاطف الذي يحظى به لدى الأفراد الناطقين باللغة الروسية الذين يعيشون في البلدان الأوروبية».

خضر خروبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *