خاص الرابطة

الجهاد عزنا والمجاهدون صفوتنا

بقلم: المفتي الدكتور أحمد محي الدين نصار

إنّ الخلق فى عبادة الله وامتثال أمره وطاعته منقسمون الى فريقين؛ فريق قامت عقيدتهم على التسليم لله، واستقام سلوكهم على الصراط المستقيم (وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ وكانوا وفي معارج الوصول إليه سبحانه درجات؛ (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)، (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

وفريق خرجوا من طاعة الله، واستطالوا على شريعته، واستكبروا في أرضه، واعتدوا على عباده بغير الحق، ونازعوا الله في سلطانه، ودخلوا بأقوالهم وقلوبهم وجوارحهم فى حزب الشيطان؛ (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ).

وشرع الله سبحانه لمن أطاعوه جهاد من عصوه وناصبوا له العداء، (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ)، ولئلا يظهر فى الأرض الفساد، (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ)، ولتكون الغلبة للذين آمنوا، (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)، والنصر لأنصار الله ما نصروه، (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ).

وإنّ أفضل الأمم أمّة خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم، (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، واختصّها الله تعالى بالجهاد في سبيله،  وجعله سبيل عزّ هذه الأمة وتركه يعني التخلي عن هذا السبيل والرضى بسبيل الذل والمهانة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم”، وقال تعالى: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

ولما كان فى الجهاد من قتل للرجال، وتشريد للنساء والأطفال، وإزهاق للأرواح وهلكة للأموال، وفيه ما تكره الأنفس، وتتثاقل عنه الأبدان، جعل الله له من الفضل والشرف، ولأهله من المنازل والدرجات، ما تصبو إليه الأنفس العليّة، وتبذل فى سبيله الأرواح الزكية، وتجود بنفائس الأموال، فكان من أعظم الأعمال المقرّبة إلى الله سبحانه، وهو أفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام؛ (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)، فما بعد الصلاة من فريضة أكرم على الله وأبلغ فى محبته من جهاد فى سبيله، وقد أقسم على ذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فقال: “والذي نفسي بيده ما شحب وجه ولا اغبرت قدم في عمل تبتغي فيه درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله”.

وقِيلَ للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: ما يَعْدِلُ الجِهَادَ في سَبيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قالَ: “لا تَسْتَطِيعُونَهُ”، قالَ: فأعَادُوا عليه مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذلكَ يقولُ: “لا تَسْتَطِيعُونَهُ، وَقالَ في الثَّالِثَةِ: “مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ القَانِتِ بآيَاتِ اللهِ، لا يَفْتُرُ مِن صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ، حتَّى يَرْجِعَ المُجَاهِدُ في سَبيلِ اللهِ تَعَالَى”.

ومحبة الله تعالى مستلزمة للجهاد في سبيله، وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).

ويصف الله المحبوبين المحبين بأنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين وأنّهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).

ومن صفاتهم التي تستلزم محبة الله تعالى؛ حرصهم على وحدة الصف والكلمة، فهم كبنيان واحد يكمّل بعضهم بعضاً، ويشد بعضهم بعضاً، يتعاونون على البر والتقوى، ولا يتعاونون على الإثم والعدوان، فلا ظلم ولا خيانة؛ (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) وكما قال سيد الأنام صلى الله عليه وسلم: “المؤمن لِلْمؤْمن كالبُنْيان يَشُدُّ بَعْضُه بَعْضاً، ثُمَّ شَبّك بين أَصابعه”.

والمجاهدون هم صفوة الخلق وسادتهم والناصحون لهم والباذلون نفوسهم ومهجهم لإسعادهم في الدنيا بالتمتع بهذا الدين الذي لا سعادة لهم بدونه، وفي الآخرة بنيل رضوان الله ودخول جناته، فهم أفضل من غيرهم بدرجات من الفضل عند الله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا). صبروا على طحن المعارك، ووهج السنابك، إذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وارتفع الغبار، وصخت المسامع. واختاروا الجوع والعطش والخوف على الشبع والريِّ والأمن، ينام الناس وهم يسهرون، ويتمتع الناس بملذات الدنيا وطيباتها وهم منها محرومون، إذا تغطى القاعدون على سررهم بأنواع الثياب وافترشوا أجود الزرابي وتوسدوا ألين النمارق كان غطاء المجاهدين نقع غبار التحامهم بالأعداء وكان فرشهم الحصى والشوك وكانت وسائدهم أسلحتهم التي يقارعون بها الكفار.

ولقد عرض الرب العظيم على المجاهدين في سبيله سلعته، وأقام فى سوق الإيمان تجارته، فتسابقوا إليها مخلصين، وباعوا أنفوسهم وأموالهم لله رب العالمين، ورغبوا في عاجل لقياه، لينالوا الحياة الآجلة الأبدية التي لا يصطفي الله لها من خلقه إلا خيارهم؛ (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

والمجاهدون في سبيل الله والشهداء منهم منحهم الله من كرمه كرامات؛ فالشهيد يهون الله عليه الموت ويكفيه سكراته وكربه ولا يتألم عند قتله؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ، إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مَسِّ الْقَرْصَةِ”.

وللشهيد سبع خصال كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “للشهيدِ عندَ اللهِ سبعُ خِصالٍ: يُغفَرُ لهُ في أوَّلِ دُفعةٍ من دَمِه، ويُرَى مَقعدَهُ من الجنّةِ، ويُحلَّى حُلَّةَ الإيمانِ، ويُزوَّجُ اثنينِ وسبعينَ زوجةً من الحُورِ العينِ، ويُجارُ من عذابِ القبرِ، ويأمَنُ الفزعَ الأكبرَ، ويُوضَعُ على رأسِه تاجُ الوقارِ، الياقُوتةُ مِنهُ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويُشفَّعُ في سبعينَ إنْسانًا من أهلِ بيتِهِ”.

والشهيد لا يُفتَن في قبره، أي: لا يسأله الملكان في قبره: من ربك؟، وما دينك؟، ومن نبيك؟؛ فقد سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللَّهِ! ما بالُ المؤمنينَ يُفتَنونَ في قبورِهِم إلَّا الشَّهيدَ؟! فقالَ صلى الله عليه وسلم: “كفَى ببارقةِ السُّيوفِ علَى رأسِهِ فتنةً”.

والشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه، ودمه تفوح منه نسائم المسك؛ فقد قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: “ما مِن مَكْلُومٍ يُكْلَمُ في سَبيلِ اللَّهِ إلَّا جاءَ يَومَ القِيامَةِ وكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، والرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ”.

والمجاهد في سبيل الله والشهداء منهم في ضمان من الله تعالى بخيري الدنيا والآخرة؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تضمَّن اللهُ عز وجل لمن خرج في سبيلِه لا يخرجهُ إلا الجهادُ في سبيلي وإيمانٌ بي وتصديقٌ برسُلي، فهو ضامنٌ أن أُدخلَه الجنةَ أو أُرجعَهُ إلى مسكنِه الذي خرج منهُ نال ما نالَ من أجرٍ أو غنيمةٍ”.

والشهادة اصطفاء من الله؛ يختاره الله من بين عباده: قال تعالى: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ)، (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا).

ومن الكرامات التي أثبتها القرآن للمجاهدين؛ أنّه نفى عنهم الموت الحقيقي وأثبت أنّهم وإن كانوا أموات الأجسام، فهم أحياء الأرواح حياة خاصة بهم، غير مضمحلة؛ حياة بمعنى تحقق آثار الحياة لأرواحهم من حصول اللذات والمدركات السارة لأنفسهم، ومسرتهم بإخوانهم، حياتهم ليست هي الحياة المتعارفة في هذا العالم، أعني حياة الأجسام وجريان الدم في العروق، ونبضات القلب، ولا هي حياة الأرواح الثابتة لأرواح جميع الناس في قبورهم في البرزخ، بل هم أحياء عند ربهم؛ مصداقاً لقوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)، مكرمون عند الله بكرامات يتمنون لو يعودون إلى الحياة الدنيا مرة بعد مرة فيجاهدون فيقتلون ويقتلون؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إنَّ أرواحَ شُّهداءِ المسلمينَ في حواصِلِ طيرٍ خضرٍ تغدوا إلى رياضِ الجنَّةِ ثمَّ يكونُ مأواها إلى قناديلَ معلَّقةٍ بالعرشِ فيقولُ لهم الرَّبُّ تبارك وتعالى أتعلمونَ كرامةً أفضل من كرامةٍ أُكرِمتُموها فيقولونَ لا إله إلَّا أنت إنَّا ودِدنا أنَّكَ أعدتَ أرواحَنا في أجسادِنا حتَّى نقاتِلَ مرَّةً أخرى فنُقتَلَ في سبيلِكَ”. عزُّوا على ربهم فنالوا محبته، ورغبوا عن ديناهم فعوضهم جنته، يفزع الناس ولا يفزعون، ويحزن الناس ولا يحزنون، يقولون لربهم جلّ جلاله لو نرجع إلى الدنيا لنقتل فى سبيلك مرات وكرات، ولكن قضاء الله نافذ أنهم إليها لا يرجعون؛ يقول إمام المجاهدين صلى الله عليه وسلم: “ما أحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا وله ما علَى الأرْضِ مِن شيءٍ إلَّا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، فيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِما يَرَى مِنَ الكَرامَةِ”.

ولقد غفل أكثر الأمة عن الجهاد الحقيقي؛ بحب الدنيا وكراهية الموت من جهة، وبفساد وتسلط أمرائها وانحرافهم عن المحجة البيضاء من جهة أخرى، فصُفدّت خيول الجهاد فما عادت تركض، وأسكتت أفواه الأحرار بالسجون والقتل والإرهاب فما عادت تصدح بالحق المنابر، وتكالبت شياطين الإنس والجان على طمس معالم العزة والكرامة وألبست الأمة ثوب الذل والعار، ووالت الكفار والفجار، ولم يبقَ إلا بشارة النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تزالَ طائفةٌ من أمَّتي علَى الحقِّ منصورينَ لا يضرُّهم من خالفَهم حتَّى يأتيَ أمرُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ”، “لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتي يُقاتِلُونَ علَى الحَقِّ ظاهِرِينَ إلى يَومِ القِيامَةِ”، وهم أولئك الذين يقاتلون على أبواب بيت المقدس وما حوله ممن جعلوا قضية فلسطين أولويتهم، واليهود أعداء الله أعداءهم. فطوبى لمن سابق وبادر والتحق بقافلتهم وانخرط في صفوفهم مجاهداً في سبيل الله بما تيسر له، فالزمن يسرع ولا انتظار لبطيء أو متثاقل أو قاعد أو متردد، ومن ينفر مع بزوغ الفجر فسيسبق من توقظه الشمس لأن الطريق إن شاء الله سيزدحم!. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *