سوريا الجديدة: نبني على الإيجابيات
أولاً: إننا نعتقد أنّ كل تغيير يحصل في الخريطة السياسية أو الجغرافيّة في منطقتنا، يصب في تهيئة الأمة للحظة التاريخية التي نؤمن بها، ألا وهي زوال إسرائيل، قد نرى أنّ الأمور تسير عكس هذا الاتجاه، بل إنها تسير نحو التطبيع ونحو الاستسلام للسياسة الأميركية في المنطقة والتي، طبعاً، قد بنيت كلها على دعم وإسناد وتثبيت الوجود الصهيوني في المنطقة، ولكننا نقرأ الأحاديث بما يمكن أن تُخفي خلفها… ونترقب…
ثانياً: لقد ذكرنا في الأسبوع الماضي أننا لا نستحق أفضل ممّا يحصل لنا، لأن الأمة فشلت في امتحان فلسطين وامتحان غزة بشكل خاص، ولم تكن على المستوى المطلوب، وشملنا بذلك الحكومات والشعوب أو أكثر الشعوب العربية والإسلامية، ونحن نؤكد ذلك اليوم.
ثالثاً: تسارعت الأحداث بحيث فاجأ الرئيس الأسد حلفاءه كما أعداءه بسرعة خروجه من المشهد، من دون أن يُلقي كلمة أو يودّع شعبه أو يوصي، مثلاً، الجيش والقوات الأمنية بأن تبقى في أماكنها وأن تتلقى الأوامر من الذين أصبحت الأمور في أيديهم من أجل الحفاظ على مقدرات ومكتسبات الشعب السوري، ومنعاً للفوضى التي قد تكون أسوأ بكثير من مجرد السقوط، أو الهروب من المشهد، وقديماً قيل، إن خطة الانسحاب أهم من خطة الهجوم لأنها تقلّل الخسائر. ومع ذلك فقد تكررت خطيئة الأميركي في العراق، بحيث ألغى الجيش العراقي بحجة أنه جيش البعث، فسادت الفوضى لمدة طويلة، فيما الكل يعلم أن أي جيش يتغير دوره بتغيّر قيادته والعقيدة التي يؤمر بها … إلخ.
رابعاً: سنعمد إلى التأكيد على الإيجابيات التي تجعلنا ننظر إلى المستقبل بعين التفاؤل، عسى أن نرى خيراً من حيث نتوقع أو من حيث لا نتوقع:
1- الإيجابية الأولى: لا شك أن الجميع تفاجأ إيجابياً بروح التعايش والتسامح التي برزت في الأسبوع الماضي، إذ أعلنت «جبهة تحرير الشام»، أنه ليس هناك انتقام، بل تم التأكيد على أن القتل وسفك الدماء ومعاداة الآخرين، كما تمت ممارستها في فترة «الدولة الإسلامية – داعش»، إنما هي أعمال تنتمي إلى فكر الخوارج الذين مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية، كما نقول نحن دائماً، هذا تطور نوعي يفتح الأمل على المستقبل، ويغلق أكبر مصدر للقلق، ونتمنى أن يتم التأكيد على هذا المبدأ وهذه الممارسة، ونتمنى أن تبقى ردود الأفعال في حدودها الدنيا وأن تتوقف عند الحد الذي حصل.
2- الإيجابية الثانية: إطلاق سراح المعتقلين الذين هم بغالبيتهم من معتقلي الرأي والمظلومين، والذين يستحقون رؤية الشمس والعودة إلى أهاليهم، ولقد طغى هذا المشهد على أي مشهد آخر ووجد فيه كثيرون حجة كافية لضرورة إسقاط النظام الأسبق.
3- تشكيل حكومة انتقالية سريعاً، وانتقال الحكم من رئيس الحكومة السابق إلى الرئيس الحالي الذي أظهر مرونة تجاه الآخرين وتحدث عن طيّ صفحة الماضي.
4- عودة النازحين أفواجاً، ما يؤكد أن الشعور بالأمن طغى على المشهد وعمّ أهلنا النازحين من سوريا إلى كل الآفاق في العالم، وكل المظاهر الشعبية التي تُعلن الابتهاج.
أما السلبيات:
1- نحاول أن نقلل منها تأكيداً على روح التفاؤل، ولكن لا بد أن نؤكد على الخوف من التغوّل الإسرائيلي الذي دمر كل المقدرات العسكرية السورية واحتلّ أراضي واسعة تزيد من قدرتهم على فرض شروط مهينة على الشعب السوري الشقيق، ويزيد من قساوة هذا المشهد عدم صدور أي استنكار أو إدانة، أو حتى أي إشارة إلى ضرورة التصدي لهذا العدوان الآثم، ولو في الشكل، ما يحرّك المخاوف التي رافقت الأحداث الأولى في أوائل عام 2011.
2- التركيز فقط على سلبيات النظام السوري السابق، وهي كثيرة طبعاً، ولكن الشرع الحنيف يأمرنا أن نشهد بالحق: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)) (النساء). لقد كان الموقف السياسي للنظام مميزاً، هو النظام العربي الوحيد الذي دعم المقاومة وعرّض نفسه للحرب الكونية، ورفض الانصياع للسياسة الأميركية والحلول التي تفرض الخضوع للمشروع الصهيوني… هذه حقيقة لا تلغيها دياجير السجون ولا ظلم الأجهزة ولا الحملات الإعلامية المموّلة بسخاء.
هل يستطيع الحاكمون الجدد أن يمارسوا هذا الجزء من الواجب الشرعي؟ وطبعاً يطرح هنا سؤال مهم: هل تبقى ثمة إيجابيات للموقف السياسي الصلب والحازم أمام امتهان المبادئ الإنسانية؟ سؤال في محله، وقد يكون الجواب في غاية الصعوبة، ولكن في نفس الوقت: هل كشف عن السجون العربية الآخرى: السعودية كمثال؟ هل كشف عن الخطف والقتل والاختفاء التي مارستها الميليشيات اللبنانية مثلاً، والمفقودين على حاجز البربارة وغيره؟ ويؤلمنا كثيراً أن نسمع جعجع وأمثاله يتحدثون عن حقوق الإنسان والمخطوفين والمفقودين، وفي تاريخهم ما لا يحصى من هذه النماذج، وماذا عن أبو غريب وغوانتانامو وسائر ما تمارسه أميركا من انتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان؟ ومثلهما كثير، إن كانت هذه اللحظة التاريخية قد جعلتنا نرى سجون سوريا فلعل سجون الآخرين ليست أفضل، ولنتذكر فقط (جمال خاشقجي) وماذا حل به.
هذا بالتأكيد لا يبرر، ولكن نحاول أن نضع الأمور في نصابها.
خامساً: حليف المقاومة: سؤال تاريخي: كيف ترضى المقاومة وهي ترفع أقدس الشعارات وتمارس أرقى سلوك أخلاقي، بحليف يرتكب مثل هذه المخالفات الشرعية؟ الجواب: إن المقاومة لم تكن مع هذا النظام، بل هو الذي كان مع المقاومة، بمعنى أن موقفه الفريد كان يفرض على المقاومة التعامل معه تحت العنوان الشرعي: (الضرورات تبيح المحظورات).
فلا يخفى على أحد أن ممر السلاح الرئيسي للمقاومة كان من سوريا، كما أنه قدّم خدمات جلّى، نكتفي فقط بتمرير صواريخ الكورنيت عام 2006، والتي حسمت المعركة في آخر أيامها، مع تأكيدنا أن أداءه في هذا الصدد كان مختلفاً جداً في العام الآخر، كما أنّ سيد المقاومة، أعلى الله مقامه، وكثيرين غيره، كانوا قد قدموا كثيراً من النصح بهدف إصلاح الخطايا التي ترتكب باسم الحفاظ على الأمن، وكان الجواب دائماً، لا نملك أسلوباً آخر في الحفاظ على الأمن، وهي ما درجت عليه الأنظمة في سوريا منذ تعاقب الاغتيالات في الخمسينيات، وهذه قضية شائكة تحتاج إلى مقال خاص.
وكما قال ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، إن الدول مثل البشر، تمر بحالات الطفولة والشباب والشيخوخة والموت، وقد تأتي مقويات مثل أبر التقوية تزيد من عمر نظام ما، الرئيس بشار رفض أبر التقوية في السنتين الأخيرتين.
سادساً: الشعب السوري: نتمنى أن تسير الأمور باتجاه إجراء انتخابات حقيقية، حتى تظهر خيارات الشعب السوري من دون ضغوط ومن دون تشويه، اليوم ثمة عوامل كثيرة أسهمت في التغيير وليس فقط إرادة الشعب السوري، وأهم هذه العوامل قانون قيصر الذي حرم عامة الشعب السوري من أبسط مقومات الحياة واحتلال الأميركي لمنابع النفط والميليشيات التركية وغيرها التي نهبت مصانع حلب وغيرها.
أُنهك الشعب السوري عبر حرب شاركت فيها دول كثيرة وقادرة، وأنفقت الأموال الهائلة حتى وصلنا إلى هنا، اختصار المشهد بأن الحديث عن أن ما حصل هو ما يريده الشعب السوري، فيه الكثير من المبالغة.
*رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة الشيخ ماهر حمود

