أخبار لبنانية

إعادة الإعمار وفرصة الدفع قدماً

من الواضح للعارفين ولمتابعي آليات وخفايا إجراء أو تحضير المسوحات في أي مجال، أن عملية مسح الأضرار الناتجة من العدوان الإسرائيلي على لبنان، تسير بوتيرة سريعة جداً، نظراً إلى العدد الكبير من الأبنية أو الوحدات المتضررة أو المهدّمة من جهة، وإلى اتساع الرقعة الجغرافية المطلوب تغطيتها من جهة أخرى. فقد تبيّن أن القائمين على المسح استفادوا من تجربة عام 2006 في إعداد الخرائط وتقسيمها إلى مربعات، وإعداد الهيكليات المطلوبة وتحديد فرق العمل واستمارات المسح المحترفة في صياغة الأسئلة وطريقة طرحها، فضلاً عن إعداد برامج إدخال المعلومات واستقطاب المتطوعين وفرزهم على المراكز وغيرها من تفاصيل العمل الكثيرة التي بدأت من الضاحية فيما كانت الحرب في أوجّها، وذلك في وقت قياسي يمكن تثمينه عالياً. ورغم كثرة الارتكابات العدائية التي لا تزال مستمرة، ورغم ضبابية المشهد السياسي المقبل الذي يُعوّل عليه لبناء حالات من الاستقرار، كان لا بدّ من النظر في الاستفادة من عملية إعادة الإعمار باعتبارها فرصة يمكن التعويل عليها للنهوض في مختلف المجالات، بما يمكنها أن تنعكس إيجاباً ورفعة لمجتمع مضحٍّ في مجالات شتى بينها الإسكان والاقتصاد والاجتماع والبيئة.

قد يكون هذا الوقت هو الأنسب
لإعادة النظر في مضمون مشروع
أليسار وكيفيّة تطبيقه



ويمكن عبر إجراء مقارنات بسيطة للواقع الاقتصادي والإعماري والإنمائي لقرى البلدات الحدودية – على سبيل المثال- ملاحظة التطوّر الكبير الذي طرأ في المجالات المتعدّدة بعد كل حرب أو اجتياح. لكن التمعّن في المقارنات نفسها يُظهر أن هذه التطورات حصلت بشكل عشوائي وغير مدروس في عدد من القرى، إذ لم تتمكن أي جهة من فرض حماية فعليّة لما تبقى من حقول زراعيّة، ولم يجرِ وضع خطط للاستثمار في أملاك البلديات أو المشاعات التي حصل التعدي على معظمها، ولا جرى إعداد مخطط توجيهي حقيقي لتوطين أنواع الصناعات المختلفة، ولا جرت الاستفادة من الفرز المسبق للنفايات، وتُرك على عاتق الأفراد والشركات العقارية القيام ببناء المساكن كيفما اتفق من دون توجيه لاتخاذ اتجاه معماري معين ينسجم مع البيئة والطبيعة العامة للمناطق تماشياً مع تراثها وتاريخها، كما تُرك على عاتق الأفراد تحديد الاتجاهات العامة الاقتصادية الأخرى فجرى توطين أنواع المقاهي التي احتلت الأرصفة والساحات العامة، وتم غضّ النظر عن أصحاب الدراجات النارية الذين تجاوزوا كل خطط السير والإشارات العامة والشرطة البلدية، كما حدث أن نشأت حديقة عامة تحت جسر في وسط أكثر الأمكنة ازدحاماً، فما أدت وظيفتها كحديقة ولا استوفت أياً من الشروط التي يُفترض أن تلتزم بها. من هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كامل التجربة السابقة، وهو أمر ممكن نظراً إلى حجم الدمار الحاصل في عدد من الأمكنة، بحيث ينبغي لعملية إعادة الإعمار – التي هي عملية تعني القطاع العقاري ومتعلقاته حالياً، أن تصبح في صلب عملية النهوض الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمجتمع، وهذا يتطلب الكثير من الجهد الإضافي فضلاً عن ذاك المبذول حالياً.
ورغم الصعوبات التي يواجهها مجتمعنا حالياً، وعلى رأسها أولوية تأمين السكن للأسر المتضررة، إلا أنه يمكن بالتوازي البدء بالتخطيط لجعل الأمكنة التي نعيش فيها وننتمي إليها لائقة بالناس الذين ينتمون بكلّهم إلى هذا الوطن. وهذا ما يجعلنا نقدم على طرح عدد من الاقتراحات:
1- إظهار وإبراز هويّة مدينيّة خاصة مستقلة للضاحية الجنوبيّة تعكس ثقافة وروح المكان ورمزيته العالية وتضحيات ساكنيه وانتمائهم، ويمكن تغيير اسم «اتحاد بلديات الضاحية الجنوبيّة» إلى مقترح: «اتحاد بلديات مدينة السيّد» مثلاً.
2- يجب أن تكون ساحة الشورى أول الأمكنة التي ينبغي أن يُعاد النظر في تنظيمها باعتبارها الموقع الأمثل الذي يختزن الكثير من هوية الضاحية، وموقع توزّع الأحياء المحيطة فيها، وهي إلى ذلك تضمّ كل العناصر الإنشائية المطلوبة للساحة: المسجد (مجمع السيدة زينب عليها السلام)، السوق، شجرة الكينا القديمة، الأبنية السكنية فضلاً عن إمكانية أن تصبح الساحة مكاناً مثالياً لإقامة الأنشطة الثقافية والاجتماعية والاحتفالية المركزية، ولا سيما منها مناسبة عاشوراء.
3- بالتوازي أيضاً، يمكن العمل على إعادة بناء القرى الحدودية التي جُرّف غالبيتها مثل عيتا الشعب أو كفركلا أو محيبيب عبر تأسيس شركات خاصة بها لإعادة الإعمار تحمل اسمها (وعد إعادة إعمار عيتا الشعب مثلاً)، تستند إلى مخططات توجيهية عامة للاستفادة من الإعمار في تعزيز الحضور الاقتصادي والاجتماعي المستقبلي الحقيقي والفعّال المستفيد من مكوّنات القطاع العقاري وباقي القطاعات الإنتاجية الأخرى. شرط أن تلحظ هذه المخططات إعادة الاعتبار لموقع التراث في ذاكرة المجتمع.
4- كذلك لا تخفى في هذه المرحلة الصعبة والحرجة التي يمر بها لبنان أهمية أن تحصل عملية التخطيط هذه بالمساندة والمواكبة من قبل كل الأجهزة الرسمية وغير الرسمية ونقابة المهندسين والجامعات والأساتذة والمتطوعين والفعاليات المحلية باعتبار الحاجة إلى كل العقل التخطيطي من جهة، وإلى أهمية التأسيس لمشاركة مجتمعية عمادها الفئات الشبابية من جهة ثانية.
5- قد يكون هذا الوقت هو الأنسب لإعادة النظر بمضمون مشروع أليسار وكيفيّة تطبيقه، لجهة إعادة طرح تنفيذ المشروع مع تبنّي عدد من التعديلات الضروريّة بما يسمح بالاستفادة من بناء المساكن الشعبيّة للأسر التي تشغل حالياً أملاكاً بلديّة أو أملاكاً للغير أو مشاعات.
أخيراً، قد لا تحتاج كل الأفكار والمقترحات المطلوبة إلى تمويل كبير، فبعضها يمكن تمويله عبر تقليص الهدر، وبعضها يمكن تمويله عبر تأسيس أنماط جديدة للإدارة وللشراكات الفعالة بين المتمولين وبين أصحاب المصالح والفعاليات واتحادات البلديات، والبعض الآخر يمكن التعويل عل نجاحه عبر الدفع باتجاه أخذ المبادرات التطوعية، لكن من المؤكد أننا الآن في سباق وتحدٍّ مع الوقت لتخطي المدة المطلوبة لإعادة بناء مناطق أجمل وأقوى ممّا كانت.

* مهندسة

مها لطف جمول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *