أخبار لبنانية

16 شباط 1985: أربعون عاماً على التحرير الأول

أطلقنا عليه التحرير أو الانسحاب الأول، مع أنه الانسحاب الثاني بعد الانسحاب من الجبل في خريف 1983. ولكن، يبقى الجنوب قلب الصراع، والهدف الصهيوني الرئيسي منذ اجتياح 1982.

هو التحرير الأول، إذ انسحب العدو من صيدا وأكثر الجنوب اللبناني، فكان انتصاراً مدوّياً ومفاجئاً، ولا أزال أذكر أنه قبل الانسحاب بحوالى أسبوع، قمنا بجولة في بيروت على فاعليات سياسية ودينية استعداداً لما بعد الانسحاب، فكان رأي إحدى الفاعليات البارزة: «لا تصدّقوا. لن ينسحب العدو الإسرائيلي…

والجنوب سيُضَمّ إلى الكيان الصهيوني مثل الجولان». ولا شك في أن هذا الرأي كان سائداً إلى حدٍّ كبير، ولم يكن عدد لا بأس به من المراقبين مقتنعاً بأن العدو سينسحب، لأنه بذلك يناقض العقيدة الصهيونية، وبدليل ما يبنيه العدو من تحصينات.

كان الخوف من مجازر ومن مؤامرة إسرائيلية تشبه المؤامرة على الجبل هاجساً يؤرّق الجميع، إذ لم ينسحب العدو الصهيوني قبل أن يزرع بذور الفتنة، ويؤمّن كل مستلزماتها، فوقعت مجازر مروعة بين المسيحيين والدروز بعثت برسالة مشوّهة إلى الرأي العام المحلي والدولي بأن إسرائيل «حاجة» للبنانيين، وأن ما يحصل بينهم من مجازر أشد ممّا مارسته وتمارسه في حقهم.

شعر الصهاينة بالهزيمة لأن مشروع الفتنة سقط، فأوعزوا إلى الميليشيات المتعاملة معهم بشن هجوم مفاجئ على مدينة صيدا

كان هذا الهاجس كبيراً للجميع بكل انتماءاتهم وكأنّ نفيراً عاماً قد صدر، فتسابقوا إلى ملء الفراغ الأمني الذي سيحصل إثر التحرير، وكان لافتاً النشاط الاستثنائي لحكومة الرئيس رشيد كرامي، بمتابعة حثيثة من وزير التربية آنذاك الرئيس سليم الحص، عبر تشكيل كتيبة من الجيش اللبناني تتآلف مع التركيبة الديموغرافية لصيدا ومحيطها بشكل خاص، وتمنع الاحتكاك مع ميليشيات «القوات اللبنانية» وغيرها في شرق صيدا من المتحالفين مع العدو الصهيوني. وكان دور «الوسيط السعودي الشيخ رفيق الحريري»، كما كان اسمه في الإعلام وقتها، متميزاً.

تشكّلت الكتيبة 89 من الجيش اللبناني التابعة للواء الثاني عشر، بقيادة العميد حسن طوط من القلمون (جنوب طرابلس)، وكانت غالبية عناصرها من عكار وغيرها، أي من السنّة، وكانت مهمتها ضبط الأمن وملء الفراغ الأمني بعد التحرير.

لكنّ المخاوف كانت لا تزال مستمرة، وكان لافتاً تصريح محافظ الجنوب وقتها حليم فياض، عندما جرى الانسحاب لاحقاً ولم تحصل الفتنة المتوقعة، بأن المخاوف التي بثّها الاحتلال عن فتنة ستحصل إثر الانسحاب تشبه قصة «راجح»، العدو الوهمي المتخيل في مسرحية «بياع الخواتم» للسيدة فيروز والرحابنة، وكان التشبيه موفقاً جداً.

شيء من التوتر


حدث شيء من التوتر والجدل الداخلي إثر مسيرة دعينا إليها، الإثنين 18 شباط 1985. كانت المسيرة التي انطلقت من بيروت احتفالاً بالتحرير حاشدة، وشارك فيها حشد كبير من الجنوبيين الذين سيستأنفون رحلتهم إلى قراهم وبلداتهم في الجنوب، ورُفعت صور شهداء صيدا، وفي مقدمتهم شهداء «قوات الفجر»، أو الذراع العسكرية للجماعة الإسلامية في لبنان، جمال حبال ومحمد علي الشريف ومحمود زهرة وغيرهم، وصورة الشيخ محرم عارفي الذي كان معتقلاً في أنصار، وكان في طليعة التظاهرة علماء دين، من بينهم السيد عباس الموسوي، ولم يكن قد أُعلن عن حزب الله بعد.

وقد وقعت على هامش المسيرة ثلاثة أحداث كانت محط اهتمام الإعلام والفاعليات الصيداوية، وحاولت النوايا الخبيثة صرف النظر بها عن كل الإيجابيات التي ترافقت مع التحرير. الأول، ظهور سلاح خلف علماء الدين والشخصيات التي تصدّرت المسيرة؛ والثاني، إقدام مجموعة صغيرة على حرق العلم اللبناني؛ والثالث، تحطيم بعض المتظاهرين لمحلات بيع الخمور التي انتشرت إبّان الاحتلال.

كانت الفاعليات الصيداوية تلتقي دورياً في منزل المرحوم النائب والوزير نزيه البزري. وكان هؤلاء يطلّون من على شرفة المنزل، يستقبلون القادمين إلى المدينة للتهنئة والاحتفال، فيما كان شارع رياض الصلح الوحيد آنذاك الذي يخترق المدينة من شمالها إلى جنوبها. والحق يُقال إن الوزير البزري كان يستحق أن يكون ممثلاً لهذا التحرير، على الأقل من الناحية الرسمية، بسبب مواقفه الواضحة والجريئة خلال مدة الاحتلال. لكن، ليس كل من كان يقف على الشرفة معه يستحق أن يكون من المحتفلين بالتحرير.

صدر عن الفاعليات بيان استنكر مظاهر الفوضى التي ظهرت وبروز السلاح حيث لا ينبغي، لأن عدم ظهور السلاح كان بنداً رئيسياً في الخطة الأمنية. وهكذا، أصبحنا في موقع الدفاع، فيما كان المفترض أن نكون «أبطال» التحرير وأصحاب هذه المناسبة التاريخية. والحقيقة أن ما حصل كان المسؤول عنه الرئيس أمين الجميل بشكل أو بآخر.

كان ردّنا أنّ ظهور السلاح لم يكن مقصوداً ولا استعراضياً، بل كان سلاح المرافقة فقط. أما المجموعة القليلة التي أحرقت العلم اللبناني، وهو أمر مستنكر بالتأكيد، فلها أفكار خاصة بها، ولولا أن أحد المصورين التقط صورتهم لما شعر بهم أحد، إذ إنهم ليسوا من المنتسبين إلى أي حزب أو تنظيم. وبالتالي، فقد كان ظهور بعض التجاوزات أمراً عادياً، لولا أن الإعلام المغرض حرص على إبرازها. أما تحطيم محلات الخمور، فكان رد فعل طبيعياً من مجموعة محدودة العدد أيضاً فوجئت بالانتشار الكبير لهذه المحلات في مدينة لم تعتد ذلك سابقاً. وفي المحصّلة، لم نكن وقتها مؤهّلين لضبط جمهور عريض ضم خليطاً ممّن جمعتهم مشاعر الفرح بالانتصار العظيم.

زيارة أمين الجميل


ولفهم قصة هذه المسيرة، لا بد من الحديث عن زيارة الرئيس أمين الجميل لصيدا. كنّا، الأحد في 17 شباط، قد دعونا قبل تحديد موعد الانسحاب الإسرائيلي إلى مسيرة تحت عنوان «بشير الدمار وأمين الدولار»، احتجاجاً على انخفاض سعر صرف الليرة التي وصلت إلى 12 ليرة مقابل الدولار الواحد، وكان ذلك كارثياً وقتها. أثناء المسيرة وصلتنا أنباء زيارة الجميل لصيدا، وكان فيها كثير من الاستفزاز لأهل المدينة، وخصوصاً للمقاومة وأهلها.

إذ دعيت فعاليات المدينة إلى الاجتماع في السراي الحكومي، ومن بينهم المطران اغناطيوس رعد الذي تعاون مع العدو الصهيوني علناً خلال مدة الاحتلال، واتخذت البطريركية الكاثوليكية بحقه إجراءات صارمة لاحقاً، ما أدى إلى استقالته وهجرته من البلد. وهو برّر «التعاون» مع الاحتلال بالمجزرة التي ارتكبت بحق أقاربه في بلدة كفرنبرخ الشوفية.

لدى حضور مفتي صيدا والجنوب محمد سليم جلال الدين إلى الاجتماع الذي دعا إليه الجميل، فوجئ بوجود المطران رعد، فرفض المشاركة وقام غاضباً أمام الكاميرات، واستشهد ببيت الشعر المشهور لأمير الشعراء أحمد شوقي: وللحرية الحمراء باب/ بكل يد مضرّجة يُدقّ. عندها، عمل معاونو الرئيس الجميل على إخراج المطران من الاجتماع.

وبرز في مقابل ذلك الموقف الوطني الفاعل للأب سليم غزال، قبل أن يصبح مطراناً، والذي حاز ثقة الصيداويين وأهالي المنطقة ومحبتهم، ولم يكن يراعي أحداً عندما يحتاج الأمر إلى موقف، ولا يزال موقفه إزاء برنامج عودة النازحين من قرى صيدا لاحقاً يذكره المعنيون، إذ أعلن إزاء بعض التردّد وعدم الجدية في هذا الأمر: «لن أكون شاهد زور على هذه المرحلة».

أما الاستفزاز الثاني، فكان في كلمة الرئيس الجميل الذي تحدث عن التحرير بالعامية، وبلهجة جبلية، أكد فيها أن المقاومة «اللِبنانية» (بكسر اللام) هي التي حررت، من دون ذكر المقاومة الإسلامية أو الوطنية، أو حتى أهل الجنوب أو أي تعبير آخر. ومعلوم للجميع أن هذا التعبير كان يطلق على «القوات اللبنانية» في مناطقها، وبالتالي كان تدليساً خبيثاً كما فهمه المعنيون.

وباختصار، مجرد قيام الجميل بهذه الزيارة السريعة بالمروحية التي حطت في ثكنة صيدا، على بعد مئات الأمتار من السراي، كانت محاولة لاحتواء هذا الحدث التاريخي المهم واستفزازاً حقيقياً، لأنه كان قد فقد التأييد الشعبي وأصبح مرفوضاً من الجهات الوطنية لما قام به في اتفاق 17 أيار، وبسبب ممارساته الطائفية والفتنوية التي طبعت السنوات الثلاث التي مرت من عهده، خصوصاً قصف الضاحية والجبل، وما رافق ذلك من معارك شرسة وانتهاكات.

باختصار، اتُخذ القرار بالمسيرة خلال التظاهرة في بيروت لدى شعورنا جميعاً بالإهانة من جراء ما وصلنا من أخبار عن زيارة الجميل لصيدا.

الطامة الكبرى


سارت الأمور على ما يرام بعد ذلك، واستوعب الجميع دقة المرحلة. ولكن، كان الجميع يتوجس مما قد يحدث في شرق صيدا، وخصوصاً المناطق التي سكنها صيداويون في عبرا والهلالية والصالحية وغيرها، حيث كان مسلحون استُقدموا من خارج المنطقة من «القوات اللبنانية» وبقية الميليشيات التي تعمل تحت رعاية الاحتلال. ولكن لم يتوقع أحد ما حصل في 18 آذار، فجأة ومن دون أي مقدمات.

شعر الصهاينة بالهزيمة لأن مشروع الفتنة سقط، فأرادوا الانتقام، وأوعزوا إلى الميليشيات المتعاملة معهم بشن هجوم مفاجئ وغير مبرر على مدينة صيدا بكل مكوناتها…

واختاروا الساعة الواحدة ظهراً حين يكون الرجال وبعض النساء في أعمالهم وتكون البيوت التي يشغلها صيداويون في شرق صيدا فارغة نسبياً، فقاموا بفصل شرق صيدا عن غربها، وجعلوا القياعة والبرامية خط تماس مع المدينة، وبدؤوا، من دون أي مبرر عسكري أو اجتماعي أو سياسي، باستهداف المدينة والمدنيين والبيوت والمارة بالقصف والقنص، وأقدموا على خطف بعض الأهالي، فيما تمكن البعض الآخر من الفرار من ذلك «الحصار»، ونُهبت البيوت بشكل بشع. وذاعت أسماء مرتكبين، ما كان لأكثرنا سوداوية أن يتخيل أن أمثال هؤلاء يمكن أن يكونوا بهذا الحقد والقبح، من بينهم طبيب الأسنان المشهور ج. ع. الذي أمضى عمره في صيدا، وعند تحرير شرق صيدا عوقب بمسح بيته عن وجه الأرض.

استمر هذا الهجوم 39 يوماً، ولم يكن ثمة ما يدعو إلى ذلك على الإطلاق، وبالتأكيد لم تكن في ذلك أي مصلحة للمسيحيين في شرق صيدا، ولا حتى «القوات اللبنانية»، بل كان الأمر تنفيذاً لأوامر إسرائيلية لا تخفى على أحد.

والطامة الكبرى أن جيش العدو الإسرائيلي انسحب فجأة إلى منطقة جزين من دون أي تنسيق مع «القوات» ومن دون إبلاغ الأهالي، وشاع وقتها أن المسلحين الذين أتوا من صيدا وجدوا أوعية الطعام على النار، إذ لم يتوقع أحد انسحاب الصهاينة ومن دون أي تنسيق.

وهنا كان لا بد من وقوع الكارثة، فتم الاستيلاء على المنطقة التي كان يشغلها الاحتلال. وكان أمراً كارثياً يشعر فيه الإنسان أن الجميع أصبح ألعوبة المحتل، أو كأنهم أحجار على رقعة شطرنج يحركها الاحتلال: الفعل كان صهيونياً محضاً، ورد الفعل يخدم الصهيوني ويحقق أهدافه، وهو الفتنة وتعميق الانقسام بين اللبنانيين.

استطاع العدو أن ينجز المؤامرة التي خطط لها، ودخلنا بعد ذلك في تحديات جديدة: إعادة الإعمار وإعادة المهجرين والتقريب بين النفوس وإيضاح الحقائق… وكل ذلك استغرق وقتاً طويلاً، وضاعت إلى حد ما الفرحة العارمة التي عمّت الجميع باندحار الاحتلال.

التحدي الآخر، هو كيف يتم الإمساك بالوضع الأمني. وقد تبرّع وقتها الشهيد رفيق الحريري بتمويل الشرطة الأمنية التابعة لـ«جيش التحرير الشعبي – قوات الشهيد معروف سعد» التي ضبطت الأمور إلى حد ما، وأنشئ ما يشبه الإدارة المحلية لملء فراغ الدولة، ولم تكن لترضي المواطنين بسبب فرض الضرائب والأتاوات، ولكن على ما هو ظاهر، كان ذلك أمراً لا بد منه.

وظلت الأمور في مراوحة سياسية وأمنية حتى تقرر انتشار الجيش اللبناني في الأول من تموز 1991، فبدأت مرحلة جديدة تزامنت مع بدء تنفيذ اتفاق الطائف، وهذه المرحلة تحتاج إلى تأريخ تفصيلي لدراستها.

ينبغي أن نتذكر تلك الأيام للتحذير من جديد من قدرة العدو الصهيوني على اختراق جسدنا، والتغلغل في أحزابنا ونسيجنا الاجتماعي بشكل يشعرنا بالعجز أحياناً، ويدفع البعض إلى الاستسلام للمؤامرة… ولكن تبقى روح المقاومة هي التي تبعث الحياة في جسد الوطن، وتؤمّن حصانة ومناعة لا يمكن الاستغناء عنها.

ليس الهدف من فتح هذه الصفحة نكء الجراح بالتأكيد، ولكن التحذير من الخطر الصهيوني المستمر، ومن توجيه الاتهامات والتقليل من قيمة المقاومة التي أجبرت العدو على الانسحاب مرتين أو ثلاثاً، والتركيز على الخلل الكبير الذي حصل في معركة الإسناد، من دون الحديث عن سنوات من توازن الردع الذي لا يخفى على أحد.

الصهيونية عدو لن يتوقف عدوانه، فاحذروا أيها اللبنانيون من الثقة بما يسمى المجتمع الدولي والضمانات الدولية، واحذروا بشكل خاص من التفسير الأميركي – الصهيوني – الانعزالي للقرار 1701، ما يهدّد بمرحلة من التوتر والخداع والمكر الأميركي – الصهيوني.

الشيخ ماهر حمود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *