«جيش» المسرّحين من الدولة: تأمين الكفاف كمعركة يومية
تفاقمت الأوضاع المعيشية في الساحل السوري بشكل كبير، خلال الأشهر القليلة الماضية، التي أعقبت سقوط النظام السابق، وقيام الإدارة الجديدة بتسريح جميع منتسبي الجيش والشرطة، وآلاف الموظفين المدنيين، الذين وجدوا أنفسهم بلا دَخل بعد توقّف رواتبهم، وبلا منازل بعد طردهم منها بالقوّة وتحت التهديد. وانضمّ أولئك إلى آلاف الجرحى وذوي ضحايا العمليات العسكرية، والمتقاعدين العسكريين بعد عام 2011. ثم جاءت مجازر الساحل، في آذار الماضي، فضلاً عن عمليات الخطف والتصفية بدم بارد، لتطرح السؤال الأهمّ، اليوم: كيف تعيش آلاف الأسر في الساحل؟
خوف… وخوف
بات الخوف في الساحل مزدوجاً: خوف على الحياة نتيجة عمليات القتل والتصفية، التي هي في معظمها عشوائية لا تمييز فيها سوى على الهوية والطائفة؛ وخوف من الوقوع في الجوع مع توقّف كل مصادر الدخل التي يمكنها أن تؤمّن الحدّ الأدنى من الكفاف المعيشي.
حاله حال كثيرين، طُرد سليمان، وهو ضابط سابق، من وظيفته، من دون أن يحصل على أيّ تعويض مالي، علماً أنه ليس متورّطاً في جرائم حرب. وفي حديثه إلى «الأخبار»، يقول الرجل: «كل مَن كان يعمل في مؤسسات الدولة بنزاهة، كان مضطراً للالتزام بعمل آخر ليتمكّن من توفير احتياجات أسرته المعيشية. اليوم، كثيرون فقدوا عملهم في الدولة بعد طردهم أو تسريحهم، وهو ما تزامن مع تراجع في النشاط الاقتصادي في المنطقة، ووجود عرض كبير من اليد العاملة رخيصة الأجر، ما أقفل الباب أمام الأعمال الأخرى». وهكذا، غدت آلاف الأسر بلا أيّ مصدر دخل إلى درجة أنّ هناك أسراً باتت تعجز عن شراء ربطة خبز يومية، وفق ما يؤكّده أيضاً مختار إحدى القرى في ريف الدريكيش، كاشفاً أنّ «أكثر من 75% من أبناء القرية والقرى المجاورة، كانوا يعملون في الجيش والشرطة، أو من المتقاعدين الذين توقّفت رواتبهم. وفي ظلّ انقطاع رواتبهم، فإنّ معظم هؤلاء يعتمدون في معاشهم اليوم، على مدّخراتهم البسيطة، أو بيع ما يملكونه، أو على المساعدات، أو القيام ببعض الأعمال الخدمية الصغيرة لتأمين قوت يومهم».
ولم تجد مشكلة وقف رواتب آلاف العاملين في مؤسسات الدولة والجيش، والتي تعتبر السبب الأساسي في تفاقم الضائقة المعيشية، طريقها إلى الحلّ، رغم الجهود التي بذلتها الشخصيات الاجتماعية. وبحسب ما يذكر أحد أعضاء «لجنة السلم الأهلي» التي تم تشكيلها من الفاعليات المجتمعية في طرطوس، فقد «كانت هناك محاولات جادّة لمناقشة ملفّ وقف رواتب عناصر الجيش والشرطة السابقين، إضافة إلى المتقاعدين العسكريين بعد عام 2011، وبعض الحالات الإنسانية للجرحى والمصابين، لكن لم نتلقّ في اللجنة أي ردّ رسمي. وبعد إلحاح كبير للحصول على إجابة من بعض المسؤولين في المحافظة، جاء الردّ كالتالي: الموضوع أكبر من صلاحياتنا وهو ليس من اختصاصنا، وعليه تم إغلاق الملفّ حالياً».
لم يكن الساحل ينعم سابقاً بالخير، نتيجة سياسات التفقير، المقصودة وغير المقصودة
ومع تعزّز القناعة بأنّ معالجة رواتب العاملين، وتحديداً العسكريين، ليست بالقريبة زمنيّاً، وفي وقت استنفدت فيه الأسر كل مدّخراتها، لجأ العسكريون السابقون من ضباط وعناصر إلى مهن جديدة تؤمّن على الأقلّ مصروف «طبخة اليوم». فهناك مَن وجد في بيع الخضار والحطب وجمع أوراق الغار والعنب والنباتات الطبية حلّاً، كما هو حال علي، العسكري السابق، الذي نجا من موجة المجازر الشهيرة، لكنه خسر بيته الذي تحوّل إلى ركام أسود بفعل حرقه من الفصائل المسلحة. في حديثه إلى «الأخبار»، يقول: «بحثت كثيراً عن فرصة عمل لدى أيّ شركة أو منشأة، فلم أجد. ففكّرت في استئجار سيارة صغيرة أحمّلها يومياً ببعض الخضار والفواكه، وأنطلق لبيعها في بعض قرى ريف المدينة. ورغم أنّ ذلك يوفّر لي بعض المال، لكني لا أزال أعيش حياة يسودها القلق والخوف كوني لا أحمل هوية»، فيما اتّفق نزار مع زوجته على تحضير وإنتاج مشتقات الألبان في المنزل، ومن ثم بيعها وإيصالها إلى الزبائن على دراجة نارية، و«أحياناً أقوم بتوصيل بعض الطلبات الخاصة».
في المقابل، هناك مَن حاول الاستفادة من تحصيله العلمي؛ فمثلاً، فواز، وهو ضابط مهندس متخصّص في الإلكترونيات من ريف جبلة، بقي من دون عمل لمدّة أربعة أشهر، باع أثناءها جزءاً من أثاث منزله ليصرف على عائلته. و«مع غياب أيّ أفق لحلّ مشكلة رواتبنا»، قام بنشر إعلان على وسائل التواصل الاجتماعي عن استعداده لإصلاح جميع الأجهزة الكهربائية ضمن منزله. والبداية، بحسب ما يذكر، «مقبولة، والناس تعاطفت معي». كما يقوم عدد كبير من ضباط الجيش السابقين، والذين يحملون شهادات علمية عالية، بإعطاء دروس خصوصية لطلاب المدارس بأسعار رمزية، فيما لجأ آخرون إلى بيع مختلف أنواع السلع ضمن بيوتهم.
تكافل وجبر خواطر
طبيعة المبادرات الاجتماعية التي انتشرت، أخيراً، تُظهر ماهية المأساة المعيشية التي تعيشها أسر كثيرة في الساحل. ففي منطقة دريكيش، أطلقت الفعاليات المجتمعية، بالتعاون مع الأشخاص المقتدرين في القرى، مبادرة اجتماعية قوامها توفير ثمن الخبز يوميّاً للأسر التي ليس لديها دخل، أو توقّف راتب معيلها، وذلك فضلاً عن المبادرات الكثيرة المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي والتي تستهدف الأسر الفقيرة، أو تلك التي تضرّرت من جرّاء مجازر الساحل المستمرّة.
وبعيداً من المبادرات، يحاول كثيرون، اليوم، بما هو متاح، مساعدة بعضهم البعض لمواجهة هذه الظروف الصعبة، وتقاسم لقمة العيش. يقول وسام، من ريف بانياس، وهو صاحب سيارة أجرة، لـ«الأخبار»: «عاد إلى قريتنا عدد كبير من عناصر الجيش والشرطة المسرّحين، ومنهم صهري الذي أصبح بلا دخل ولديه أسرة من أربعة أفراد. لم أجد ما أساعده به سوى تقديم سيارتي له ليعمل عليها صباحاً من دون أيّ مقابل». أمّا شقيق فراس الذي سُرّح بإعاقة دائمة بعد تعرّضه لانفجار عبوة ناسفة بسيارة المبيت العسكري، التي كان يعمل عليها، فهو يعتمد، اليوم، بعد إيقاف كل تعويضاته وعلاجه المجاني، على أهل الخير والمساعدات من الأقرباء والمعارف لتأمين الدواء والرعاية له.
على أنّ الساحل لم يكن ينعم سابقاً بالخير؛ إذ إنّ سياسات التفقير، المقصودة وغير المقصودة، التي اتّبعها النظام السابق، كان لها دورها في ما آلت إليه أوضاعه، قبل أن تكمل عليه سياسات النظام الجديد، والتي تستهدف تحصين الوضع القائم من أيّ مخاطر، وذلك عبر حلّ الجيش والشرطة وتسريح عاملين مدنيين بحجة العمالة الفائضة، متجاهلةً التأثيرات والانعكاسات الاجتماعية الخطيرة لمثل تلك الإجراءات. وعليه، يَظهر أنّ الحديث عن المصالحة مع الجميع، ليس سوى شعارات موجّهة إلى الخارج فقط.
ياسين شاويش

