مقالات

فلسفة القتل عند الإسرائيلي هل تخدم القضية الفلسطينية؟

يشعر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر «بقلق بالغ» إزاء الاستهداف المتكرر للصحافيين في غزة، وفق ما أعلن المتحدث باسم الرئيس الإثنين 12 أغسطس/آب الجاري.
أتى تصريح ستارمر بعدما أقدم الجيش الإسرائيلي، ليل الأحد 10 أغسطس الجاري، على قصف خيمة طاقم قناة «الجزيرة» في غزة، تحديدا أمام البوابة الرئيسية لمجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة. ويتكون الطاقم الذي اغتيل بالكامل من المراسلين أنس الشريف، ومحمد قريقع، والمصورين إبراهيم ظاهر ومؤمن عليوة وسائق الفريق محمد نوفل، الذين استشهدوا جميعا.
ليست المرة الأولى التي يقدم فيها العدو على اغتيال الصحافيين، وطبعا لن تكون الأخيرة، لقد اكدت منظمة «مراسلون بلاد حدود» عن استشهاد أكثر من 200 صحافي خلال العشرين شهرا، أي منذ بداية الحرب على القطاع في السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، بينهم 45 على الأقل أثناء أداء مهامهم، إضافة إلى قتلها للصحافيين، ذكرت وزارة الصحة الفلسطينية عن استشهاد أكثر من 70 ألفا من الفلسطينيين وجرح مئات الآلاف منهم، وتشريد الملايين في حرب صنفها الجميع بأنها الأفظع في التاريخ الحديث.
لا شيء سيردع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن ممارسة العنف والقتل، وما موافقة الكابينت على مخططه في احتلال مدينة غزة إلا دليل على الاستمرار في دائرة العنف. فالموضوع يرتبط بنهج صهيوني يجد العنف في الفكر، وفي ممارسات الصهيونيين قديما قدم اليهودية، وقد تركّزت قواعده الأولى منذ أن كان الوعد الإلهي المزعوم، بمنح خصوصية «شعب الله المختار» بالذات، دون سواه من سائر بني البشر. لقد شكل العنف، القاسم المشترك بين جميع اليهود الصهاينة، قادة وجماهير، وها هي توجيهات وأفكار أب الصهيونية ثيودور هيرتزل، تتخذ أساسا لارتكاب المجازر، تحت مبدأ «القوة تأتي قبل الحق». وما زاد الأمر تعقيدا عند نتنياهو هو تبنيه مبدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أطلقه في بداية ولايته الثانية حيث يعتبر فيه أن «السلام يفرض بالقوة».

استمرار الصمود الفلسطيني وتفعيل المقاومة في الداخل، يفشل المشروع الصهيوني في القطاع، بل يزيد من عزلة إسرائيل دوليا

هي القوة التي ترجمتها حكومة نتنياهو المتطرفة إلى عنف وقتل «تعمدي» في قطاع غزة، حيث تقاطع الجنون العنيف لنتنياهو مع المشروع الأمريكي ببناء الممر الاقتصادي الهندي، الذي يأخذ من القطاع جهة سياحية لحركة التجار، هذا ما دفع ترامب إلى إطلاق مشروعه «ريفييرا الشرق» على القطاع، فالمخطط الإسرائيلي لليوم الثاني لقطاع غزة بعد وقف الحرب لم يزل ضبابيا، ويسيطر عليه الكثير من الغموض. ففي الوقت الذي خرج علينا نتنياهو ليطلق تصاريح تتحدث عن تسليم القطاع إلى سلطة مدنية، لم تزل حماس تقاوم، لا بل تسقط القتلى والجرحى من الجيش الإسرائيلي، وسط تأكيدات إسرائيلي من مسؤولين سابقين، أن العملية العسكرية وحدها لن تحسم المعركة. مبكر الحديث عن اليوم الثاني لغزة، فآلة الحرب وسياسة التجويع لن تؤديا إلى نتيجة طالما هناك إرادة مقاومة لدى سكان القطاع، وطالما هناك إرادة صحافي حاضرة في نقل الحقيقة ونشرها إلى العالم. لن يثني حالة الإنكار الذي يعيشه نتنياهو المدافعين عن الحقيقة في الاستمرار في أدائهم. لقد قدمت قناة «الجزيرة»، كما غيرها من وسائل الإعلام شهداء على طريق الإنسانية وفي سبيل القضية الفلسطينية. استطاع الإعلام الجريء كشف العدو وإسقاطه أخلاقيا أمام العالم، وسحب منه الثقة، وكشف زيف الديمقراطية والدعاية الإسرائيلية التي سعت إلى تسويقها عبر عقود. لقد اعتبر رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزين، الثلاثاء 12 أغسطس الجاري، أن نظيره الإسرائيلي يعيش «في حالة إنكار» للوضع الإنساني في قطاع غزة، وذلك بعد يوم من إعلانه أن استراليا ستعترف بدولة فلسطينية للمرة الأولى. وقال البانيزين إن تردد نتنياهو في الاستماع إلى حلفاء إسرائيل ساهم في قرار استراليا اعتزامها الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
وفيما يعمل نتنياهو على اتباع سياسة تطويق القطاع بالكامل بهدف نقله إلى سلطة مدنية، وجدت الدولة العبرية نفسها مطوّقة دوليا، إذ لأول مرة منذ تأسيسها تشهد على مقاطعة رسمية، وعلى احتجاجات شعبية تدفع بها لوقف العدوان. لقد حوصرت إسرائيل رغم الدعم الأمريكي المطلق، إذ لم يستطع حتى حلفاء الأمس الدفاع عنها، أو تبرير ما تقوم بها من إجرام، هذا ما خرج من أبرز كتابها يلوي سيكر، في مقاله، الذي نشر في يوليو/ تموز الماضي في صحيفة «يديعوت احرونوت»، عندما كتب إن « ما تواجهه إسرائيل حاليا في حربها على غزة لا يرتبط بإخفاق في الرواية الإعلامية، كما يرّوج له بعضهم، بل يعود إلى واقع قاس لا يمكن الدفاع عنه أو تبريره بأي وسيلة». تعمل إسرائيل بالتنسيق مع الجانب الأمريكي على وضع المخطط لقطاع غزة في اليوم الثاني، إلا أن الاستمرار في سياسة استخدام العنف لن يجلب السلام، ولن يفرض الاستسلام على الغزاويين. إن استمرار الصمود الفلسطيني وتفعيل المقاومة في الداخل، يفشل المشروع الصهيوني في القطاع، بل يزيد من عزلة إسرائيل دوليا، إذ تشهد إسرائيل عزلة دولية وحصارا إعلاميا غير مسبوق، حيث بدأت تتساقط أوراق القوة من يدها. إن الانتصار الحقيقي للمقاومة الفلسطينية لا يكمن في إلحاق الهزيمة بالجيش الإسرائيلي، بقدر ما يرتبط بتحقيق مكتسبات كانت حتى الأمس القريب من المستحيلات.
استطاعت المقاومة ورغم هول المآسي التي لحقت بغزة وبشعبها أن تعيد القضية إلى الساحة الدولية، ولكن هذه المرّة ليس عبر المنابر، بل عبر الاحتجاجات الشعبية ما يزيدها حضورا وتفاعلا وتأثيرا على قرارات الحكومات. كذلك الأمر كان لوقوف دول عربية في مقدمتها دولة قطر إلى جانب القضية اندفاعية متزايدة من لعب دور الوسيط والحامي للمقاومة، والرافض في السير في مشروع التهجير القسري من القطاع. لم تقدم إسرائيل منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر عام 2023 سوى فلسفة واحدة ترتكز على القتل، الأمر الذي أسقطها في عزلة شبه دولية، ورفض ومقاطعة عالمية. في حين تقدمت فلسفة الشهادة من أجل الحفاظ على الأرض والعيش بكرامة على الآلة العسكرية، الأمر الذي جعل مسار اليوم الثاني بعد الحرب مرتبط بقرار الشعب الفلسطيني الذي يطالب بأبسط الحقوق، وهو أن يكون لديه وطن يسكنه بعدما سرق منه عام 1948، فهل ستكون لعنة الثمانين على إسرائيل نعمة للاعتراف بدولة فلسطينية؟
كاتب لبناني

د.جيرار ديب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *