الأردن: ما بعد «خدمة العلم»
يحتاج الأمر إلى ما هو أبعد وأعمق بكثير من خطوة كبيرة وتاريخية بدون شكوك هي إعادة تفعيل خدمة العلم العسكرية في الأردن.
والسبب أن اليمين الإسرائيلي لا يكشر فقط عن أنيابه ولا يهدد الأردن ودول عربية أخرى مجاورة لفلسطين المحتلة بما يسمى مشروع إسرائيل الكبرى، بل يمارس هذا التهديد في الميدان وعلى أرض الواقع ولديه ـ أي اليمين الإسرائيلي ـ أثناء الممارسة شرعيتان من وجهة نظره.
الأولى شرعية منتخبة يمثلها القطاع الأوسع الذي يزيد عن 61٪ من جمهور الإسرائيليين الذين يعيدون التصويت لهذا اليمين ولرموزه مرة تلو الأخرى.
والثانية شرعية اسمها أغلبية ساحقة من الناخبين الأمريكيين حصل عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي لا يمانع وبدون أن ترمش عيناه فكرة تهجير شعب من موقعه ووطنه الأساسي والأصلي وتحويل غزة إلى ريفييرا.
كلنا يعرف الرئيس الأمريكي وكلنا يعرف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يستخدم طاقمه الظلامي المجرم وليس العكس.
نتنياهو وأفكاره ومقترحاته ليست سرا ولا تحتاج إلى تأويلات وتفسيرات وشرعيته الانتخابية تعني فعلا بالنسبة لنا كأردنيين على الأقل أن ما قاله بخصوص توسيع إسرائيل الكبرى وبخصوص كيانه المرتبط بمهمة روحانية وتاريخية يهدد مستقبل أطفال الأردن ويدفع في اتجاه عدوان أكيد لا مجال لإنكاره.
نحن نعلم يقينا بأن الدولة الأردنية تستطيع قراءة الممحي ولا تغرق في وحل الأوهام وخبراتها عميقة في الأمريكيين والإسرائيليين.
ونعلم يقينا أن أساس وجود الأردن الذي نعرفه مناقض تماما للمشروع الصهيوني لا بل النقيض الموضوعي للفكرة الصهيونية في مسارها الجغرافي.
وفي كل حال قرار مثل استئناف خدمة العلم لفترة قصيرة قوامها ثلاثة أشهر فقط وفي إطار تنموي وعلى قطاع محدد من الشباب قرار إيجابي ورسالة في مكانها، لأن القوات المسلحة الأردنية كانت وستبقى بالتأكيد مدرسة في بناء الشخصية والرجولة والشباب، في حاجة خصوصا هذه الأيام الصعبة لبث روح معنوية أكبر فيهم، ولا يوجد أهم من مدرسة القوات المسلحة لبث مثل تلك المعنويات.
المطلوب تجييش الحالة الشعبية والوطنية الأردنية وتحويلها إلى ورقة في يد الدولة والنظام والمؤسسات
قرار يستوجب التصفيق لكنه بالتأكيد وبسبب الوقت القصير للخدمة العسكرية وحلقة التبريرات التي غرقت فيها الحكومة عندما عرضت تفصيلا لا يكفي بالتأكيد ولا يشكل الرسالة الأهم الأعمق المطلوبة للرد على ليس استفزازات بنيامين نتنياهو وطاقمه، كما توصف في الإعلام الرسمي ولكن في الواقع تهديدات الطاقم المجرم الذي يدير الكيان المحتل لصالح القوى الأمريكية والغربية.
نحتاج كأردنيين لخطاب مختلف مع الغرب هذه الأيام ونحتاج رسائل أكثر عمقا وخشونة ولابد من إجراءات دون إعلان الحرب أو المجازفة بما يتسبب بالمعاناة ويمكن أن تؤذي الشعب الأردني قبل مؤسساته.
وعلى أساس القناعة بضرورة الإصغاء لصوت العقل والرشد الذي يمثله المخضرم الدكتور محمد الحلايقة، وهو يعلن بأن المطلوب إسرائيليا أبعد بكثير عن ما يسمى بالوطن البديل.
الوطن البديل هنا فزاعة طالما استخدمت في نقاشات الأردنيين الداخلية التي كانت تشبه دوما حوار الطرشان وما يلمح له الحلايقة أن كليهما مستهدف الوطن البديل والوطن الأصيل أيضا.
وبالتالي الأطماع واضحة وما نختلف بشأنه مع القراءة الرسمية الحكومية البيروقراطية هو أن ذلك الوضوح في قراءة مطامع اليمين الإسرائيلي لا يقف عند أوهام فقط، كما تقوله أو تلمح بعض التصريحات الرسمية.
لا بل هو برنامج يتم تنفيذه على أرض الواقع حيث يبدأ بتصويت الكنيست غير الملزم بضم الضفة الغربية وينتهي بمحاصرة الضفة الغربية وتشريد أهلها وإقناعهم أن الهجرة الطوعية إلى الأردن هي الأفضل لهم بدل جهنم التي يقيمون فيها.
ثمة برنامج انتخب القوم الأعداء اليوم على أساسه.. أقل من ذلك ينبغي أن لا يقبل من جهة الأردنيين تحديدا وبالتالي خطوة تفعيل خدمة العلم خطوة في الاتجاه السليم بصورة مؤكدة لكنها لا تكفي.
ولأن المخاطر أبعد بكثير من حكاية ورواية الوطن البديل كما تتفق الكثير من النخب هذه الأيام، فالإجراءات المطلوبة ينبغي لها مغادرة المعلبات والصندوق والمألوف عن كلاسيكيات الحديث بالسلام ومشتقاته.
أقله تفعيل حوار وطني حقيقي ومصالحة داخلية وطنية مع الإسلاميين وغيرهم، وتوقف فرقة ضاربي الطبل في الإعلام واستبدالهم كما قال زميل لنا يوما بفرقة أوركسترا تعزف ألحانا وطنية مفهومة ثم مصالحات من مختلف الأنواع والعودة إلى الديمقراطية لأنها سلاح قوي والتنمية ومحاربة الفساد.
المطلوب تجييش الحالة الشعبية والوطنية الأردنية وتحويلها إلى ورقة في يد الدولة والنظام والمؤسسات على الأقل ليس لإجبار إسرائيل على تغيير اتجاهها ومسارها ولكن لإجبارها على فهم الرسالة التي تقول إن وطن الأردنيين بالمعنى السيادي والجغرافي والأمني والتاريخي خط أحمر حقيقي، وأن الأصابع مع الأيدي يمكنها أن تحترق عندما تعتدي كما فعل الأهل في غزة.
هل نستطيع كأردنيين رفع الصوت وتوجيه مثل هذه الرسائل؟ الجواب نعم طبعا لا بل الرسالة هنا واجب.
بسام البدارين

