مقالات

«حزب الله» والمبادرة المصرية: أهداف متناقضة

تأخذ الأوساط اللبنانية بتنوعها، التهديدات الإسرائيلية والتحذيرات الأميركية على محمل الجدّ. لكن «حزب الله»، وعلى رغم من اتخاذه إجراءات داخلية جدّية لمواجهة اندلاع حرب جديدة، يراهن على احتمال أن تكون هذه التهديدات في إطار الضغوط وتماشياً مع المرحلة القائمة. ولذلك قال أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، إنّ احتمال شن إسرائيل اعتداء هو احتمال جدّي، وموضوع على الطاولة ولو أنّه ليس حتمياً.

وقد يكون تقييم «حزب الله» نابع من عاملين اثنين:

لكن ما بين الهدف الفعلي للمبادرة المصرية، والذي يرتكز على حتمية إنهاء التركيبة العسكرية لـ«حزب الله»، وبين سعي الحزب ومن خلفه إيران للمحافظة على الحضور العسكري ولو تحت سقف الدولة اللبنانية، فإنّ من الواضح أنّ ثمة تباعداً كبيراً حاصلاً، وأنّ المسافة الفاصلة لا تزال بعيدة، لا بل بعيدة جداً. أضف إلى ذلك أنّ الحسابات الإسرائيلية تختلط فيها المحظورات الإقليمية مع الموجبات الداخلية والتعقيدات الإنتخابية، وهو ما يدفع للذهاب إلى السخونة العالية. فنتنياهو المجروح من اتفاق غزة، والذي بدأ يسمع ارتفاع الأصوات الداخلية المطالبة بتحديد مسؤوليات «كارثة» السابع من أكتوبر، وسط بدء العد العكسي لموعد الإنتخابات، لا يبدو أنّه يرى سبيلاً غير الإندفاع في الحرب. وفي أي حال، فهو لم يعلن أبداً إنتهاء الحرب، لا بل على العكس، ولبنان يبقى الساحة المفتوحة أمامه.

ووفق الإستطلاعات الإسرائيلية المتلاحقة، فإنّ الإنقسام الذي كان حاصلاً إزاء استمرار الحرب في غزة، ينقلب إلى تأييد الغالبية لتوجيه ضربة عسكرية في لبنان. وكانت إشارة معبّرة جداً عندما دعا زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد إلى ضرورة شن عملية عسكرية قوية ضدّ «حزب الله». في العادة فإنّ موقف زعيم المعارضة يكون مناهضاً لتوجّه رئيس الحكومة، تماماً كما كانت الصورة في غزة. وبالتالي فإنّ تطابق موقفه مع موقف نتنياهو تجاه «حزب الله» إنما يؤشر إلى وجود توجّه إسرائيلي داخلي جدّي. وجاء موقف لابيد بالتزامن مع إعلان رئيس الأركان إيال زامير من أنّ الحرب لم تنته ويجب خوضها مجدداً لتكريس الإستقرار على الجبهات. كما زار وفد عسكري أميركي من قيادة المنطقة الوسطى إسرائيل، واطلع على كل الإجراءات التي يتخذها الجيش الإسرائيلي تحضيراً لهذه المواجهة.

إذاً، هنالك شيء جدّي يتمّ التحضير له على المستوى العسكري تجاه لبنان، ويتولّى الموفد الرئاسي الأميركي توم برّاك إرسال إشارات الإنذار في شأنه.

لكن السؤال هو، طالما أنّ «حزب الله» يريد تعديل مساره، وهو يتّجه لتركيز حركته داخلياً بدل المشروع القديم «محور المقاومة»، فلماذا تريد إسرائيل الإستمرار في سعيها لضرب هذا السلاح؟ وتجيب مصادر ديبلوماسية، أنّ إسرائيل لا تأمن لمفاجآت المستقبل وتطوراته. فطالما أنّ الترابط سيبقى قائماً بين «حزب الله» وإيران من خلال التركيبة العسكرية للحزب، فهذا يعني أنّ المقصود إمرار الوقت وصولاً إلى الرهان على تبدّل المعطيات مستقبلاً، لاستعادة خطوط التماس مع إسرائيل مجدداً. أضف إلى ذلك، فإنّ إيران تريد أن تبقي لها موطئ قدم ونفوذ في منطقة شرق البحر المتوسط حيث الثروة النفطية، ووسط نزاع ما زال مكبوتاً بين إسرائيل وتركيا وقبرص ومصر واليونان. وتضيف هذه المصادر، أنّ النفوذ الإيراني لإمرار الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل وفق الخط 23، أدّى إلى جعل إدارة جو بايدن تسمح بغض النظر عن رفع كمية النفط الإيراني المهرّب عبر السوق السوداء إلى أربعة أضعاف من الكمية التي كانت قائمة قبلاً. وهو ما يعني أنّ ترك النفوذ الإيراني موجوداً وقوياً في لبنان، وهذه المرّة عبر وضع أطر شرعية له، لن توافق عليها واشنطن، وبطبيعة الحال إسرائيل. واستطراداً فإنّ السعودية التي باتت المرجعية الإقليمية للبنان، لا توافق على منح الشراكة لخصمها اللدود، والمقصود هنا إيران طبعاً.

أضف إلى ذلك، إنّ إسرائيل تريد أوراقاً سياسية من لبنان، كمثل الذهاب إلى مفاوضات تكرّس في النهاية واقع السلام، ولو من دون التطبيع. وبخلاف الإنطباع السائد لدى البعض، فإنّ حرب غزة أكّدت أنّ «السلام الإبراهيمي» هو متين وثابت. فعلى رغم من أهوال المجازر التي حصلت، لم يُسجل أن طرأت أي شائبة سلبية على اتفاقات التطبيع التي حصلت. وحتى قصف إسرائيل لقطر لم يسجل أي اهتزازات أو آثار سلبية على هذا المستوى. فالرحلات الجوية اليومية المتعددة استمرت، وتواصلت المشاريع المشتركة في مجال الطاقة المتجددة وتحلية المياه، والتنسيق الأمني بين إسرائيل والإمارات بقي قوياً، وهو ساهم وبلا ضجة في إحباط تهديدات خطيرة. وكما اختبر الغزو الإسرائيلي المحدود لجنوب لبنان عام 1978 مدى صمود إتفاقية كمب ديفيد بين مصر وإسرائيل، فإنّ حرب غزة إختبرت قدرة الإتفاقات الإبراهيمية على الصمود. وهذا ما سيشجع واشنطن وتل أبيب على المضي قدماً في استكمال مسار هذه الإتفاقات.

وجاء الإستفتاء الإنتخابي الأميركي المبكر والصادم لترامب، ليلعب لمصلحة نتنياهو. فالرئيس الأميركي بات في حاجة أكبر لمساعدة «حليفه» المفترض، وبالتالي ترك هامش عمل أوسع له ليفوز في الإنتخابات الإسرائيلية، علّ ذلك ينعكس إيجاباً عليه أميركياً.

وكي لا نستعجل الإستنتاجات المبسطة للنتائج الإنتخابية في الولايات المتحدة، فإنّ معاني ما حصل لا تنحصر في وجهة واحدة. في البداية فإنّ ما حصل أظهر عدم رضا الأميركيين على سلوك ساكن البيت الأبيض خلال عشرة أشهر من لايته الثانية، وهي قد تكون «بروفا» لمحاسبة أوسع وموجعة أكثر في الإنتخابات النصفية بعد سنة من الآن. صحيح أنّ الصفعة الكبرى جاءت من نيويورك، خصوصاً أنّ ترامب أقحم نفسه وتورط مباشرة في الحملات الإنتخابية. لكن نيويورك مدينة ديموقراطية الهوى على الدوام، وهي معقل ديموقراطي كبير. لكنها أيضاً عاصمة المال العالمية، ويُعتبر اللوبي اليهودي من أكثر المؤثرين فيها، إلى درجة انّه تردّدت أخبار لم تتأكّد بعد، بأنّ قسماً من اليهود عمل لمصلحة إنجاح زهران ممداني ليصبح أول مسلم يتولّى رئاسة بلدية عاصمة المال العالمية. وإذا صح ذلك، فمعناه أنّ ثمة صفعة أراد هؤلاء توجيهها لترامب أكثر منه لدعم ممداني.

وفي الوقت نفسه، فإنّ فوز ممداني الإشتراكي المنتمي إلى الحزب الديموقراطي يؤشر إلى نزاع يدور بين الأجنحة المختلفة داخل الحزب الديموقراطي، ما بين المحافظين والذين استمروا بدعم أندرو كومو، وبين الجناح اليساري أو ما بات يُعرف بالجيل الجديد. وكان صادماً أن يُظهر استطلاع لموقع «أكسيوس»، أنّ 67% من طلاب الجامعات الأميركية ينظرون بإيجابية إلى الإشتراكية، في مقابل 40% ينظرون بإيجابية إلى الرأسمالية. لكن النتيجة التي أزعجت ترامب أكثر، تلك التي ظهرت مع استطلاع «رويترز» و»إيبسوس»، بأنّ 57% من الأميركيين باتوا لا يوافقون ترامب على أدائه في الحكم. وهو ما يعني أنّ نتائج الإنتخابات، والتي لا تؤثر بشيء على مستوى السلطة الفدرالية، إلّا أنّها تعطي إنذاراً صعباً لترامب والجمهوريين، من خسارة قاسية قد تلحق بهم في الإنتخابات النصفية بعد عام، ما سيفقدهم الغالبية في الكونغرس.

وما يهمّنا من كل ذلك، أنّ فريق ترامب قد يضطر لإطلاق يد نتنياهو أكثر في الشرق الأوسط، والساحة المفتوحة أمامه الآن هي الساحة اللبنانية. وهنا تصبح تحذيرات توم برّاك أقرب لأن تكون إنذارات.

جوني منير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *