أخبار عربية ودولية

عن لسان هاكابي الذي لا يزِلّ: انقسام الإنجيليين يؤرّق ترامب

ذهب السفير الأميركي في إسرائيل، مايك هاكابي، بعيداً في إظهار ولائه للأخيرة، أكثر حتى من إبداء ولائه للدولة التي يمثّلها. وعلى الرغم من أن ذلك ليس من التصرّفات المعتادة أو اللائقة في الأعراف الدبلوماسية، وعلى الرغم أيضاً من أن تصرفات هاكابي أثارت شكاوى حتى داخل الإدارة الأميركية نفسها، فإن أحداً لم يردعه أو يسعَ إلى تعديل سلوكه.
ولم يكن تصريحه الأخير، الذي قال فيه إنه «لا بأس في أن تسيطر إسرائيل على كلّ الأراضي التي أعطاها الله لليهود» والتي تمتدّ من «الفرات إلى النيل»، بحسب سِفر التكوين – أي بما يشمل اليوم أجزاء من فلسطين ولبنان والأردن وسوريا والعراق وتركيا -، الأوّل من نوعه. فمنذ تعيينه في منصبه، مع تسلّم دونالد ترامب الرئاسة قبل سنة ونيّف، دأب على إطلاق المواقف التي تدلّ على أن وظيفته هي السعى إلى التأثير في السياسة الأميركية، لمواءمتها بما يخدم إسرائيل وتطلّعاتها، لا العكس.

والتصريح الأخير الذي أثار غضباً عربياً، ولا سيّما في الدول التي تقيم علاقات مع إسرائيل – باستثناء الإمارات -، بالإضافة إلى السعودية، جاء في إطار نقاش مع مقدّم البرامج السابق في قناة «فوكس نيوز»، تاكر كارلسون، الذي خصّص حلقة من «بودكاسته»، لمحاولة تخفيف الانقسام المتصاعد بين تيارَين داخل المجتمع الإنجيلي في الولايات المتحدة، المنقسم بشدّة حول نفوذ إسرائيل ودعمها. فالإدارة الأميركية الحالية التي ترتكز إلى الإنجيليين كأساس لقوتها الانتخابية، لا تريد لهذا الانقسام أن يتعمّق قبل أشهر من الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل، والتي تجري في ظلّ تراجع ملحوظ في شعبيّة ترامب، الذي يبدو أيضاً أنه يحاول توظيف سياسته الخارجية، بما يخدم هدف النجاح في تلك الانتخابات؛ إذ فيما يعتبر أنه سلّف العرب في قطاع غزة وسوريا، ينحو الآن إلى التشدّد مع إيران بهدف إخضاعها، إمّا باتفاق وإمّا بحرب.

سلوك هاكابي كان دائماً يتجاوز حدود الدعم الأميركي المُعلَن لإسرائيل


في ضوء ما تقدّم، يصبح هاكابي لا سفيراً لأميركا كلّها في إسرائيل، وإنما للشطر الأكثر ولاء لها داخل المجتمع الإنجيلي، والذي يبدو أنه ما زال الأقوى، رغم الانتقادات الكثيرة التي تتعرّض لها الأخيرة، ويطلقها كارلسون باستمرار من خلال منصّته المشهورة، كما غيره الكثير من المؤثّرين في هذا المجتمع. وهاكابي، وكذلك شخصيات أخرى تقدّم خدمة إسرائيل على خدمة أميركا، هم أنفسهم زعماء لتجمّعات إنجيلية مختلفة، وليسوا مجرّد موظفين اختارهم ترامب، وهو ما يفسّر محدودية القدرة على الضغط عليهم حتى من ترامب نفسه. ولذا، فإن سلوك هاكابي، كان دائماً يتجاوز حدود الدعم الأميركي المُعلَن لإسرائيل. لا بل إنه استفزّ الكثير من الأميركيين، حين استضاف العام الماضي في السفارة الأميركية في القدس، جوناثان بولارد، الذي سُجن 30 عاماً في الولايات المتحدة، بتهمة التجسس لصالح إسرائيل وخيانة بلاده. كذلك، أبدى تأييده ضمّ الضفة الغربية إلى إسرائيل، رغم رفض ترامب، إلى الآن، السماح للأخيرة بالقيام بهكذا خطوة.
أحد ملامح استمرار قوة الجناح الصهيوني الإنجيلي، هو ما نقلته صحيفة «يسرائيل هيوم» عن المذيعة السابقة في «فوكس نيوز»، ميليسا فرانسيس، التي قابلت كارلسون، ونسبت إليه القول إن ترامب طلب منه تهدئة الصراع داخل الحزب الجمهوري حول إسرائيل، وذلك خشية من أن يصبّ استمرار الانقسام في مصلحة الحزب الديمقراطي. والمذيعة تلك، المؤيّدة لإسرائيل، رأت في مقابلة أخرى مع صحيفة «جيروزاليم بوست»، أن «الرئيس ترامب هو أكثر من يعلم أن الأعداء يربحون عندما ينقسم أولئك الذين في صفّ الله».
ظاهرة من يَدينون بالولاء لإسرائيل أكثر من ولائهم لأميركا، متفشّية في الحزب الجمهوري. ومن بين أبرز رموزها، على سبيل المثال، السناتور ليندسي غراهام، الذي يخصّص جلّ وقته لهذه الخدمة، بين زيارات تكاد تكون أسبوعية إلى الكيان، ومحاولات دؤوبة لتحقيق أهداف تل أبيب كما حصل عند زيارته لبنان وتهديده بقوة جيش العدو لنزع سلاح «حزب الله»، ومحاولته التوسّط في الصراع بين الإمارات وإسرائيل من جهة، والسعودية وتركيا وقطر من جهة أخرى، في سوريا واليمن والسودان ومناطق أخرى، وأخيراً استعجاله توجيه ضربة إلى إيران.

ما يفسّر النشاط المتزايد لأشخاص من مثل هاكابي وغراهام، هو الخوف على مستقبلهم، من التآكل في العلاقة بين إسرائيل والإنجيليين الأميركيين، ولا سيما الشباب منهم، الذين ينظرون إلى الأخيرة على أنها «قوة خبيثة» ذات نفوذ زائد على السياسة والثقافة الأميركيتين، بحسب وصف صحيفة «واشنطن بوست». وهذا ما يمثّل في الواقع تهديداً كبيراً، لم يسبق للنفوذ الإسرائيلي في الولايات المتحدة أن واجهه من قَبل.

حسين إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *