الصفا والمروة شعيرةٌ تُحيي معاني التوكل واليقين
بقلم: المفتي الشيخ الدكتور أحمد محي الدين نصار
في رحاب البيت الحرام، وبين خطى الطائفين وأنفاس الساعين، تقف شعيرةُ السعي بين الصفا والمروة شاهدةً على سرٍّ عظيم من أسرار العبودية. فهي ليست حركةَ أقدامٍ بين جبلين، ولا طقسًا يُؤدَّى ثم يُنسى، وإنما مدرسة إيمانية متجددة. فيها تتجلى معاني التوكل والصبر والافتقار إلى الله، وتنبعث في القلب حقيقةُ العبودية الخالصة لله تعالى.
حين يسعى الحاج أو المعتمر بين الصفا والمروة، يستحضر قصةً خالدة بدأت في صحراء موحشة لا زرع فيها ولا ماء. يوم أمر الله خليله إبراهيم عليه السلام أن يترك زوجه هاجر وطفله الرضيع إسماعيل عليهما السلام عند البيت الحرام، في وادٍ قفرٍ لا أنيس فيه ولا حياة. مضى إبراهيم عليه السلام ممتثلًا أمر ربّه، وقلبه يعتصره الألم، ثم رفع يديه بالدعاء: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
أما هاجر عليها السلام، تلك المرأة المؤمنة التي خلد الله ذكرها، فقد أدركت أن هذا الأمر ليس من إبراهيم عليه السلام نفسه، فسألته بقلب الموقن: «آللّه أمرك بهذا؟» فلما قال: نعم، أجابت بكلمات خالدة: «إذن لا يضيّعنا».
ومن هنا تبدأ الحكاية التي تحولت إلى شعيرة تؤديها الملايين إلى قيام الساعة. نفد الماء، وجفّ اللبن، واشتد عطش الرضيع حتى أخذ يتلوّى من شدة الظمأ. فانطلقت الأم المفجوعة تبحث عن قطرة ماء أو ظل رحمة. صعدت جبل الصفا، تنظر في الأفق، فلا ترى أحدًا، ثم أسرعت إلى المروة، ثم عادت. سبع مرات كاملة؛ بين رجاءٍ وخوف، وبين دموع الأمومة ولهفة القلب المؤمن.
لم يكن سعيها عبثًا، ولم يكن جريها هو الذي أخرج الماء، وإنما كان إعلانًا لمعنى عظيم: أن على الإنسان أن يأخذ بالأسباب، ويبذل جهده كاملًا، ثم يعلّق قلبه بالله وحده. فالرزق ليس من السعي ذاته، وإنما من الله الذي أمر بالسعي.
وحين بلغت هاجر غاية العجز، جاء الفرج من حيث لا تحتسب. تفجّرت زمزم تحت قدمي إسماعيل عليه السلام، ليبقى ماؤها شاهدًا خالدًا على أن رحمة الله تأتي بعد تمام الافتقار إليه، وأن من صدق مع الله لم يخذله الله أبدًا.
ومن أجل هذه المعاني العظيمة، جعل الله السعي بين الصفا والمروة شعيرةً من شعائره. تُعلِّم الإنسان أن الإيمان ليس كلمات تُقال، بل يقين يتحرك في القلب، وعمل تمشي به الجوارح. ففي كل شوط بين الصفا والمروة يعلن المؤمن افتقاره إلى ربه، ويجدد عهده بالتوكل عليه، ويستحضر أن الفرج قد يتأخر، لكنه لا يضيع.
والسعي بين الصفا والمروة درسٌ خالد في الصبر والمثابرة. فهاجر لم تيأس بعد الشوط الأول، ولا الثاني، ولا السادس، بل واصلت السعي حتى جاءها الفرج. وهكذا المؤمن في حياته؛ يسعى، ويتعب، ويصبر، ولا يستسلم لليأس، لأنه يعلم أن مع العسر يسرًا، وأن الله لا يرد قلبًا أحسن الظن به.
كما تحمل هذه الشعيرة تكريمًا عظيمًا للمرأة في الإسلام؛ إذ خلد الله سعي امرأة مؤمنة، وجعل فعلها عبادةً يتقرب بها الرجال والنساء جميعًا إلى الله تعالى. فكانت هاجر مثالًا خالدًا للأم الصابرة، وللمؤمنة التي ملأ اليقين قلبها، حتى أصبحت قصتها جزءًا من أعظم شعائر الدين.
والسعي بين الصفا والمروة يجرّد الإنسان من كبريائه وزهوه. فالغني والفقير، والملك والعامل، يسعون جميعًا بثياب متشابهة، لا فرق بينهم إلا بصدق القلوب. هناك تتساقط أوهام الدنيا، ويشعر الإنسان بحقيقته الضعيفة، وأنه عبد فقير إلى الله مهما بلغ من قوة أو سلطان.
ولهذا كانت الهرولة بين العلمين الأخضرين رمزًا آخر لمعنى الحاجة والافتقار. فهي استحضارٌ للهفة هاجر وشدة سعيها لإنقاذ طفلها، وكأن الساعي يقول بلسان حاله: يا رب، إنني أهرول إليك بقلبٍ مضطر، أطلب رحمتك وفرجك كما طلبته هاجر في تلك اللحظات العصيبة.
وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم صفة هذه الشعيرة فقال: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي». وكان إذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، ثم قال: «أبدأ بما بدأ الله به».
ويُسن للمحرم عند الوقوف على الصفا أن يستقبل القبلة، ويرفع يديه، ويكبر الله ويحمده، ثم يقول ثلاثًا: »لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده«، ثم يدعو الله بما تيسر من خير الدنيا والآخرة.
وبعد ذلك ينزل ويمشي إلى المروة، ويكثر أثناء سعيه من ذكر الله والدعاء وتلاوة القرآن، ولا توجد أدعية محددة ملزمة لكل شوط. وتكون الهرولة بين العلمين الأخضرين للرجال دون النساء، ويُقال بينهما: »رب اغفر وارحم، إنك أنت الأعز الأكرم«.
فإذا بلغ المروة استحب له أن يفعل كما فعل عند الصفا، من استقبال القبلة، ورفع اليدين، والتكبير، والتهليل، والدعاء. وهكذا تتم الأشواط السبعة؛ ذهابه شوط، وعودته شوط.
وليس المقصود من السعي مجرد الانتقال بين موضعين، بل المقصود أن ينتقل القلب من الغفلة إلى اليقين، ومن التعلق بالأسباب إلى التعلق برب الأسباب، ومن الاغترار بالقوة إلى الشعور بالفقر إلى الله.
فالسعي بين الصفا والمروة ليس ذكرى تاريخية فحسب، بل رسالة متجددة لكل مؤمن: إذا ضاقت بك الدنيا فلا تيأس، وإذا انقطعت الأسباب فتعلق بالله رب العالمين، وإذا تأخر الفرج فواصل السعي. فإن الله الذي فجّر زمزم في قلب الصحراء، قادرٌ أن يفتح لك أبواب رحمته من حيث لا تحتسب.
وهكذا يبقى السعي شعيرةً تنبض بالحياة، تُربّي الأرواح قبل الأجساد، وتغرس في القلب أعظم حقائق الإيمان: التوكل، والصبر، واليقين، والخضوع لله رب العالمين.

