من التفاهم مع الصين إلى الضغط على إيران: ماذا تريد واشنطن؟
خاص Lampress
تشهد الساحة الدولية تحولاً متسارعاً في طبيعة العلاقات بين القوى الكبرى، مع تزايد المؤشرات على أن الولايات المتحدة تعيد رسم أولوياتها الاقتصادية والجيوسياسية بالتوازي. وفي هذا السياق، جاء الإعلان عن حزمة الاتفاقيات التجارية الواسعة بين واشنطن وبكين، بالتزامن مع تصاعد التوتر الأمريكي–الإيراني، ليطرح تساؤلات عميقة حول الترابط بين المسارين، وما إذا كانت الولايات المتحدة تتجه نحو مرحلة جديدة من إعادة توزيع نفوذها العالمي وتركيز ضغوطها الاستراتيجية.
الاتفاق الأمريكي–الصيني الذي أُعلن عقب اللقاء بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ لا يُنظر إليه باعتباره مجرد تفاهم تجاري عابر، بل باعتباره تحولاً اقتصادياً وسياسياً مهماً بين أكبر اقتصادين في العالم. فقد تضمنت الحزمة التزامات واضحة ومحددة تشمل شراء الصين 200 طائرة من شركة بوينغ الأمريكية، مع إمكانية رفع العدد مستقبلاً إلى 750 طائرة، إضافة إلى تعهدات صينية باستيراد ما لا يقل عن 17 مليار دولار سنوياً من المنتجات الزراعية الأمريكية خلال الأعوام 2026 و2027 و2028، بما يضمن تدفقات تجارية تتجاوز 51 مليار دولار خلال ثلاث سنوات.
كما شملت الاتفاقيات إعادة فتح السوق الصينية أمام مئات المنشآت الأمريكية المتخصصة في إنتاج لحوم الأبقار، واستئناف استيراد الدواجن من الولايات الأمريكية المعتمدة صحياً، إلى جانب تفاهمات تتعلق بتأمين سلاسل توريد المعادن النادرة والمعادن الحيوية التي تعتمد عليها الصناعات التكنولوجية والعسكرية الأمريكية بشكل متزايد.
هذه البنود لا تعكس فقط رغبة في تنشيط التبادل التجاري، بل تشير إلى محاولة متبادلة لتثبيت حد أدنى من الاستقرار بين واشنطن وبكين بعد سنوات من الحرب التجارية والتوترات التكنولوجية. فالولايات المتحدة تدرك أن استمرار الصدام الاقتصادي المفتوح مع الصين يهدد صناعاتها وأسواقها الداخلية، بينما ترى بكين أن الحفاظ على استقرار العلاقة مع الاقتصاد الأمريكي يظل ضرورة حيوية في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي وتصاعد التحديات الداخلية.
غير أن أهمية الاتفاق لا تقتصر على أبعاده الاقتصادية، بل تمتد إلى تأثيراته الجيوسياسية، خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط وإيران. فبالتزامن مع الإعلان عن هذه التفاهمات، بدأت مؤشرات التصعيد الأمريكي تجاه طهران تتزايد، سواء عبر تشديد الخطاب السياسي، أو تكثيف الضغوط العسكرية والدبلوماسية، أو إعادة تنشيط ملفات الردع المرتبطة بالنفوذ الإيراني والبرنامج النووي.
هذا التزامن دفع كثيراً من المراقبين إلى الربط بين الحدثين، باعتبار أن تخفيف التوتر الاقتصادي مع الصين يمنح واشنطن مساحة أوسع لإعادة التركيز على ملفات الأمن والطاقة والنفوذ الإقليمي. فمنذ سنوات، كانت الولايات المتحدة تواجه معضلة إدارة صراعين استراتيجيين في آن واحد: التنافس الاقتصادي مع الصين، ومواجهة التحديات الأمنية في الشرق الأوسط. أما اليوم، فإن التفاهم مع بكين حول قضايا حيوية مثل الطيران والزراعة والمعادن النادرة قد يخفف جزءاً من الضغوط الداخلية على الاقتصاد الأمريكي، ويفتح المجال أمام الإدارة الأمريكية لتوجيه اهتمام أكبر نحو إيران.
وتكتسب مسألة المعادن النادرة أهمية خاصة في هذا السياق، لأن الصين تسيطر على نسبة كبيرة من عمليات معالجة هذه المواد عالمياً، وهي عناصر أساسية في الصناعات الدفاعية والإلكترونية والسيارات الكهربائية. وبالتالي، فإن أي تفاهم أمريكي–صيني يضمن استقرار تدفق هذه المواد يقلل من هشاشة الصناعات الأمريكية، ويمنح واشنطن قدرة أكبر على اتخاذ مواقف أكثر تشدداً في ملفات أخرى دون الخشية من اضطرابات صناعية أو اقتصادية واسعة.
في المقابل، تُعد إيران أحد أبرز شركاء الصين في الشرق الأوسط، خصوصاً في قطاع الطاقة، حيث تعتمد بكين على النفط الإيراني ضمن ترتيبات اقتصادية طويلة الأمد. إلا أن الصين، رغم علاقتها الوثيقة بطهران، لا تبدو راغبة في الدخول بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعاً عن إيران، خاصة إذا كانت مصالحها الاقتصادية الكبرى مع واشنطن معرضة للخطر. ومن هنا، قد ترى الإدارة الأمريكية أن اللحظة الحالية مناسبة لزيادة الضغوط على طهران، وهي تدرك أن بكين ستفضل على الأرجح حماية استقرار علاقتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة.
كما يحمل الاتفاق الأمريكي–الصيني رسالة سياسية أوسع تتعلق بإعادة ترتيب التوازنات الدولية. فواشنطن تسعى إلى تثبيت موقعها الاقتصادي داخلياً عبر دعم قطاعات الطيران والزراعة والصناعات التكنولوجية، وفي الوقت نفسه تحاول استعادة زمام المبادرة الجيوسياسية عالمياً عبر إظهار قدرتها على التحرك الحازم في ملفات الأمن الإقليمي. أما الصين، فتسعى إلى حماية اقتصادها وأسواقها وتجنب الدخول في مواجهة شاملة قد تعرقل نموها وتوسعها العالمي.
زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ المرتقبة إلى البيت الأبيض خلال الخريف المقبل تضيف بعداً آخر لهذه التحولات، إذ تعكس وجود إرادة سياسية لدى الطرفين لتحويل التفاهمات الاقتصادية إلى مسار أكثر استقراراً على المدى المتوسط. وفي المقابل، فإن التصعيد الأمريكي تجاه إيران يوحي بأن واشنطن ربما تسعى إلى استثمار هذا الاستقرار النسبي مع الصين لإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
في المحصلة، يبدو أن العالم يدخل مرحلة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية بصورة أكثر تعقيداً. فالاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة والصين لا يمكن فصله عن التحولات الجيوسياسية الأوسع، كما أن التصعيد تجاه إيران لا يبدو حدثاً منفصلاً عن إعادة تموضع القوى الكبرى. وبينما تحاول واشنطن تحقيق توازن بين احتواء الصين ومواجهة إيران، تسعى بكين إلى حماية مصالحها الاقتصادية دون الانجرار إلى صراعات مباشرة، فيما تجد طهران نفسها أمام بيئة دولية قد تصبح أكثر صعوبة إذا استمر التقارب النسبي بين القوتين الأكبر في العالم.

