الطواف مقام الخضوع والافتقار لله
بقلم: المفتي الشيخ الدكتور أحمد محي الدين نصار – 11\5\2026
إنَّ الله سبحانه وتعالى خلق الجنَّ والإنس لعبادته، فقال جلَّ شأنه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وشرع لعباده من العبادات والطاعات ما يُحقِّق هذه الغاية العظمى، ومن ذلك مناسك الحج بما تشتمل عليه من طوافٍ وسعيٍ ورميٍ وسائر الشعائر المباركة. فالعبادة في الإسلام تقوم على كمال الطاعة لله تعالى؛ امتثالًا لأوامره واجتنابًا لنواهيه، في إطار الابتلاء الذي خُلق الإنسان لأجله، قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾.
ومن كمال حكمة الله تعالى أنَّه ما شرع عبادةً إلا ولها مقاصد جليلة وحِكم عظيمة، وإن تفاوت الناس في إدراكها. فقد تظهر الحكمة كاملة، أو يُدرك بعضها، أو تخفى على العقول، غير أنَّ خفاءها لا يعني انتفاءها؛ لأنَّ الشريعة كلَّها قائمة على الرحمة والهداية والمصلحة. وما يبلغه العقل من أسرار العبادات إنما هو جزء يسير من الحكمة الإلهية؛ إذ لا سبيل إلى الإحاطة الكاملة بمراد الله تعالى إلا بما جاء في الوحي، قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، وقال جلَّ وعلا: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
فالصلاة تُورث الخضوع والافتقار إلى الله، والصيام يربِّي النفس على الصبر وكبح الشهوات، والزكاة تطهِّر المال والنفس وتُحقِّق التكافل بين المسلمين، أمَّا الحج فيجسِّد معنى التجرُّد لله تعالى، والإقبال عليه بالقلب والجسد، حيث يترك العبد وطنه وأهله، قاصدًا بيت الله الحرام، مستجيبًا لنداء ربِّه، معظمًا لشعائره، مقيمًا لذكره. ومن شعائر الحج العظيمة: الطواف بالبيت العتيق، وهو الدوران حول الكعبة سبعة أشواط تعبُّدًا لله تعالى، وهو ركنٌ من أركان الحج والعمرة، ولا يقوم النسك إلا به، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
والطواف ليس حركةً مجرَّدة، بل عبادةٌ تتجلّى فيها معاني العبودية الكاملة؛ ففيه امتثال أمر الله، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتعظيم شعائر الله التي هي من تقوى القلوب. ومن أعظم مقاصده إقامة ذكر الله تعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّما جُعِلَ الطَّوافُ بالبَيتِ وبيْن الصَّفا والمروةِ، ورَميُ الجِمارِ لإقامةِ ذِكرِ اللهِ«.
وفي الطواف يظهر معنى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أدقِّ الهيئات والأعمال؛ فقد ثبت عن عمر رضي الله عنه أنَّه قبَّل الحجر الأسود وقال: «إني لأقبلك، وإنّي أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبَّلتك». ففي هذا المشهد يتجلّى كمال الاتباع والتسليم، وأنَّ العبودية الحقة تقوم على الامتثال لأمر الله ورسوله، لا على مجرَّد إدراك العقول للحِكم والمعاني.
ومما يدل على عظيم شعيرة الطواف؛ أن الله تعالى عظّم شأن البيت الحرام، فأضافه إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا، فقال سبحانه: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، وهذه الإضافة تدل على عظيم مكانة هذا البيت، وما أودعه الله فيه من البركة والرحمة وتعظيم الشعائر، ولذلك شُرعت الطهارة وستر العورة للطواف به.
والطواف من أجلِّ مواطن الدعاء والتضرع؛ ففيه يلوذ العبد بربِّه، ويُظهر فقره وانكساره بين يديه، راجيًا رحمته ومغفرته، وهو ميدانٌ لسكينة القلب وحضور الروح؛ تُسكب فيه العبرات، وتُرجى فيه الرحمات، ويجد المؤمن فيه لذَّة المناجاة والقرب من الله تعالى. ولم يقيِّد الشرع الطائف بدعاء مخصوص في جميع الأشواط، بل فتح له باب الدعاء والذكر بما شاء من خيري الدنيا والآخرة. فيبدأ الطائف بالحجر الأسود، فيستلمه ويقبِّله إن تيسَّر، أو يشير إليه مكبِّرًا، قائلًا: «بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم»، ويُستحب أن يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. كما يستحب للطائف التمسح بالركنين؛ وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يحرص على استلام الركنين؛ اليماني والحجر الأسود، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وطلبًا لما ورد في فضلهما من تكفير الخطايا.
وقد جاءت النصوص ببيان عظيم أجر الطواف وثوابه؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ طافَ بهذا البيتِ أُسبوعًا فأحصاهُ كان كعِتقِ رقبةٍ»، وقال أيضًا: «لا يضعُ قدمًا ولا يرفعُ أُخرى إلا حطَّ اللهُ عنهُ خطيئتَهُ وكُتِبَ له بها حسنةٌ». فكل خطوة يخطوها الطائف ترفع درجته وتمحو من ذنوبه، فيبقى قلبه معلَّقًا بربِّه، راجيًا القبول والمغفرة.
إنَّ الطواف حول بيت الله الحرام مدرسةٌ إيمانية عظيمة، تتربّى فيها النفوس على معاني التوحيد والخضوع والمحبة والامتثال. ففيه يطوف القلب قبل الجسد، وتخشع الروح قبل الجوارح، ويشعر المسلم بوحدة الأمة واجتماعها على قبلةٍ واحدة وربٍّ واحد وغايةٍ واحدة. وكلما ازداد العبد فهمًا لمقاصد هذه الشعائر، ازداد تعظيمًا لله تعالى، وحضورًا في العبادة، وصدقًا في التوجّه إليه.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعلنا من عباده الطائفين الذاكرين، وأن يتقبّل من المسلمين حجَّهم وطاعاتهم، ويعزَّ الإسلام والمسلمين، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.

