خاص الرابطة

مقاصد الجهاد في الإسلام

المفتي الشيخ أحمد محي الدين نصار

  25-4-2025  :Lampress

ما رايك بهذا المقال؟

ما دامت النفوس البشرية تتجاذبها الأهواء والنوازع، وتسعى إلى تحقيق مطامعها، وما دام قانون التنازع من أجل البقاء قائمًا بين الأفراد والجماعات، كان الصراع سنّة من سنن الله تعالى في هذا الكون، وضرورةً لحفظ توازن المجتمعات وبقائها؛ كما عبّرت عن ذلك الآية الكريمة:
(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: 251).

ويُعدّ أشرف أنواع الصراع ذلك الذي يدور بين الحقّ والباطل؛ إذ إنّ لكلّ صراعٍ مقصدًا وباعثًا، فإن كان هدفه إحقاق الحقّ، وردع المعتدي، ورفع الظلم، ونصرة المظلوم، كان فضيلةً تُثمر خيرًا وسعادةً للبشرية. أمّا إذا انحرف عن هذه الغايات، وصار وسيلةً للعدوان والتسلّط والإفساد في الأرض، كان رذيلةً اجتماعيةً تُفضي إلى شقاء الإنسان.

ولذلك شُرِع الجهاد في الإسلام لأسباب طبيعية وحقوق إنسانية، تحفظ الفضيلة والقيم وتَصون المجتمعات من الانهيار. ويمكن استجلاء أهمية الجهاد من خلال الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، وهي أهداف متداخلة ومتكاملة، من أبرزها:

أولًا: إعلاء كلمة الله تعالى؛ فالمسلمون مكلفون بإقامة العدل في الأرض، وتمكين الناس من التمتّع بهذه العدالة؛ وهذا التكليف يقتضي مقاومة أنظمة الطغيان التي تُنازع الله تعالى في ربوبيته وحاكميته، وإحلال شريعته القائمة على العدل والرحمة، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ، فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ، إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (النساء: 76)، ولا يعني إعلاء كلمة الله تعالى إكراه الناس على اعتناق الإسلام، بل تحرير إرادتهم من هيمنة الطغيان على عقولهم ليملكوا حرية الاختيار لمعتقداتهم بحريةٍ واعية.

ثانيًا: تأمين حرية الدعوة الإسلامية: تُعدّ الدعوة إلى الله وظيفةً أساسيةً للأمة الإسلامية، تقوم على تبليغ الرسالة بالحكمة والموعظة الحسنة. قال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) (آل عمران: 104)، وعالمية الدعوة تقتضي ذلك لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) (سبأ: 28). غير أنّ هذه المهمة قد تعترضها عوائق عدوانية؛ مادية أو معنوية تحول دون وصول الدعوة للناس، فشُرع الجهاد لدفع الفتنة وإزالة الحواجز التي تعوق حرية تبليغ الرسالة وحرية الاختيار، قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) (البقرة: 193).

ثالثًا: رفع الظلم ونصرة المظلومين: يمثّل رفع الظلم ونصرة المستضعفين أيًّا كان انتماؤهم الديني أو العرقي مقصدًا أساسيًا من مقاصد الجهاد حثت عليه كثير من الآيات القرآنية بصورة تستجيش الهمم وتثير حمية المسلم، فقال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) (النساء: 75). فالجهاد وسيلةٌ لحماية كرامة الإنسان، وصون حقوقه الأساسية من اعتداء الظالمين، وإقامة ميزان العدل بين الناس.

رابعًا: صيانة العهود والمواثيق: جعل الإسلام الوفاء بالعهود مبدأً أخلاقيًا راسخًا، وعلامةً فارقةً بين الصدق والنفاق، ومعياراً يميز المسلم عن غيره، قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ، إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا) (الإسراء: 34)، وقال صلى الله عليه وسلم: “آيةُ المُنافِقِ ثلاثٌ: إذا حدَّثَ كذَبَ، وإذا وعَدَ أخلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خان”. كما غلّظ على من ينقضون العهد ووصفهم بشرّ الدواب، فقال تعالى: (إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ) (الأنفال: 55-56). ونهى عن التهاون مع من ينقضون العهود، وأمر بمواجهتهم إن أخلّوا بالتزاماتهم، كما فعل عليه الصلاة والسلام مع يهود بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير، قال تعالى: (وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) (التوبة: 12)، مع الالتزام بمبدأ الإعلان والوضوح قبل أي إجراء، كما قال تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً، فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (الأنفال: 58).
خامسًا: ردّ الاعتداء: أقرّ الإسلام حقّ الدفاع عن النفس وردّ العدوان، وعدّه من بواعث الجهاد الأساسية، قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج: 39)،
وقال أيضًا: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ، وَلَا تَعْتَدُوا) (البقرة: 190). غير أنّ هذا الدفاع مقيّدٌ بضوابط أخلاقية صارمة، تمنع الظلم والتمثيل والإفساد، وتؤكد الالتزام بقيم الرحمة والعدل امتثالاً لوصايا سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم: “لا تغُلُّوا ولا تغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تقتُلوا وليدًا ولا امرأةً ولا شيخًا”.

إنّ هذه الأهداف تُبرز الطبيعة المقاصدية للجهاد في الإسلام، بوصفه وسيلةً لإعزاز دين الله ودفع الشر وإحقاق العدل، لا غايةً في ذاته، ولو تحقّقت هذه الغايات بوسائل سلمية، لكان ذلك أولى وأجدر.

فالجهاد ليس وسيلة لفرض الهيمنة والتسلط على الأمم والجماعات وإذلالها أو قهرها، وليس للعدوان أو لنهب مواردها أو غير ذلك من الأغراض الدنيوية التي نشهدها في الحروب المعاصرة، بل هو واجب أخلاقيٌّ يضبط استخدام القوة في إطار من العدالة والمسؤولية، وهو في جوهره تعبيرٌ عن رسالة الإسلام العالمية، التي تسعى إلى تبليغ دين الله، وتحرير الإنسان وتحقيق كرامته، وإقامة التوازن في الحياة، وحفظ سنن الكون واستمرارها، كما قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40).

إنّ الجهاد ركيزة أساسية في بقاء الأمة وفاعليتها، يحفظ كيانها، ويصون مكانتها، ويضمن قدرتها على أداء رسالتها في العالم، ويرفع شأنها إلى موقع الشهادة على الناس، قال تعالى: (وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: ١٤٣)، ومتى تركته سلط الله عليها ذُلاً لا ينزعه عنها حتى ترجع وتُمسك بزمامه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *