قرابين بشرية لإقامة معابد الذَّكاء الاصطناعي
نعيمة عبد الجواد
منذ أن انحدرت البشرية عندما اتخذت ما يسمَّى بالتقدُّم والازدهار سبيلًا، وحال الإنسان يتدهور من سيئ إلى أسوأ. فما وفَّره التقدُّم للإنسان من سُبُل العيش الرغد الذي يريح فيه عضلات جسده من أجل انتشاله من غياهب الهمجية ووضعه في قاطرة التحضُّر، لم يغيِّر الكثير في النفس البشرية التي ما زالت تحرِّكها الهمجية والصراع الدموي، في أغلب الأحيان. فما حدث هو أن الإنسان قد بدَّل ملابسه الخارجية التي بالكاد تستر جسده، ولم يكن يبدِّلها إلَّا بعد أن تبلى تمامًا، بأخرى سترت كل عوراته وتوافر لديه رفاهية تغيير طرزها، وقتما شاء. بيد أنّ مع ستر عوراته، أُغلقت منافذ التعبير عن همجيته، وبالتالي فإن الجرائم في الوقت الحالي تكون أبشع وأكثر ضراوة مما سبق. وعلاوة على ذلك، فإن البشر يقترفونها ليس من أجل حاجة ملحَّة، لكن من أجل الشعور بلذَّة القتل، بعد الترصُّد للضحية.
وكلَّما قرأ أي فرد الرواية التشاؤمية (الديستوبية) «آلة الزمن» The Time Machine التي ألَّفها «إتش جي ويلز» H. G. Wells في نهاية القرن التاسع عشر، عام (1895)، يظن أن هذا الكاتب هو نفسه ذاك الشخص الذي ركب آلة الزمن وشهد المستقبل؛ والسبب أنه يصف المستقبل بكل تفاصيله الدقيقة. كانت المشكلة الوحيدة في تحقيق نبوءة «ويلز» هي عدم وجود كيان مادي محدد شديد التقدُّم ويتغذى على البشر، ويتحكَّم فيهم لدرجة غسيل المخّ، الذي حوَّلهم من كيانات صانعة أرقى الحضارات، إلى مجرَّد قطعان من الماشية تعيش سعيدة بما يُلقى لها من فُتات الحياة على الرغم من منحهم لقب «الإيلوي» Eloi، والتي تتشابه ومصطلح «النخبة» Elite. وصف «ويلز» هذا الكيان الضاري الذي منحه اللقب العبقري «مورلوك» Morlocks، والذي قد يعني «المزيد من الأقفال أو العزل»، أنهم كيانات حبيسة الظلام وتسكن باطن الأرض، وكيانها كله عقل يشابه العقل البشري في التكوين، وإن كان عظيم الحجم؛ وهو ما يعني أن خطر الهيمنة الديستوبية مصدره كيانات مُفكِّرة أو بالأحرى عبقرية الفكر، وإن كان لا يمكن تصنيفها بشراً، علمًا أنه بالرغم من القوَّة الهائلة التي تتمتَّع بها، لكنها تخشى البشر الذي بسهولة، وبالقليل من التفكير البشري الألمعي، يمكن أن يهزمها ويسجنها في غياهب الأرض، كما كان موقعها الطبيعي فيما سبق.
لقد سار على نهج «ويلز» العديد ممن تلاه من كتَّاب ومؤلفي روايات الخيال العلمي، وحذَّروا بالفعل من ذاك الكيان الغامض. وللأسف، قام البعض من البشر بأنفسهم بتحقيق تلك النبوءة، وبالتالي يجبرون العالم كلُّه على وجود كيان مهيمن استحدث للسيطرة عليهم رغمًا عن إرادتهم، وكأنهم يسيرون تمامًا وفقًا للمخطط المرسوم منذ بداية الثورة الصناعية الثانية في رواية «آلة الزمن». وقد يظن البعض أن إرادة الشعوب لها الغلبة على أي قُوى، وأن إرادة الإنسان القوية تمكِّنه من تخطِّي الأزمات وتغيير الظروف. لكن للأسف، هذا كلام نظري القول، ومن يقتنع به لا يستطيع حتى تحقيقه عمليًا على المستوى الفردي، وحالات النجاح أيضًا نسب هامشية. والأدلة على ذلك لا تعد ولا تحصى، وجميعها يسردها التاريخ في صفحاته.
ومن أبرز حركات مقاومة الإنسان للقوى الاستعمارية الحقيقية الراغبة في استعمار عقول وإرادة الشعوب وتعمل على تقديم البشر قرابين لمعابد شياطين التطوُّر، هو ما حدث تمامًا إبَّان الثورة الصناعية الأولى، التي فرضت الميكنة وسرَّحت العمَّال وحرمتهم من أبواب الرزق الوحيدة التي يعلمون كيف يمكنهم طرق أبوابها. فما حدث كان ثورات شعبية عارمة وتحطيماً لتلك الآلات. بيد أنَّ النتيجة كانت فرضاً جبرياً قسرياً لهيمنة تلك الآلات، إلى أن تقبَّل وجودها، رغمًا عنهم، الرَّافضون لأخطارها. أما عن الأجيال التالية، فصارت تعتبرها جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية. وبمقارنة الصحة النفسية والقوَّة البدنية للبشر آنذاك وفي الوقت الحالي، ستكون نتيجة المقارنة في صالح الماضي، مع وجوب إضافة الصحَّة العقلية، والقوَّة الفكرية، والقدرة على إيجاد الحلول بإعمال العقل. يكفي القول إن التلاميذ في أفضل المدارس، يُضاف إليهم خريجو المرحلة الجامعية حتى ولو درسوا في أقسام الرياضيات الموجودة في أفضل الجامعات، لا يستطيعون حل المسائل الحسابية بنفس السرعة التي كان ينجزها أجدادهم، وذلك بغض النظر على أن الغالبية العظمى من سكَّان العالم في الوقت الحالي لا يستطيعون إنجاز أبسط العمليات الحسابية دون استخدام الآلة الحاسبة. والمفاجأة أن العلم الحديث يؤكِّد أن الحفاظ على القدرات الذهنية اليقظة وتلافي الإصابة بمرض الزهايمر يستلزم تدريب العقل بالطرق البدائية، مثل: المداومة على حل المسائل الحسابية، والتفكير في حل المشكلات، دون اللجوء إلى أدوات تكنولوجية مُساعدة.
وما أشبه اليوم بالبارحة؛ فالشعوب الواعية التي تعلم تمامًا أن فرض الذكاء الاصطناعي على البشر والمحاولات المستميتة لتحويله إلى الإنسان الخارق «السوبرمان» الذي لطالما حلم البشر به، هو عبارة عن خطأ جسيم في حق البشرية، وأنه المسمار الأخير في نعش آدمية البشر قبيل تحويلهم إلى قطعان من الماشية، أو في أفضل الحالات، إلى حيوانات أليفة، تم خلقها لخدمة أغراض وشهوات فئة مُتسلِّطة دخيلة، نصَّبت نفسها كياناً يفوق النخبة، دون أن يمنحها أحدهم تلك المرتبة. ولهذا السبب، تتزايد حاليًا في دول الغرب المتقدم حركات مقاومة ضد مطوِّري تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. لكن للأسف، تتخذ المقاومة حاليًا شكلًا عنيفًا غير مسبوق، وهذا بعد أن فشلت شعوب العالم ووسائل الإعلام في تغيير رغبات أباطرة الذكاء الاصطناعي. لقد زادت جرائم العنف الدموي الموجَّه والمؤامرات الإجرامية ضد شخصيات عالمية واجتماعية بارزة، وكذلك ضد محاولات إنشاء بنية تحتية لتطوير وتعزيز الذكاء الاصطناعي، سواء في المؤسسات الكبرى أو في المنشآت التعليمية.
ومن أخطر المؤامرات وأعنفها، ما حدث في أبريل 2026 ضد أحد أبرز أباطرة تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو «سام ألتمان» Sam Altman، المدير التنفيذي لشركة «أوبن إيه أي» OpenAI. فلقد خاطر الشاب «دانيال مورينو» Daniel Moreno-Gama، البالغ من العمر 20 عامًا فقط، بمستقبله عندما خطط لقتل وحرق «سام ألتمان»، كما تشير التهم القضائية الموجهة ضده، وهذا بإلقاء زجاجة مولوتوف على منزله في «سان فرانسيسكو». ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، فقد قيل إن شابًا آخر في شهر أبريل أيضًا من العام نفسه قد اقتحم مقر شركة OpenAI في ولاية تكساس بنية حرقها وقتل جميع العاملين فيها. وفضلاً عن هذا، تم الإعلان عن قائمة من الأفراد المستهدفين باقتراف أعمال عنف ضدهم، إذا لم يكفُّوا عن الترويج للذكاء الاصطناعي أو فرضه بالقوَّة. ومن أبرز علامات الخطر هو وضع ملصق «كف عن هذا» Stop It في مكان خاص بهؤلاء، كأن يكون على باب منزل هذا الشخص أو على سيارة. وامتد الأمر إلى رئيس جامعة أمريكية بارزة حاول تحويل مكتبة الجامعة إلى قاعدة بيانات يديرها الذكاء الاصطناعي. وأمثلة المقاومة صارت لا تعدّ ولا تُحصى، وجميعها تحدث يوميًا.
وما يؤكِّد وجود الكثيرين ممن يؤازرون المتهمين أو المشتبه فيهم باقتراف أو التخطيط لاقتراف جرائم عنف ضد المروجين للذكاء الاصطناعي هو حملات الدفاع المستميتة عنهم، وتذييل اسمهم بلقب «مانجيوني»، نسبة إلى الشاب الجامعي «لويجي مانجيوني» Luigi Mangioni، الذي قتل المدير التنفيذي لشركة تأمين صحي دأب على إجحاف كل من هو في حاجة لرعاية طبية، وكان يتوعده الكثيرين بالقتل. ومن ثمَّ، هناك خطر جسيم ينذِر بتفشي هذا النوع من العنف الاجتماعي الذي يتسبب فيه الشعور بالظلم وتعريض البشرية لخطر التهميش والانقراض. وهذا هو السبب نفسه الذي يُلح عليه أي محامي دفاع عن تلك الفئة من المتهمين؛ حيث يضع جميعهم تلك الجرائم في خانة الإرهاب الأيديولوجي، بل ويصرِّون على أنّ جميعها ناجمة عن أزمات نفسية حادة.
وعلى الصعيد الآخر، هناك حملات سلمية يقوم بها الراديكاليون شعارها «أوقفوا الذكاء الاصطناعي»، لكن يعتقد الخبراء أن تلك الحركات يجب أيضًا قمعها ولو بالقوَّة؛ لأنها قد تفضي إلى تشعُّب الجماعات الراديكالية، وظهور بعض منها يروِّجون للعنف والإرهاب الأيديولوجي. ومن أجل هذا السبب، اتَّفق جميع المدعين الفيدراليين على تصنيف أيٍ من ألوان الاعتداءات، حتى ولو كانت طفيفة، والتي تستهدف المديرين التنفيذيين العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي، على أنها أعمال إرهاب محلي، والتعامل مع القائمين عليها وفقًا لهذا الأساس. وفي الوقت نفسه، يحاول القائمون على تطوير الذكاء الاصطناعي من الشخصيات البارزة الابتعاد عن التعامل العام المباشر مع الجمهور، أي أنه يتم عزلهم من الآن ليكوِّنوا طبقة غير مرئية من الصعب الوصول إليها. أضف إلى هذا، وجهت إليهم نصيحة محاولة تجميل صورتهم العامة من خلال إضفاء الطابع الإنساني على شخصهم وتعاملاتهم، بهدف إعادة دمجهم بين أفراد المجتمع باجتذاب البشر ليتقبَّلوهم مرَّة أخرى، ويرسخ كذلك في أذهانهم أنّ كل ما يعملون على تطويره هو لخدمة البشرية ومن أجل الصالح العام. ومن تلك الحيل توجيههم بنشر صور عائلية، أو الإدلاء بين كل فينة وأخرى بتصريحات شخصية. وبهذا تهدأ حركات المقاومة المتزايدة ضدهم.
وتبريرًا لفرض الذكاء الاصطناعي بخطى متسارعة وتمكينه من جميع مفاصل الحياة، حتى لو كان ذلك على حساب العنصر البشري، صرح «سام ألتمان» بتصريح شخصياً يستهدف كسب تعاطف البشر؛ حيث أكَّد أنه شخص واع، يستهدف بتطويره للذكاء الاصطناعي خدمة البشرية، وأنه يطور تلك التكنولوجيا ليوجهها توجيهًا صحيحًا طبقًا لمعايير أخلاقية، قبل أن تقع في يد جماعات شريرة تستهدف إيذاء البشرية؛ لأنها تكنولوجيا قائمة بالفعل. وعلى النقيض، لم يكن هذا التصريح في صالحه، بل أثار حملات سخرية واسعة من منطقه هذا، والمزيد من المخاوف من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
وعلى الجانب الآخر، لم يكن تصريح «إيلون ماسك» Elon Musk أكثر توفيقًا، بل أكثر إرباكًا؛ حيث أعلن أنه مع فرض تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لتشمل جميع المجالات، لن يكون الإنسان في حاجة للعمل، وسوف تتوافر لديه جميع الخدمات والموارد كي يستمتع بها دون بذل أدنى مجهود. أضف إلى ذلك، لن يشهد المستقبل وجود فقراء، لوجود ما يسمى بـ «الرَّاتب العالمي» Universal Salary الذي سيُمنح للجميع. إلَّا أن هذا التصريح كان طامة كبرى؛ فلقد أكَّد على انقراض الوجود البشري، وأن الفئة النخبوية الطابع Elite التي يتحدَّث عنها «إيلون ماسك»، والتي يتطابق وصفها مع وصف طبقة الـ «إيلوي» Eloi في رواية «آلة الزمن»، والتي ستتمتَّع بكل المزايا المتاحة، لن يتعدى عددها بضعة ملايين.
العالم الذي عرفه الإنسان قبل ظهور الذكاء الاصطناعي هو بالفعل آخذ في التلاشي على نحو يومي، ويحدث الآن بالفعل عزل طبقة القائمين على تطوير الذكاء الاصطناعي، الذين بحوزتهم جميع مفاتيح تشغيل الآلات، في أماكن لا يصلها البشر شيئًا فشيئًا. وفي نهاية المآل، سيصيرون مجرَّد أسماء وألقاب يُرعب ذكرها كل من يتذكَّرها أو حتى يحاول التفوُّه بها. فهل يضحى عالم المستقبل منقسمًا إلى طبقتي «إيلوي» و»مورلوك»، بعد انقراض البشر، أو بالأحرى تقديمهم قرابين لمعابد الذكاء الاصطناعي؟

