أخبار لبنانية

رئيس الجمهوريّة اللبنانية اليوم: هل يهمّه الرّأي الآخر حقّاً؟

مالك أبو حمدان

لَطالَما حَرصنا على مُخاطَبَة رئيس الجُمْهوريَّة بكُلِّ احتِرامٍ وتَقديرٍ ومَودَّة، وهذا أمرٌ مُهمٌّ لا بدّ من محاولة الحفاظ عليهِ قَدر الإمكان.. وحتّى آخر نفس مُمكن إن جازَ التّعبير. ولكِنَّنا بِتنا، اليَوم تحديداً، أمامَ مُفترَقٍ خَطير: يَتَّصِلُ بالتَّوجُّهات التَّنْفيذيَّة المَصيرِيّة المُتَّخذة من جهة، وكذلك بتَجلِّيات الخِطاب السِّياسيّ عموماً لدى الرّئيس جوزاف عون من جهة ثانية. السُّؤالُ المِحْوَرِيُّ واقعاً هنا، هو: هَل يَهُمُّ رئيسَ الجُمْهوريَّة، حقّاً، دراسة وتفهّم ومناقشة رأي شَريحةٍ واسِعةٍ – وحَيّةٍ وحَركيّةٍ – من الشّعب اللّبنانيّ، وخُصوصًا في ما يعني التَّوجّهَ الحاليَّ نحو التَّفاوض المُباشر مع حكومة بنيامين نتنياهو الاسرائيليّة؟ هل يُمكن أن يَهتمّ رئيس الجمهوريّة بذلك، بَعدُ، حقّاً؟ للأسف، إنَّ الإجابةَ لم تعُد تبدو لي “إيجابيّة” في أحيانٍ كثيرة، لا سيّما في هذه المرحلة الدّقيقة جدّاً من تاريخ بلدنا وعالمنا العربي والإسلامي. وللحفاظِ على شيءٍ من الايجابيّة (الوطنيّة) في الأمر، وبعيداً عن التَّموضعات الأيديولوجيّة والحِزبيّة والعَاطفيّة، لنَطرَح الأسئِلة التَّالية بِوضوحٍ وبِمَسؤوليّة واقعاً، لمحاولة إبقاء شيءٍ من عقليّة النّقاش على قيد الحياة: أوّلًا؛ إذا كانَت النَّتيجَة المَقصودة مُمكِنَةً عَبرَ قَنَواتٍ تَفاوُضِيَّةٍ غَيرِ مُباشِرَةٍ – اعتِياديّة ومُجرَّبة – مَعَ العَدوّ، فما الجَدوى الحقيقيّة والواقعيّة من الذّهاب إِلى مُفاوَضات.. مُباشِرَة وفي هذا التّوقيت المؤلم والدّمويّ في كلّ المنطقة؟ هل نُريد “المفاوضات المُباشرة” فَقَط لِنَقول.. إِنَّنا قد التَزَمْنا بما يَطْلُبُهُ منّا بَعْضُ “الرُّعاة” الدّوليّين والاقليميّين؟ حقّاً، هذه النّقطَة تَبدو غَير مُقنعة أبداً حتّى هذه اللّحظة، وخصوصاً في السّياق اللّبنانيّ والاقليميّ المَذكور.

ثانيًا؛ هل يَصحُّ أنْ يُفاوِضَ وحيداً أو مُستفرداً (عمليّاً).. طَرَفٌ لَيْسَ هُوَ من يَخوضُ المُواجَهَة العَسْكَرِيَّة على أرض الواقع الملموس والمؤثِّر؟ أليسَ الأقرب إلى الصَّواب أن نقول: إنَّ السّلطة السّياسيّة الرّسميّة في هذه الحالة، عِنْدَ دُخولِها أيَّ مَسارٍ تَفَاوُضِيّ، مُطالَبَةٌ بِأَنْ تُفاوِضَ بِاسْمِ كُلِّ القِوى اللُّبْنانيَّةِ المَعْنِيَّةِ، وفي المُقدِّمة القُوَّة التي تُواجِهُ على الأَرْضِ (مع شعبِها وبيئتها ومؤيّديها طبعاً)؟ حقّاً: هل يُفاوضُ على القِتال.. من لَيس يُقاتل عمليّاً؟ هذه النّقطة أيضاً ليست مُقنعةً تماماً، خصوصاً وأنّ هذه السّلطة قد سَعت – ولم تزل تسعى – إلى اقصاء بل وإلى تجريم هذه الجهة المعنيّة، وبكلّ ما أوتيَت من قدراتٍ عند كلّ محطّة أساسيّة.

ثالثًا؛ هل نُقْدِمُ على سلوك هذا الخِيار مِن دُونِ دِراسَةٍ مُعَمَّقَةٍ لِلتَّجارِبِ التّاريخِيَّةِ اللُّبنانِيّة – القَريبَةِ نِسبيّاً – وَتَبِعاتِها المَعروفة على البَلد؟ وهل نُقدمُ على ذلك، مِن دونِ تَحليلٍ جدّيٍّ لِما أنتَجَتهُ خِياراتٌ مُماثِلةٌ عَلَى مُستَوى الوحدَة الدّاخلِيَّة، والانسِجام الوَطَنِيّ، ومستقبل العقد الاجتماعيّ، خُصوصًا وَأَنَّنا نَسيرُ حاليّاً، وفي الغالبِ الأغلَب، من دُونِ موافقة مُكوِّن أساسِيّ – بل ومن دون رَأيٍ أساسِيٍّ – فِي البَلَد؟ لا أفهم، بكلّ صدق، كيفَ لا نَرى بِوضوح.. خطورةَ هذه النّقطة. هل نقرأ التّاريخَ بِما يكفي من تمعّن؟ هل نعرفُ طبيعةَ مُجتمعاتنا بعُمق؟ هل نُدركُ درجةَ حَيويّة الجِهات الرّافضة لهذا المسار على أرض الواقع النّضاليّ والكفاحيّ الشّعبيّ اليوميّ؟ أسئلةٌ تُسأل واقعاً. *** رابعًا؛ هل نَحنُ جادّونَ فِعلًا في ذلك، وأمامَنا تَجارب قائِمَة فِي الاقْليم.. لا نَأْخُذُها بِالاِعْتِبارِ على أرض الواقع؟ خُذ مَثلاً سُلطةَ رامَ الله، وَسِياقاتٍ أُخرى مَعروفة ونموذجيّة.. فِيما يَعْني فَريقَ “اتّفاق أوسْلو” فِي الدّاخِل الفلسْطينِيّ: ما هِيَ النَّتائِجُ العَمليّةُ التِي أوصَلَت إِلَيْها مِثْلُ هذِهِ المُقارَبات وبَعد كلّ هذه السّنين، وفي الأمور الأساسيّة؟ هل يأخذُ العقلُ الاسرائيليُّ عموماً.. فيُعطي؟ أم هو مِنَ الذين يَأخذون فلا يُعطون إلّا القَليل أو لا يُعطونَ أبداً؟ هل من الواقِعِيِّ الايحاءُ اليومَ لِلُّبْنانيّين: بأنَّ المُفاوَضاتِ المُباشرة – وربّما التَّطبيع غداً – مع حُكومَةِ نتَنياهو قادِرَةٌ على احْداثِ اختراقٍ جدِّيّ، بَيْنَما هِيَ فاشِلَةٌ إِلى حَدٍّ كَبيرٍ فِي مِلَفّاتٍ أكثر خطورة.. مثل الضِّفّة الغرْبيَّة، والقضيّة الفلسطينيّة برُمَّتها.. وصولاً حتّى إلى سِياقٍ كَسِياق النِّظامِ السُّورِيِّ الجَديد؟ بالمُناسَبة: هل نَدرُس، فِعلًا، تَجربَةَ هذا النِّظامِ الجَديد في سوريا.. والذي قال للغرب – مع التّبسيط – إنّي قد طردتُ لكم “الأسد” وجُندَه في توقيتٍ اقليميّ وعسكريّ واضِح لكم؛ وطردتُ “حزب الله” و”إيران” وكلّ فصيل مقاوِم من العَرَب أو من العَجَم.. فماذا أنتم فاعِلون مع نتنياهو؟ ما الذِي أعطاهُ ايّاهُ نتنياهو عَمَلِيًّا مِن خِلالِ المُفاوَضاتِ المُباشرة ومن خِلالِ هذه المُقارَبة العامّة ومن خلال الاعتراف؟ ألَيسُوا هُم أنفُسهُم، أي أركان هذا النّظام.. من يَقولُ اليومَ إِنَّ نتنياهو وحكومتَهُ لَيُناوِرانِ.. وَلا يُعْطِيانِ شَيْئًا مَلْموسًا حتّى بشقّ الأنفس؟ هل وزن لبنان على المستوى الجيو-استراتيجيّ والمستوى الجيو-سياسيّ، بالنّسبة إلى اللّاعب الأميركيّ تحديداً، بوزن الملفّ السّوريّ وبخطورة ملفّ أحمد الشّرع.. لكي نُوحيَ لأنفسِنا وللنّاس وكأنّنا سننالُ أكثر من المُفاوض السّوريّ في واقع الأمور؟

هل نَحن وَاعون بما يَكفي للفَخّ الذي يَنصبه لنا بنيامين نتنياهو؟ ففي جوهر الأمور، ماذا سيقول لكم – في مضمون المضمون إذن – إلّا أن.. اذهَبوا فقاتِلوا “حزب الله” وقاعدَتَه ومن يُؤيِّدُه.. ثمّ نرى ماذا نُعطيكم؟ هل نتوقّع حقّاً.. شيئاً مُختلفاً؟

  الشرق الأوسط بين إنسحاب أمريكا.. وإنكفاء أوروبا! ثُمّ، وبكلّ صدقٍ وموضوعيّة: هل هناك شيءٌ في هذا العالم، يا فخامةَ الرَّئيس، اسمُهُ تحريرُ الأرضِ والبحرِ والسّماءِ والانسانِ والسّيادة.. من خلال مُجرّد المُفاوضات، والوَعدِ بالاعتراف وبالسّلام؟ ومَعَ من؟ مَعَ نتنياهو وحكومتِه؟ وهل من المَعقول استخدام حجّة “أنّنا تعِبنا” من الحروبِ والدّمارِ والدّمِ والأسرِ.. لتبرير الذّهاب في خياراتٍ قد تعني في نهاية المَطاف: إمّا التّسليم بالحقوق وبالسّيادة، أو المواجهة الدّاخِليّة؟ ألم نسمَع، مع الأصدقاء الأحبّاء من مستشاريكم، قولَ الشّاعرِ أبي فِراس الحَمَدانيّ في هذا الأمرِ عُموماً: وَلا خَيرَ فِي رَدِّ الرَّدى بِمَذَلَّةٍ/ كَما رَدَّها يَوماً بِسَوءَتِهِ “عَمروُ”

أخيراً وَلَيسَ آخِراً، هل من المَعقول كذلك استِمرارُ استِخدامِ تَعابير تُثِيرُ حَساسيَّة شَرائح وَاسِعةٍ من اللُّبْنانيّين.. مِن قِبَل رَئيس الجُمْهوريَّة نَفسِه؟ من مِثل ذلك: استِخدام عِباراتٍ “كَـتَنْظيف جَنوبِ اللِّيطانيّ” من فُلان وفُلان من أهلِه؛ أو الحَديث عَن “غَريزَة انتِحار” لدى بعضِنا (مِنَ البَشَر)؛ أو تِكرار عِبارَة “حُروب الآخَرين عَلَى أرضِنا” مع قومٍ يُواجهون أصعب قوّة احتلاليّة واستعماريّة في العالم المُعاصر ربّما.. ويُواجهونها ويُعانون معها منذ عقود؟ هل يَجوز الاستمرارُ في استخدام عباراتٍ كهذه، حقّاً، ومع كلّ الاحترام؟ على أيِّ حال، هذه أسْئِلَةٌ نَضعُها على الطّاوِلَةِ الرئاسية بكُلِّ مَسؤوليَّةٍ ومَوضوعِيَّةٍ وايجابِيَّة، آمِلينَ فِي استفزازِ تفكّرٍ “رئاسيٍّ” ما، واستفزازِ حوارٍ ما… حوارٍ وطنيّ، جادٍّ وَعِلْمِيٍّ وَبَنّاءٍ يَخْدِمُ مُسْتَقْبَلَ هذا البَلَد. ومَا عَلى الكَاتِب أخي المَقال.. إلّا التَّحذيرُ الايجابيُّ السِّلميُّ المُبين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *